(وَدِيَةُ (^١) الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ قِيمَتُهُمَا، بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ)؛ أيْ: يُضمَنُ الرَّقيقُ في العمد والخَطَأ بقيمتِه مِنْ نَقْدِ البلد، وإنْ كَثُرتْ في المشهور عنه، وهو قَولُ سعيدٍ، والحَسَنِ، وعمرَ بنِ عبد العزيز؛ لأِنَّه مالٌ (^٢) متقوِّمٌ (^٣)، فيُضمَنُ بكمال (^٤) قِيمتِه بالِغةً ما بلغت (^٥)؛ كالفَرَس.
ويُخالِف (^٦) الحرَّ، فإنَّه يُضمَنُ بما قدَّره الشَّارِعُ، فلم يَتجاوَزْه، ولأِنَّه لَيسَ بضمانِ مال (^٧)، بدليلِ أنَّه لم يَختَلِفْ باخْتِلافِ صفاتِه، وهذا ضمانُ مالٍ يَزيدُ بزيادةِ الملكيَّة، ويَنقُص بنقصانها (^٨)، فاخْتَلَفَا.
وحُكْمُ المدبَّر، وأمِّ الوَلَد، والمكاتَبِ، والمعلَّقِ عِتْقُه بصفةٍ؛ كذلك، قال الخَطَّابِيُّ (^٩): أجْمَعَ الفُقهاء على أنَّ المكاتَبَ عَبْدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ إلاَّ النَّخَعيَّ، فإنَّه قال: يُودَى بِقَدْرِ ما أدَّى مِنْ كِتابَتِه دِيَةَ حُرٍّ، وما بَقِيَ دِيَةَ عَبْدٍ.
(وَعَنْهُ: لَا يُبْلَغُ بِهَا دِيَةُ الْحُرِّ)؛ لأِنَّ الحرَّ أشْرَفُ منه، ولأِنَّه يقال: لَمَّا أوْجَبَ في الحرِّ دِيَةً لا تَزِيدُ، وهو أشْرَفُ لِخُلُوِّه مِنْ نَقْصِ الرِّقِّ؛ كان تنبيهًا على أنَّ العبدَ المنقوصَ لا يُزاد (^١٠) عليها.
_________________
(١) قوله: (ودية) سقط من (م).
(٢) في (م): ولأنه قال.
(٣) في (ن): يتقوم.
(٤) في (م): بكماله.
(٥) قوله: (ما بلغت) سقط من (م).
(٦) في (ن): وتخالف.
(٧) قوله: (مال) سقط من (م).
(٨) في (م): نقصانها.
(٩) ينظر: معالم السنن ٤/ ٣٧.
(١٠) في (م): لا يزيد.
[ ٩ / ٢٦١ ]
(وَفِي جِرَاحِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّرًا مِنَ الْحُرِّ)؛ كالعُصْعُصِ، وخَرَزَة الصُّلْب؛ (مَا (^١) نَقَصَهُ) بعدَ البُرْء، بغيرِ خلافٍ نَعلَمُه (^٢)؛ لأِنَّ حقَّ المجنيِّ عليه يَنجَبِرُ، فلا تَجِبُ الزِّيادةُ.
(وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا فِي الحُرِّ (^٣)؛ كاليد، والرِّجْل، والموضِحة؛ (فَهُوَ مُقَدَّرٌ (^٤) فِي (^٥) الْعَبْدِ مِنْ قِيمَتِهِ)، قدَّمها (^٦) في «المستوعب» و«الكافي»، ورُوِيَ عن عليٍّ (^٧)،
_________________
(١) في (م): مما.
(٢) ينظر: المغني ٨/ ٤٨٥.
(٣) قوله: (لأن الحر أشرف منه …) إلى هنا سقط من (ن).
(٤) قوله: (مقدر) ضرب عليه في (ن).
(٥) في (ظ): من.
(٦) من هنا بدأ السقط من (م).
