(وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّعُورِ الْأَرْبَعَةِ: الدِّيَةُ، وَهِيَ: شَعْرُ الرَّأْسِ، وَاللِّحْيَةِ، وَالْحَاجِبَيْنِ، وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ)، نَصَّ عليه (^١)، رُوِيَ عن عليٍّ وزَيدٍ أنَّهما قالا: «في الشَّعْر الدِّيَةُ» رواهُ سعيدٌ بإسْنادَينِ ضَعِيفَينِ (^٢).
وعَنْهُ: فيه حُكُومةٌ؛ كالشَّارِب، وقاله أكثرُهم؛ لأِنَّه إتْلافُ جَمالٍ مِنْ غَيرِ مَنفَعةٍ؛ كاليَدِ الشَّلاَّء والعَينِ القائمةِ.
وجَوابُه: أنَّه أذْهَبَ الجَمالَ على الكمال، فَوَجَبَ فيه (^٣) دِيَةٌ؛ كأُذُنِ الأصمِّ وأنف (^٤) الأَخْشَمِ، والحاجِبُ يَرُدُّ العَرَقَ عن العَينِ ويُفرِّقه (^٥)، وهُدْبُ العَيْنِ يَرُدُّ عنها ويَصُونُها فجَرَتْ مَجْرَى أجْفانِها، واليَدُ الشَّلاَّءُ لَيسَ جَمالُها كامِلًا.
وظاهِرُه: لا فَرْقَ فيها بَينَ كَونها كثيفةً أو (^٦) خفيفةً، جميلةً أوْ قبيحةً، مِنْ
_________________
(١) قوله: (نص عليه) سقط من (م). وينظر: مسائل ابن منصور ٧/ ٣٣٣٥ - ٣٧٤٥، مسائل عبد الله ص ٤١٤ - ٤٢١، الفروع ٩/ ٤٦١.
(٢) أثر عليٍّ ﵁: أخرجه عبد الرزاق (١٧٣٧٤)، وابن أبي شيبة (٢٦٨٧٥)، عن سلمة بن تمام قال: «أفرغ رجل على رأس رجل قدرًا فذهب شعره، فذهب إلى عليٍّ فقضى عليه بالدية كاملة»، وإسناده ضعيف. وأثر زيد ﵁: أخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٨٧٦)، وسعيد بن منصور كما عند البيهقي في الكبرى (١٦٣٣٠) من طريق حجاج، عن مكحول، عن زيد بن ثابت، قال: «في الشعر إذا لم ينبت الدية»، قال البيهقي: (هذا منقطع … روينا عن علي وزيد بن ثابت ﵄ أنهما قالا: فيه الدية، قال: ولا يثبت عن علي وزيد ما روي عنهما). ينظر: التكميل لصالح آل الشيخ ص ١٦٧.
(٣) قوله: (فيه) سقط من (م).
(٤) في (م): والأنف.
(٥) في (ن): وتفرقه.
(٦) قوله: (كثيفة أو) سقط من (م).
[ ٩ / ٣٢٦ ]
صَغِيرٍ أو كبيرٍ؛ لأِنَّ سائِرَ ما فيه (^١) الدِّيَةُ مِنْ الأعضاء لا يفرقُ الحالُ فيه بذلك، ذَكَرَه في «الشَّرح».
(وَفِي كُلِّ حَاجِبٍ نِصْفُهَا)؛ كاليَدَينِ.
(وَفِي كُلِّ هُدْبٍ رُبُعُهَا)؛ كالأجْفان، ونَقَلَ حنبلٌ: كلُّ شَيءٍ من الإنسان (^٢) فيه (^٣) أربعةٌ؛ ففي كلِّ واحِدٍ رُبُعُ الدِّيَة، وطَرَدَه القاضي في جِلْدَةِ وَجْهٍ.
(وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ بِقِسْطِهِ (^٤) مِنَ الدِّيَةِ)، يُقدَّرُ بالمساحة (^٥)؛ كالأذُنَينِ، ومارِنِ الأَنْفِ.
