(وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ)، إجْماعًا حكاه ابنُ المنذر، وابنُ عبد البرِّ (^١)؛ لِما رَوَى عمرو بنُ حَزْمٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في كتابه: «دِيَةُ المرأة نصفُ دِيَةِ الرَّجُل» (^٢).
لكِنْ حُكِيَ عن ابن عُليَّةَ، والأصمِّ: أنَّ دِيَتَها كَدِيَةِ الرَّجُل؛ لقوله ﵇: «في النَّفس المؤمنةِ مِائَةٌ من الإبل» (^٣)، وهو قَولٌ شاذٌّ يُخالِفُ إجْماعَ الصَّحابة، مع أنَّهما في كتابٍ واحدٍ، فيكونُ الأوَّلُ مفسِّرًا (^٤) ومخصِّصًا له.
(وَيُسَاوِي جِرَاحُهَا جِرَاحَهُ إِلَى ثُلُثِ (^٥) الدِّيَةِ)؛ لِمَا رَوَى عمرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «عَقْلُ المرأة مِثْلُ عَقْلِ الرَّجل حتَّى تبلغ (^٦) الثُّلثَ مِنْ دِيَتِها» رواه النَّسائيُّ، والدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ روايةِ إسْماعيلِ بنِ عيَّاشٍ، عن ابن جُرَيجٍ (^٧).
_________________
(١) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ١٢٢، الاستذكار ٨/ ٦٧.
(٢) حديث عمرو بن حزم سبق تخريجه ٩/ ٢١٠ حاشية (١)، لكن هذه الجملة ليست فيه، بل أخرجها البيهقي في الكبرى (١٦٣٠٥)، من حديث معاذ بن جبل ﵁، قال رسول الله ﷺ: «دية المرأة على النصف من دية الرجل»، وفي سنده: بكر بن خنيس وهو صدوق له أغلاط، وضعف الحديث البيهقي والألباني. ينظر: التلخيص الحبير ٤/ ٧٤، الإرواء ٧/ ٣٠٦.
(٣) سبق تخريجه ٩/ ٢١٠ حاشية (١).
(٤) في (م): فيكون الأمر معسرًا.
(٥) في (م): الثلث.
(٦) في (ن): يبلغ.
(٧) أخرجه النسائي (٤٨٠٥)، والدارقطني (٣١٢٨) من طريق إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: قال: قال رسول الله ﷺ: «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها»، هو من رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج وروايته عن الحجازيين ضعيفة، وأيضًا ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب، وهو مدلس وقد عنعنه، وأخرجه عبد الرزاق (١٧٧٥٦)، من طريق ابن جريج، عن عمرو بن شعيب مرسلًا، وأخرجه أيضًا (١٧٧٥٧)، عن معمر، عن رجل، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مثله. ينظر: تنقيح التحقيق ٤/ ٥١٩، الإرواء ٧/ ٣٠٩.
[ ٩ / ٢٥٣ ]
(فَإذَا زَادَتْ صَارَتْ عَلَى النِّصْفِ) وهو قَولُ عمرَ (^١)، ورواه سعيدٌ، حدثنا هُشَيمٌ، أنا (^٢) الشَّيبانيُّ وابن أبي (^٣) لَيلَى وزكريَّا، عن الشَّعْبيِّ، عن زَيدٍ (^٤)؛ لِمَا رَوَى ربيعةُ، قلت لسعيدِ بنِ المسيِّب: كم في إصبَعِ المرأة؟ قال: عشرٌ (^٥) من الإبل، قلتُ: ففي إصبَعَينِ؟ قال: عِشرونَ، قلتُ: ففي (^٦) ثلاثِ أصابِعَ؟ قال: ثلاثون، قلتُ: ففي أربعِ أصابِعَ؟ قال: عشرونَ، قلتُ: لمَّا عَظُمَتْ مُصيبتُها قلَّ (^٧) عَقْلُها؟!، قال: هكذا السُّنَّةُ يا ابن أخي، رواه مالكٌ، عن ربيعةَ (^٨).
_________________
(١) أخرجه البخاري معلقًا (٩/ ٧)، ووصله سعيد بن منصور (١٩٦٢)، وابن أبي شيبة (٢٧٤٩٦)، والبيهقي من طريق سعيد في الكبرى (١٦٣١٤)، عن إبراهيم، قال: كان فيما جاء به عروة البارقي إلى شريح من عند عمر ﵁: «أن الأصابع سواء، الخنصر والإبهام سواء، وأن جروح الرجال والنساء سواء في السن والموضحة، فما خلا فعلى النصف»، وصححه إسناده ابن حجر والألباني، وله طرق أخرى عن عمر. ينظر: الفتح ١٢/ ٢١٤، الإرواء ٧/ ٣٠٧.
(٢) في (م) و(ن): ثنا.
(٣) قوله: (وابن أبي) في (م): وأبي.
(٤) أخرجه علي بن الجعد كما في المسند (٢٢٤) ومن طريقه البيهقي في الكبرى (١٦٣١٠) من طريق شعبة، عن الحكم، عن الشعبي، عن زيد ﵁ قال: «جراحات الرجال والنساء سواء إلى الثلث، فما زاد فعلى النصف»، وقال ابن مسعود ﵁: «إلا السن والموضحة فإنهما سواء، وما زاد فعلى النصف»، وقال علي بن أبي طالب ﵁: «على النصف في كل شيء» قال: وكان قول علي أعجبها إلى الشعبي. والشعبي لم يسمع من زيد بن ثابت قاله ابن المديني. ينظر: تهذيب التهذيب ٥/ ٦٨.