(٧) لعل مراده ما أخرجه ابن أبي شيبة (٢٧٨٦١)، والنسائي في الكبرى (٥٠٠٤)، عن أيوب، عن عكرمة، عن علي ﵁: «يُودَى المكاتب بقدر ما أدى»، وعكرمة عن علي منقطع، وأخرج عبد الرزاق (١٥٧٢١)، وابن أبي شيبة (٢٠٥٨٤)، عن الشعبي، عن علي ﵁، قال: «يعتق من المكاتب بقدر ما أدى»، والشعبي اختلف في سماعه من علي، والأقرب أنه سمع منه، وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر منقطع (١٥٧٣٤)، بلفظ: «يورث بقدر ما أدى، ويجلد الحد بقدر ما أدى، ويعتق بقدر ما أدى، وتكون ديته بقدر ما أدى»، واختلف فيه وقفًا ورفعًا، واختلف في صحابيه، فأخرجه أحمد (٧٢٣)، والبيهقي في الكبرى (٢١٦٥٤)، من طريق عكرمة، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ قال: «يودى المكاتب بقدر ما أدى»، وروي من حديث ابن عباس ﵄: فأخرجه أبو داود (٤٥٨٢)، والترمذي (١٢٥٩)، والنسائي في الكبرى (٥٠٠٢)، والحاكم (٢٨٦٦)، من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أصاب المكاتب حدًّا، أو ورث ميراثًا يرث على قدر ما عتق منه»، قال ابن عبد الهادي: (هذا الحديث روي موقوفًا ومرسلًا، وفي إسناده اختلاف)، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم وابن التركماني، قال ابن حجر: (ورجال إسناده ثقات)، والموقوف أخرجه عبد الرزاق (١٥٧١٨)، عن ابن عباس بلفظ: «إذا بقي على المكاتب خمس أواق، أو خمس ذود، أو خمس أوسق، فهو غريم»، وهذا الاختلاف في الحديث مرجعه واحد، قال البيهقي: (حديث عكرمة إذا وقع فيه الاختلاف وجب التوقف فيه، وهذا المذهب إنما يروى عن علي بن أبي طالب ﵁، وهو: «أنه يعتق بقدر ما أدى»، وفي ثبوته عن النبي ﷺ نظر). ينظر: السنن الكبرى ١٠/ ٥٤٩، الجوهر النقي ١٠/ ٣٢٦، تنقيح التحقيق ٤/ ٢٧٨، الفتح ٥/ ١٩٥.
[ ٩ / ٢٦٢ ]
قال أحمدُ: هذا قَولُ سعيدِ بنِ المسيِّب (^١)؛ لأِنَّ قِيمتَه كدِيَةِ الحرِّ.
(فَفِي يَدِهِ: نِصْفُ قِيمَتِهِ)؛ لأِنَّ الواجِبَ من الحرِّ نصفُ الدِّيَة، (وَفِي مُوضِحَتِهِ: نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ)؛ لأِنَّ الواجِبَ فيها من الحرِّ: خَمسٌ من الإبل، (نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ)؛ لأِنَّه ساوَى الحرَّ في ضَمانِ الجناية بالقصاص والكفَّارة، فساواه في اعْتِبارِ ما دُونَ النَّفس ببدلِ النَّفس؛ كالرَّجل والمرأة.
(وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُضْمَنُ بِمَا نَقَصَ، اخْتَارَهُ الْخَلاَّلُ)، قدَّمها في «الرِّعاية»، وجَزَمَ بها في «الوجيز»، قال أحمدُ: إنَّما يَأخُذُ قيمةَ (^٢) ما نَقَصَ منه على قَولِ ابنِ عبَّاسٍ (^٣)؛ لأِنَّ ضمانَه ضمانُ الأموال فيَجِبُ فيه ما نَقَصَ كالبهائم، وذَكَرَ في «المغني» و«الشَّرح»: أنَّ هذه الرِّوايةَ أقْيَسُ وأَوْلَى؛ لأِنَّ القِياسَ على الحرِّ غيرُ صحيحٍ؛ لِعَدَمِ المُساواة بَينَهما.
فعلى الأُولى: إنْ بَلَغَت الجنايةُ ثُلثَ قِيمتِها؛ احْتَمَل أنْ تُرَدَّ إلى النِّصف، فيكون في ثلاثةِ أصابِعَ؛ ثلاثةُ أعْشارِ قِيمتها، وفي أربعةِ أصابِعَ؛ خُمُسُها؛ كالحرَّة.
واحْتَمَلَ ألاَّ تُرَدَّ (^٤)؛ لأِنَّ ذلك في الحرَّة على خلاف الأصل؛ لكَونِ الأصل زيادةَ الأَرْش بزيادة الجناية، وأنَّ كلَّما زاد نَقْصُها وضَرَرُها زاد في
_________________
(١) ينظر: المغني ٨/ ٤٨٥.
(٢) في (ظ): قيمته.
(٣) ينظر: المغني ٨/ ٤٨٥. والأثر سبق تخريجه قريبًا مع أثر عليٍّ ﵁.
(٤) في (ن): ألا يرد.
[ ٩ / ٢٦٣ ]
ضَمانها، فإذا خُولِفَ في الحرَّة؛ بقينا (^١) في الأَمَة على وَفْق الأصل.
(وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ)؛ فَلا قَوَدَ عليه؛ لأِنَّه ناقِصٌ بالرِّقِّ، أشْبَهَ ما لو كان كلُّه رقيقًا، وإنْ كان قاتِلُه عبدًا أُقِيدَ به (^٢)؛ لأِنَّه أكْمَلُ من الجاني، وإنْ كان القاتِلُ نصفُه حرٌّ؛ أوْجَبَ القَوَدَ لِتَساوِيهما، وإنْ كانت الحريةُ في (^٣) القاتِلِ أكثرَ؛ لم يَجِب القَوَدِ؛ لِعَدَمِ التَّساوِي.
