(وَدِيَةُ الْكِتَابِيِّ (^١) نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ) في ظاهِرِ المذهب، وقدَّمه ونَصَرَه الأكثرُ؛ لحديثِ عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه مرفوعًا، قال: «دِيَةُ الكتابيِّ نصفُ دِيَة المسْلِمِ» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ وحسَّنه (^٢).
(وَعَنْهُ: ثُلُثُ دِيَتِهِ)، اختاره أبو محمَّدٍ الجَوزيُّ؛ لِمَا رَوَى عبادةُ بنُ الصَّامِت مرفوعًا قال: «دِيَةُ اليهوديِّ والنَّصرانيِّ أربعةُ آلافٍ»، ورواه (^٣) الشَّافِعِيُّ بإسْنادٍ جيِّدٍ عن عمرَ (^٤).
والأوَّلُ أصحُّ، وقد رَجَعَ أحمدُ عن الثَّانية، وحديثُ عُبادةَ لم يَذكُرْهُ أصحابُ الحديث، فالظَّاهِرُ أنَّه لَيسَ بصحيحٍ، وحديثُ عمرَ إنَّما كان ذلك
_________________
(١) كتب في هامش (ظ): (تنبيه: ولا فرق في ذلك بين الذمي منهم والمستأمن؛ لاشتراكهم في الكتاب مع حقن الدم، والله أعلم).
(٢) أخرجه أحمد (٦٧١٦)، وأبو داود (٤٥٨٣)، والترمذي (١٤١٣)، والنسائي (٤٨٠٦، ٤٨٠٧)، وابن ماجه (٢٦٤٤)، ولفظ أحمد وابن ماجه: «أن رسول الله ﷺ قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى»، وعند أبي داود: «دية المعاهد نصف دية الحر»، وعند الترمذي: «دية عقل الكافر نصف دية عقل المؤمن»، وحسنه الترمذي والألباني. ينظر: الإرواء ٧/ ٣٠٧.
(٣) في (م): رواه.
(٤) هذا الحديث قال ابن حجر: (لم أجده من حديث عبادة إلا فيما ذكر أبو إسحاق الإسفراييني في كتاب أدب الجدل له؛ فإنه قال: رواه موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن عبادة به)، ثم ذكر أنه ورد عن عمر ﵁ كما أخرجه الشافعي في الأم (٤/ ٣٠٨)، وعبد الرزاق (١٠٢٢١)، وابن أبي شيبة (٢٧٤٥٤)، والطبري في التفسير (٧/ ٣٣٢)، والدارقطني (٣٢٤٨)، والبيهقي في المعرفة (١٦٢١٧)، عن سعيد بن المسيب: «أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى في اليهودي والنصراني أربعة آلاف وفي المجوسي ثمانمائة درهم»، وصححه البيهقي وابن الملقن. ينظر: المعرفة للبيهقي ١٢/ ١٤٢، خلاصة البدر ٢/ ٢٨١.
[ ٩ / ٢٥٧ ]
حِينَ كانت الدِّيَةُ ثمانيةَ آلافِ درهم (^١)، فأوجب (^٢) فيها نصفَها.
(وَكَذَلِكَ جِرَاحُهُمْ (^٣) من (^٤) دياتِهم (^٥) كجِراحِ المسلمين مِنْ دِياتهم، وهو الثُّلثُ، أو النصف (^٦) على الخِلافِ.
(وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ)، بغيرِ خلافٍ نَعلَمُه، قاله (^٧) ابنُ المنذر (^٨)؛ كنِساءِ المسلمين.
(وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ، وَالْوَثَنِيِّ: ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ).
أمَّا الأوَّلُ: فهو قَولُ عمرَ (^٩)، وعُثْمانَ (^١٠)، وابنِ مسعودٍ (^١١)، والأكثرِ؛
_________________
(١) قوله: (درهم) سقط من (م).
(٢) في (ن): وأوجب.
(٣) في (م): جراحتهم.
(٤) في (ظ): في.
(٥) في (م): دمائهم.
(٦) في (م): والنصف.
(٧) في (م): قال.
(٨) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ١٢٢.
(٩) أثر عمر سبق قريبًا ورُوي من أوجه أخرى، منها: ما أخرجه عبد الرزاق (١٠٢١٩)، من طريق سليمان بن يسار: «أن عمر بن الخطاب ﵁ جعل دية المجوسي ثمانمائة درهم»، وهو من رواية إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وهو متروك، وسليمان لم يسمع من عمر، وأخرجه مالك (٢/ ٨٦٤)، بإسناد صحيح من قول سليمان بن يسار، ليس فيه عمر، ورُوي عنه أيضًا من طرق أخرى عند عبد الرزاق (١٠٢١٥)، والدارقطني (٣٢٤٢).
(١٠) أخرجه ابن حزم كما في الإيصال وذكره عنه ابن حجر في التلخيص (٤/ ٩٨)، من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «دية المجوسي ثمانمائة درهم»، قال عقبة: «وقتل رجل في خلافة عثمان كلبًا لصيد، لا يعرف مثله في الكلاب، فقوِّم بثمانمائة درهم، فألزمه عثمان تلك القيمة، فصارت دية المجوسي دية الكلب»، قال ابن حجر: (وإسناده ضعيف من أجل ابن لهيعة).