(٥) في (م): عشرين
(٦) في (ظ) و(ن): في.
(٧) في (م): قال.
(٨) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٨٦٠)، والبيهقي في الكبرى (١٦٣١١)، وإسناده صحيح. ينظر: الإرواء ٧/ ٣٠٩.
[ ٩ / ٢٥٤ ]
وعن أحمدَ: أنَّها على النِّصف فيما قلَّ أوْ كثُرَ، رواه سعيدٌ عن عليٍّ (^١)؛ كالزَّائد.
فلو بلغ جراحُها الثُّلثَ؛ ففيه رِوايَتانِ:
إحداهما، وهي الأظْهَرُ، قاله ابنُ هُبَيرةَ، وقدَّمها السَّامَريُّ: أنَّهما يَستَوِيانِ فيه؛ لأِنَّه لم يَعبُرْ (^٢) حدَّ القلة، ولهذا صحَّت الوصيَّةُ به (^٣).
والثَّانيةُ، وقدَّمها في «الرِّعاية» وصحَّحها في «المغني»، و«الشَّرح»: يَختَلِفانِ فيه؛ لقوله: «حتَّى تبلغ (^٤) الثُّلثَ»، و«حتَّى» للغاية، فيَجِبُ أنْ يكون (^٥) مُخالِفًا لِمَا قَبْلَها، والثُّلثُ في حدِّ الكثير؛ لقوله: «والثُّلثُ كثيرٌ» (^٦)، ولأِنَّ العاقِلةَ تَحمِلُه، فدلَّ على أنَّه يُخالِفُ ما دُونَه.
فأمَّا دية (^٧) نِساءِ سائرِ الأديان؛ فتُساوِي دِياتُهنَّ دياتِ (^٨) رجالِهم إلى الثُّلث.
_________________
(١) أخرجه محمد بن الحسن في الحجة (٤/ ٢٧٨)، وعبد الرزاق (١٧٧٦٠)، ومن طريق محمد بن الحسن أخرجه الشافعي في الأم (٧/ ٣٢٩)، والبيهقي في الكبرى (١٦٣٠٩)، عن إبراهيم، عن علي ﵁ قال: «جراحات المرأة على النصف من جراحات الرجل»، هذا لفظ عبد الرزاق، وفي الحجة لمحمد بن الحسن: «عقل المرأة على النصف من عقل الرجل في النفس، وفيما دونها»، وهذا منقطع بين إبراهيم وعلي، ويقويه ما أخرجه البيهقي في الكبرى (١٦٣٠٨)، من طريق سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، عن الشيباني، وابن أبي ليلى، وزكريا، عن الشعبي، أن عليًّا ﵁ كان يقول: «جراحات النساء على النصف من دية الرجل فيما قل وكثر»، وفي سماع الشعبي من علي خلاف، والأقرب أنه أدركه، وسمع منه حديثًا أخرجه البخاري (٦٨١٢). ينظر: التابعون الثقات للهاجري ٢/ ٤٦٣.
(٢) في (ظ) و(ن): يغير. والمثبت موافق لما في الشرح الكبير ٢٥/ ٣٩١.
(٣) قوله: (به) سقط من (م).
(٤) في (ظ): يبلغ.
(٥) قوله: (يكون) سقط من (م).
(٦) أخرجه البخاري (٢٧٤٢)، ومسلم (١٦٢٨)، من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.
(٧) قوله: (فأما دية) سقط من (م).
(٨) قوله: (ديات) سقط من (م).
[ ٩ / ٢٥٥ ]
ويَحتَمِلُ: أنْ تُساوِيَ المرأةُ الرَّجُلَ إلى ثُلثِ دية الرَّجل المسلِمِ؛ لأِنَّه القدرُ الكثير (^١) الَّذي ثبت له التَّنصيفُ في الأصل (^٢)، وهو دية (^٣) المسلمين.
(وَدِيَةُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ نِصْفُ دِيَةِ ذَكَرٍ، وَنِصِفُ دِيَةِ أُنْثَى)؛ لأِنَّ مِيراثَه كذلك، فكذا دِيَتُه، لا يُقالُ: الواجِبُ دِيَةُ أنثى لتيقُّنِها (^٤)؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ الذُّكوريَّةَ والأنوثِيَّةَ احِتْمالًا وَاحِدًا، فيَجِبُ التَّوسُّطُ بَينَهما، والعَمَلُ بكلا (^٥) الاِحْتِمالَينِ.
(وَكَذَلِكَ فِي أَرْشِ جِرَاحِهِ)؛ لأِنَّ الجِراحَ كالتَّابِع للقتل (^٦)، فإذا كان في القتل نصفُ دِيَةِ ذَكَرٍ ونصفُ دِيَةِ أُنْثى؛ فلأن (^٧) يَجِبَ أرْشُ الجراح كذلك بطريق الأَوْلى.
لكِنْ إن كان دُونَ الثُّلث؛ فيَسْتَوِي الذّكَر والخُنْثى؛ لأِنَّ أدْنَى حالاتِه أنْ يكونَ امرأةً، وهي تُساوِيهِ، وفيما (^٨) زاد ثلاثةُ أرْباعِ جُرْحِ ذَكَرٍ.
_________________
(١) في (ن): الكبير.
(٢) في (م): إلى الأجل.
(٣) في (م) و(ن): ذمة.
(٤) في (ن): لتبقيتها.
(٥) في (م): بكل.
(٦) في (م): للفعل.
(٧) في (م): فالآن.
(٨) في (ن): فيما.
[ ٩ / ٢٥٦ ]