(فَفِيهِ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ، وَنِصْفُ قيمَتِهِ)؛ أيْ: إذا قَتَلَه حرٌّ (^٤) عَمْدًا؛ ضَمِنَ نصفَ دِيَةِ حرٍّ ونصفَ قِيمَتِه، وإنْ قَتَلَه خطأً؛ فعَلَيهِ نصفُ قِيمتِه، وعلى عاقِلَتِه نصفُ دِيَتِه؛ لأِنَّها دِيَةُ حرٍّ في الخطأ.
(وَهَكَذَا فِي جِرَاحِهِ)؛ أيْ: إذا كان قَدْرُ الدِّيَة مِنْ أَرْشِها بَلَغَ ثُلثَ الدِّيَة، مِثْلَ أنْ يَقطَعَ أنْفَه أوْ يَدَيهِ، فإنْ قَطَعَ إحدى يَدَيهِ؛ فالجميعُ على الجاني؛ لأِنَّ نصفَ دِيَةِ اليَدِ ربعُ دِيَتِه، فلا تَحمِلُها العاقلة (^٥) لِنَقْصِها عن الثُّلث، ذَكَرَه في «الشَّرح».
(وَإِنْ قَطَعَ خُصْيَتَيْ عَبْدٍ، أَوْ أَنْفَهُ، أَوْ أُذُنَيْهِ؛ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ)؛ أيْ: قيمةُ العبد؛ لأِنَّ القيمةَ بَدَلٌ عن الدِّيَة، (لِلسَّيِّدِ)؛ لأِنَّها بَدَلٌ عن الأعْضاءِ المملوكةِ للسَّيِّدِ، (وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ)؛ لأِنَّه لم يُوجَدْ سببٌ يَقتَضِي الزَّوالَ، فوَجَبَ بقاؤه على ملْكه؛ عملًا باسْتِصْحابِ الحال؛ لأِنَّ قَطْعَ يَدِ العبد مُنزَّلٌ مَنزِلةَ تَلَفِ بعضِ مالِه.
(وَإِنْ قَطَعَ ذَكَرَهُ، ثُمَّ خَصَاهُ؛ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ لِقَطْعِ الذَّكَرِ)؛ لأِنَّ الواجِبَ في
_________________
(١) في (ن): يقينًا.
(٢) في (ظ): منه.
(٣) في (ظ): الجزية من.
(٤) قوله: (حر) سقط من (ن).
(٥) قوله: (العاقلة) سقط من (ن).
[ ٩ / ٢٦٤ ]
ذلك مِنْ الحرِّ دِيَةٌ كامِلةٌ، (وَقِيمَتُهُ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ)؛ لأِنَّ الواجِبَ في قَطْعِ الخُصيتين (^١) من الحرِّ بعدَ الذكر (^٢) دِيَةٌ كاملة (^٣).
لا يُقالُ: القِيمةُ هنا نَقَصَتْ؛ لأِنَّ المؤلِّفَ قيَّدها بقَطْعِ الذَّكَر، بخِلافِ الحرِّ، فإنَّهما سَواءٌ. لأِنَّ القيمةَ في مُقابِله، لكنَّها (^٤) تزيدُ وتَنقُصُ، بخِلافِ الدِّيَة.
(وَمِلْكُ سَيِّدِهِ بَاقٍ عَلَيْهِ)؛ لِمَا مرَّ، وفي ذلك اخْتِلافٌ يَلزَمُه ما نَقَصَ مِنْ قِيمتِه.
وفي سَمْعِه وبَصَرِه، أوْ أنْفِه، أوْ أذْنَيهِ قِيمَتاهُ مع بَقاءِ ملْكِ السَّيِّد.
قال ابنُ حمْدانَ: فإنْ أذْهَبَ إحْداهما أوَّلًا؛ غَرِمَ قيمتَه كامِلًا، ثمَّ قِيمَتَه ناقِصًا.
فرعٌ: إذا جَرَحَ اثْنانِ في وقتَينِ عبدًا، أوْ حَيَوانًا، ولم يُوحياهُ (^٥)، ثُمَّ سَرَى الجُرْحانِ، فقال القاضِي: يَلزَمُ كلَّ واحِدٍ منهما ما نَقَصَه بجُرْحه مِنْ قِيمته، ويَتَساوَيانِ في بقيَّتها.
قال المجْدُ: وعِنْدِي يَلزَمُ الثَّانيَ نصفُ قِيمتِه مَجروحًا بالجُرْح الأوَّلِ، ويَلزَمُ الأوَّلَ تَتِمَّةُ قيمتِه سليمًا.
_________________
(١) قوله: (قطع الخصيتين) في (ن): ذلك.
(٢) قوله: (بعد الذكر) سقط من (ن).
(٣) قوله: (كاملة) سقط من (ن).
(٤) في (ن): لأنها.
(٥) في (ن): يوجباه.
[ ٩ / ٢٦٥ ]