وذَكَرَ أبو الخَطَّاب احْتِمالًا: تَجِبُ حُكُومَةٌ.
(وَإِنَّمَا تَجِبُ (^٦) دِيَتُهُ إِذَا أَزَالَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعُودُ)؛ لأِنَّ احْتِمالَ العَودَ يَمنَعُ من الوُجوبِ؛ كالسِّنِّ الصَّغِيرِ، (فَإِنْ عَادَ) بِصِفَتِه؛ (سَقَطَتِ الدِّيَةُ)، نَصَّ عليه (^٧)؛ كالسِّنِّ.
(وَإِذَا أَبْقَى (^٨) مِنْ لِحْيَتِهِ) أَوْ مِنْ غَيرِها من الشُّعور (^٩) (مَا لَا جَمَالَ فِيهِ؛ احْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ بِقِسْطِهِ)، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ كما لو أبقى (^١٠) مِنْ أُذنِه يَسِيرًا.
_________________
(١) في (م): في.
(٢) في (م): الأسنان.
(٣) في (ن): ففيه.
(٤) في (م): قسطه.
(٥) في (م): بالمسامحة.
(٦) في (م): يجب.
(٧) قوله: (إذا أزاله على وجه لا يعود …) إلى هنا سقط من (م). وينظر: مسائل عبد الله ص ٤١٤.
(٨) في (م): بقي.
(٩) في (م): الثغور.
(١٠) في (م): بقي.
[ ٩ / ٣٢٧ ]
(وَاحْتَمَلَ: أَنْ (^١) يَلْزَمَهُ كَمَالُ الدِّيَةِ)، قدَّمه في «الرِّعاية» و«الفُروع»؛ لأِنَّه أذْهَبَ المقصودَ، أشْبَهَ ما لو أذْهَبَ ضَوْءَ العَينِ، ولأِنَّ جِنايَتَه ربَّما أحوجت (^٢) إلى ذَهابِ الباقي؛ كزِيادَتِه في القُبْحِ على ذَهابِ الكُلِّ، فتَكونُ جِنايَتُه سَبَبًا لِذَهابِ الكلِّ.
وقِيلَ: تَجِبُ حُكومةٌ؛ لأِنَّه لا مقدَّر (^٣) فيها.
وعُلِمَ منه: أنَّه لا قِصاصَ في شَيءٍ من الشُّعور؛ لأِنَّ إتْلافَها إنَّما يكون (^٤) بالجناية على مَحلِّها، وهو غَيرُ مَعْلومِ المقْدارِ، ولا يُمكِنُ المساواةُ فيها، فلا تَجِبُ.
(وَإِنْ قَلَعَ (^٥) الْجَفْنَ بِهُدْبِهِ؛ لَمْ تَجِبْ (^٦) إِلاَّ دِيَةُ الْجَفْنِ)؛ لأِنَّ الشُّعورَ تَزُولُ تَبَعًا؛ كالأصابِع إذا قُطِعَ الكَفُّ وهي عَلَيهِ.
(وَإِنْ قَلَعَ اللَّحْيَيْنِ بِمَا عَلَيْهِمَا مِنَ الْأَسْنَانِ؛ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُمَا وَدِيَةُ الْأَسْنَانِ)؛ أيْ: عليه دِيَةُ الكلِّ، ولم تَدخُلْ دِيَةُ الأسْنانِ في اللَّحْيَيْنِ، كما تَدخُلُ دِيَةُ الأصابِعِ في اليد لِوُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنَّ الأَسْنانَ لَيسَتْ مُتَّصِلةً باللَّحْيَينِ، وإنَّما هي مُفردةٌ (^٧) فيها، بخِلافِ الأصابِعِ.
_________________
(١) زيد في (م): لا.
(٢) في (ظ): أخرجت.
(٣) في (م): لا يقدر.
(٤) في (ن): تكون.
(٥) في (ن): قطع.
(٦) في (ظ): لم يجب.
(٧) في (م): وإنما بقي مفرد.
