(وَفِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ (^١)، وهو قَولُ الزُّهْرِيِّ واللَّيث وجماعةٍ.
وقِيلَ: فيها نصفُ الدِّيَةِ، وقاله الأكثرُ؛ لقوله ﵇: «وفي العَينِ: خَمْسونَ من الإبل، وفي العَينَينِ: الدِّيَةُ» (^٢)، يَقتَضِي أنَّه لا يَجِبُ فيها أكثرُ مِنْ ذلك؛ لأِنَّ ما ضُمِنَ بنِصْفِ الدِّيَةِ مَعَ نَظِيرِه؛ ضُمِنَ مع ذهابه؛ كالأُذنِ.
وجَوابُه: أنَّ عمرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيًّا، وابنَ عُمَرَ نصُّوا (^٣) في عَينِ الأعْوَرِ بالدِّيَةِ (^٤)،
_________________
(١) ينظر: مسائل ابن منصور ٧/ ٣٣٤٩، مسائل عبد الله ص ٤٢٠.
(٢) كما في خبر عمرو بن حزم ﵁ وقد سبق ٩/ ٢١٠ حاشية (١).
(٣) في (م): قضوا.
(٤) أثر عمر ﵁: أخرجه ابن أبي شيبة (٢٧٠٠٩)، والبيهقي في الكبرى (١٦٣٠١)، عن أبي مجلز: أن رجلًا سأل ابن عمر عن الأعور تفقأ عينه، فقال عبد الله بن صفوان: «قضى عمر فيها بالدية». وأخرجه عبد الرزاق (١٧٤٣١)، عن أبي مجلز، عن عبد الله بن صفوان: «أن عمر بن الخطاب قضى في عين أعور فُقئت عينه الصحيحة بالدية كاملة»، وإسناده صحيح. وأثر عثمان ﵁: أخرجه ابن أبي شيبة (٢٧٠١٠)، والبيهقي في الكبرى (١٦٣٠٠)، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض: «أن عثمان قضى في أعور أصيبت عينه الصحيحة الدية كاملة»، وأبو عياض مجهول. وأثر عليٍّ ﵁: أخرجه ابن أبي شيبة (٢٧٠١١)، عن قتادة، عن خلاس، عن علي في الرجل الأعور إذا أُصيبت عينه الصحيحة، قال: «إن شاء تفقأ عين مكان عين، ويأخذ النصف، وإن شاء أخذ الدية كاملة»، وإسناده صحيح. وأخرجه البيهقي في الكبرى (١٦٢٩٤)، عن الحسن عن علي بنحوه. وأخرجه (١٦٢٩٥)، عن عطاء عن علي نحوه أيضًا. وأثر ابن عمر ﵄: أخرجه ابن أبي شيبة (٢٧٠١٢)، عن سالم، عن ابن عمر، قال: «إذا فقئت عين الأعور ففيها الدية كاملة»، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. ينظر: الإرواء ٧/ ٣١٥.
[ ٩ / ٣٣١ ]
ولم يُعلَمْ لهم مخالف (^١) في (^٢) الصَّحابة، رَوَى ذلك أحمدُ، وأخَذَ به (^٣)، ذَكَرَه ابنُ الزَّاغُونيِّ، ولأِنَّه يَحصُلُ بها ما (^٤) يَحصُلُ بالعَينَينِ مِنْ رُؤيةِ الأشياءِ البعيدةِ، وإدْراكِ الأشْياءِ اللَّطيفةِ، ويَجُوزُ أنْ يكونَ قاضِيًا، وتُجزئ في الكَفَّارة، وككمال قيمةِ صَيدِ الحرَمِ الأعورِ.
لا يُقالُ: يَنبَغِي أنْ لا يَجِبَ في ذَهابِ أحد (^٥) العَينَينِ نصفُ الدِّيَة؛ لِعَدَمِ نُقْصانِه؛ لأِنَّه لا (^٦) يَلزَمُ مِنْ وُجوبِ شَيءٍ في (^٧) دِيَة العَينَينِ نَقْصُ دِيَةِ الباقي، بدليلِ ما لو جَنَى عَلَيهِما فَعَمِشَا، فإنَّه يَجِبُ أرْشُ النَّقْص، ولا تَنقصُ (^٨) دِيَتُها بذلك.
فإنْ قَلَعَها صحيحٌ عَمْدًا؛ فله قَلْعُ نَظِيرَتِها منه، وأخْذُ نصفِ الدِّيَة في المنصوص (^٩).
وقِيلَ: لا شَيءَ له مع القَلْع.
وفي «الرَّوضة»: إنْ قَلَعَها خطَأً؛ فنِصفُ الدِّيَة.
(وَإِنْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ مُمَاثِلَةً لِعَيْنِهِ الصَّحِيحَةِ عَمْدًا؛ فَعَلَيْهِ دِيَةٌ
_________________
(١) في (م): مخالف لهم.
(٢) في (ن): من.
(٣) ينظر: مسائل عبد الله ص ٤٢٠.
(٤) قوله: (يحصل بها ما) سقط من (ن).
(٥) في (م): إحدى.
(٦) قوله: (لا) سقط من (م).
(٧) في (ن): من.
(٨) في (ظ) و(ن): ولا ينقص.
(٩) ينظر: مسائل ابن منصور ٧/ ٣٥٣٩.
[ ٩ / ٣٣٢ ]
كَامِلَةٌ، وَلَا قِصَاصَ (^١)، قاله ابنُ المسيِّبِ، وعَطاءٌ، نَقَلَ مُهَنَّى: (عمرُ، وعُثْمانُ، وعليٌّ قالوا: الأعْوَرُ إذا فُقئت (^٢) عَينُه له دِيَةٌ كامِلةٌ، ولا يُقتَصُّ منه إذا فقأ عَينَ صحيحٍ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قال بخِلافِه إلاَّ إبْراهِيمَ) (^٣)، ولأِنَّه منعناه (^٤) مِنْ إتْلافِ ضَوءٍ يُضمَنُ بديةٍ (^٥) كامِلةٍ، وكما لو قَلع (^٦) عَينَيْ سَلِيمٍ، ثُمَّ عَمِيَ، ولأِنَّه مُنِعَ القِصاصُ مَعَ وُجودِ سَبَبِه، فأُضْعِفَتِ الدِّيَةُ؛ كقاتِلِ الذِّمِّيِّ عَمْدًا.
(وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تُقْلَعَ عَيْنُهُ)؛ لأِثَرٍ رُوي (^٧) في ذلك (^٨)، وكقَتْلِ الرَّجُل
_________________
(١) قوله: (ولا قصاص) سقط من (ن).
(٢) في (ن): بقيت.
(٣) ينظر: الفروع ٩/ ٤٦٢. وتقدم تخريج الآثار قريبًا.
(٤) في (م): معناه.
(٥) في (م): بديته.
(٦) في (ن): قطع.
(٧) في (ن): لا يروى.
(٨) أخرجه عبد الرزاق (١٧٤٤٠)، ومن طريقه ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٨٢)، وابن حزم في المحلى (١١/ ٣٣)، أخبرنا ابن جريج، عن محمد بن أبي عياض: «أن عمر وعثمان ﵄ اجتمعا على أن الأعور إن فقأ عين آخرٍ فعليه مثل دية عينه»، وذكر أن عليًّا ﵁ قال: «أقام الله القصاص في كتابه: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾، وقد علم هذا فعليه القصاص، فإن الله لم يكن نسيًّا»، وعند ابن عبد البر: (ابن جريج، عن محمد، عن أبي عياض)، ولعل الإسناد هكذا كما عند ابن عبد البر، وعلى هذا فيحتمل أن أبا عياض هو قيس بن ثعلبة وهو مجهول، ويحتمل أنه غيره، وأما محمد بن أبي عياض فلم يظهر من هو، وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٧٠١٠)، والبيهقي في الكبرى (١٦٣٠٠)، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض بذكر أوله دون قول علي، قال الألباني: (وهذا إسناد ضعيف من أجل أبي عياض، فإنه مجهول). ينظر: تهذيب التهذيب ١٢/ ١٩٤، الإرواء ٧/ ٣١٦. وأخرج البيهقي في الكبرى (١٦٢٩٣)، من طريق سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي الضحى، عن عبد الله بن مغفل ﵁ في أعور فقأ عين صحيح، قال: «العين بالعين»، وذكره ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٨٨) معلَّقًا فقال: وروى ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عبد الله بن مغفل أنه قال في الأعور يفقأ عين الصحيح قال: تفقأ عين الذي فقأ عينه. وكذا علقه البيهقي في المعرفة (١٦١٦٨).
[ ٩ / ٣٣٣ ]
بامْرأةٍ، (وَ) الأَشْهَرُ: (يُعْطَى نِصْفَ الدِّيَةِ)؛ لِمَا رُوِيَ: «أنَّ عليًّا قَضَى في رجلٍ قَتَلَ امرأته (^١): يُقتَلُ بها، ويُعطَى نِصفَ الدَّية (^٢)» (^٣)، وخرَّجه (^٤) في «التَّعليق» و«الاِنْتِصار»: مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ بامْرأةٍ.