(١١) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٦٣٤٣)، من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، أن عليًّا وابن مسعود ﵄ كانا يقولان في دية المجوسي: «ثمانمائة درهم»، وإسناده ضعيف لأجل ابن لهيعة قاله ابن حجر في التلخيص ٤/ ٩٨.
[ ٩ / ٢٥٨ ]
لِمَا رَوَى عُقْبةُ بنُ عامِرٍ مرفوعًا، قال: «دِيَةُ المجوسيِّ ثَمانُمائةِ درهَمٍ» رواه ابن عَدِيٍّ (^١)، وطَعَنَ فيه بَعضُهم مع (^٢) قوله ﵇: «سُنُّوا بهم (^٣) سُنَّةَ أهلِ الكتاب» (^٤)، فَوَجَبَ أنْ تكون (^٥) دِيَتُه كدِيَةِ الكتابي، لكنَّه محمولٌ على أخْذِ الجِزية وحَقْنِ الدَّم، لا في كلِّ شَيءٍ، بدليلِ أنَّ ذبائحَهم ونِساءَهم لا تَحِلُّ لنا.
وأمَّا (^٦) الثَّاني: فَلأِنَّه كافِرٌ لا تَحِلُّ ذبيحتُه، أشْبَهَ المجوسيَّ.
وكذا كلُّ مَنْ لا يجوزُ قتله؛ كالذِّمِّيِّ، والمسْتَأْمَنِ، والمعاهَدِ، ونساؤهم على النِّصف مِنْ دِياتهم، وجِراحُ كلِّ أحدٍ مُعتَبَرٌ من دِيَتِه؛ كالمسلم (^٧).
فرعٌ: عَبَدَةُ الأوثان وسائِرُ مَنْ لا كِتابَ له؛ لا ذِمَّةَ لهم، وإنَّما تُحقَنُ
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ٣٤٧)، والبيهقي في الكبرى (١٦٣٤٤)، وإسناده ضعيف، فيه عبد الله بن لهيعة، والراوي عنه أبو صالح كاتب الليث، وهو صدوق كثير الغلط، وذكره ابن عدي في جملة مروياته، وضعف الحديث البيهقي وابن حجر. ينظر: التلخيص الحبير ٤/ ٩٩.
(٢) زيد في (م): أن.
(٣) في (م): سنوهم.
(٤) سبق تخريجه ٤/ ٥٩١ حاشية (٧).
(٥) في (م): يكون.
(٦) زيد في (م): في.
(٧) كتب في هامش (ظ): (تنبيه: قوله في الفروع: "ودية مجوسي ووثني، ذمي ومعاهد أو مستأمن بدارنا ثمانمائة درهم" انتهى، الظاهر أن قوله: "ذمي" عائد إلى المجوسي، وقوله: "معاهد" عائد إلى الوثني، لكن لا فرق بين الوثني وغيره فيما إذا عاهد، وإن أعدنا لفظة "ذمي" إلى المجوسي والوثني، ففيه نظر؛ لأن الوثني لا يكون ذميًّا إلا على قول ضعيف، وليس القول مخصوصًا به، بل به وبغيره، والله أعلم).
[ ٩ / ٢٥٩ ]
دماؤهم بالأمان، فإذا قُتِلَ مَنْ له أمانٌ منهم؛ فدِيَتُه دِيَةُ مجوسيٍّ؛ لأِنَّها أقلُّ الدِّيات، فلا تنقص (^١) عنها.
(وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ؛ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ)؛ لأِنَّه لا عَهْدَ له ولا أمانَ، أشْبَهَ الحربيَّ، لكِنْ لا يَجوزُ قَتْلُه حتَّى يُدْعَى.
(وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ كَانَ ذَا دِينٍ؛ فَفِيهِ دِيَةُ أَهْلِ دِينِهِ)؛ لأِنَّه مَحْقونُ الدَّم، أشْبَهَ مَنْ له أمانٌ.
وقال أبو الفَرَج: كَدِيَةِ مُسلِمٍ؛ لأِنَّه لَيسَ له من (^٢) يَتبَعُه.
والأول (^٣) أَوْلَى، فإنَّ هذا يَنتَقِضُ بصِبْيانِ أهلِ الحَرْب ومَجانِينِهم؛ لأِنَّه كافِرٌ لا عَهْدَ له.
فإنْ كان له عهد (^٤)؛ ففيه دِيَةُ أهلِ دِينِه.
فإنْ لم يُعرَفْ دِينُه؛ فدِيَةُ مُجوسِيٍّ؛ لأِنَّه اليَقِينُ، والزيادة (^٥) مشكوكٌ فيها.
مسألةٌ: نِساءُ أهلِ الحرب، وذرِّيَّتُهم، وراهِبٌ؛ يَتْبَعونَ أهلَ الدَّار أو الآباء (^٦).
_________________
(١) في (م): فلا ينقص.
(٢) في (م): دين. والمثبت موافق للفروع ٩/ ٤٤٠.
(٣) في (م): الأولى.
(٤) قوله: (فإن كان له عهد) سقط من (م).
(٥) في (م): والديانة.
(٦) في (م): والآباء.
[ ٩ / ٢٦٠ ]