[ ٩ / ٣٢٨ ]
ثانِيهَا: أنَّ أحدَهما يَنفَرِدُ باسْمِه عن الآخَرِ، بخِلافِ الأصابِعِ.
ثالِثُها: أنَّ اللَّحْيَينِ يُوجَدانِ مُنفردَينِ (^١) عن الأسْنانِ؛ لِوُجُودِهِما قَبْلَ وُجودِ الأَسْنانِ، ويَبْقَيان (^٢) بَعْدَ قلعها (^٣)، بخِلافِ الكَفِّ مَع الأصابع.
(وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا بِأَصَابِعِهِ؛ لَمْ تَجِبْ (^٤) إِلاَّ دِيَةُ الْأَصَابِعِ)؛ لِدُخولِ الجميع في مُسمَّى اليَدِ، وكما لو (^٥) قَطَعَ ذَكَرًا بحَشَفَتِه لم تَجِبْ دِيَةُ الحَشَفَةِ؛ لِدُخولها في (^٦) مُسَمَّى الذَّكَرِ.
وظاهِرُه يَقتَضِي سُقُوطَ ما يَجِبُ في مُقابَلةِ الكفِّ، وهو غَيرُ مُرَادٍ، والْأَوْلَى أنْ نَقُولَ: لم تجب (^٧) إِلاَّ دِيَةُ اليَدِ.
(وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَصَابِعِ؛ دَخَلَ مَا حَاذَى الْأَصَابِعَ فَي دِيَتِهَا)؛ لأِنَّ حُصولَ الكلِّ في الكلِّ يَقتَضِي دُخولَ البعض في البعض (^٨).
(وَعَلَيْهِ أَرْشُ بَاقِي (^٩) الْكَفِّ)؛ لأِنَّ الأصابِعَ لو كانت سالِمةً كلُّها؛ لدخل (^١٠) أرْشُ الكَفِّ كلِّه في دِيَةِ الأصابع، وكذا ما حَاذَى الأصابِعَ السَّالِمةَ يدخل (^١١) في دِيَتِها، وما حَاذَى المقْطوعاتِ لَيسَ بِداخِلٍ في دِيَتِه، فَوَجَبَ أرْشُه؛ كما لو كانَت الأصابِعُ كلُّها مَقطُوعةً.
_________________
(١) في (ن): منفردًا.
(٢) في (ظ): وينبتان. وفي (ن): وينتفيان. والمثبت موافق للمغني والشرح الكبير.
(٣) في (ظ) و(ن): قلعهما.
(٤) في (م): وإن قطع كفًا عليه بعض أصابعه لم يجب.
(٥) قوله: (لو) سقط من (م).
(٦) قوله: (في) سقط من (م).
(٧) في (م): لا يجب.
(٨) قوله: (في البعض) سقط من (ظ).
(٩) في (ن): ما في.
(١٠) في (ن): لدخول.
(١١) في (ن): تدخل.
[ ٩ / ٣٢٩ ]
وذَكَرَ ابنُ أبي مُوسَى: يَلزَمُه دِيَةُ اليَدِ كامِلةً، ينقص (^١) مِنها ديةُ الأصابِعِ المعْدومةِ.
(وَإِنْ قَطَعَ أَنْمَلَةً بِظُفُرِهَا؛ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلاَّ (^٢) دِيَتُهَا)؛ كما لو قَطَعَ كفًّا بأصابِعِه.
فرعٌ: إذا قَطَعَ كَفًّا بلا أصابِعَ، وذِراعًا بلا كَفٍّ؛ فثُلُثُ دِيَتِه، قال أحمدُ: كَعَينٍ قائمةٍ (^٣).
وعَنْهُ: حُكومةٌ، ذَكَرَهُما في «المنتخب» وغَيره.
وكذا العَضُد وتفصيل (^٤) الرِّجل.
_________________
(١) في (م): ينقص.
(٢) قوله: (دية اليد كاملة ينقص …) إلى هنا سقط من (ن).
(٣) ينظر: الفروع ٩/ ٤٦١.
(٤) في (م): وتفصل.
[ ٩ / ٣٣٠ ]