(وَإِنْ قَلَعَهَا خَطَأً؛ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ)؛ لأِنَّ الأصلَ يَجِبُ في إحْداهُما نصفُ الدِّيَة، تُرِكَ العَمَلُ به فيما تقدَّم؛ لِقَضاءِ الصَّحابة، فيَبْقَى ما عَداهُ على مُقتَضَى الدَّليل؛ كما (^٥) لو قَلَعَ الأعورُ عَينًا لا تُماثِلُ عَينَه الصَّحيحةَ.
(وَإِنْ قَلَعَ عَيْنَيْ صَحِيحٍ عَمْدًا؛ خُيِّرَ بَيْنَ قَلْعِ (^٦) عَيْنِهِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا، وَبَيْنَ الدِّيَةِ)، هذا هو المجْزُومُ به؛ لأِنَّ هذا مَبنِيٌّ على قَضاءِ الصَّحابة (^٧)؛ لأِنَّه أذْهَبَ بصرَه كلَّه، فلم يَكُنْ له أكثرُ من إذْهابِ بَصَرِه، وأنَّ عَينَ الأعورِ تَقوم (^٨) مَقامَ العَينَينِ.
وذَهَبَ جماعةٌ من العلماء: على أنَّ له القِصاصَ ونِصفَ الدية (^٩).
وذَكَرَ القاضي: قِياسُ المذهَبِ وُجوبُ دِيَتَينِ: إحداهما: في العَينِ التي اسْتَحَقَّ بها قَلْعَ عَينِ الأعْوَرِ، والأخرى في الأُخْرَى؛ عَينُ أعور (^١٠).
_________________
(١) في (م): امرأة، وزيد في (ن): أنه.
(٢) في (ن): الراحل.
(٣) سبق تخريجه ٩/ ١٠٤ حاشية (١).
(٤) في (م): خرجه.
(٥) في (م): وكما.
(٦) في (م): قطع.
(٧) سبق تخريجه قريبًا.
(٨) في (ظ): يقوم.
(٩) قوله: (الدية) سقط من (م).
(١٠) في (ظ): الأعور. وفي المغني ٨/ ٤٣٩، والشرح ٢٥/ ٥٥٧: لأنها عين أعور.
[ ٩ / ٣٣٤ ]
وجَوابُه: قَولُه ﵇: «وفي العَينَينِ الدِّيَة» (^١)، وكما (^٢) لو كان القالِعُ صحيحًا.
وظاهِرُه: أنَّه إذا فَعَلَ ذلك خطأً؛ فَلَيسَ عَلَيهِ إلاَّ الدِّيَةُ؛ كما لو قلعهما (^٣) صحيحُ العَينَينِ.
(وَفِي يَدِ الْأَقْطَعِ: نِصْفُ الدِّيَةِ، وَكَذَلِكَ فِي رِجْلِهِ) إذا أُزِيلَتْ عَمْدًا؛ لأِنَّ فيهما دِيَةً واحِدةً، ففي كلِّ واحدٍ منهما نصفُها، وكما (^٤) لو قَلَعَ أُذنَ مَنْ له أُذنٌ واحِدةٌ؛ لأِنَّ هذا أحدُ العُضوَينِ (^٥) الذي يَحصُلُ بهما مَنفَعةُ الجِنْس، لا يَقومُ مَقامَ العُضوَينِ (^٦)، وكسائرِ الأعضاء.
وعُلِمَ منه: أنَّه إذا اخْتارَ القَوَدَ؛ فله ذلك؛ لأِنَّه عُضْوٌ أمْكَنَ القود (^٧) في مِثْلِه، فكان الواجِبُ فيه القِصاصَ.
(وَعَنْهُ: فِيهَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ)؛ قِياسًا على عَينِ الأعور.
وعَنْهُ: إن (^٨) ذَهَبَت الأُولى هَدرًا؛ ففي الثَّانية دِيَةٌ كامِلةٌ، وإلاَّ فنِصْفُها؛ لأِنَّه عَطَّلَ مَنافِعَه مِنْ العُضْوَينِ جملةً، أشْبَهَ ما لو قَلَعَ عَينَ أعْوَرَ.
وفي «الرَّوضة»: إنْ ذَهَبَتْ بحَدٍّ؛ فنصفُ الدِّيَة، وإنْ كانَتْ ذهبت (^٩) بجِهادٍ؛ فرِوايَتانِ.
_________________
(١) كما في خبر عمرو بن حزم ٩/ ٢١٠ حاشية (١).
(٢) في (ظ): كما.
(٣) في (م): قلعها.
(٤) في (ظ): كما.
(٥) في (م): العوضين.
(٦) في (م): العوضين.
(٧) قوله: (لأنه عضو أمكن القود) سقط من (ن).
(٨) في (م): إذا.
(٩) قوله: (بحد فنصف الدية، وإن كانت ذهبت) سقط من (ن).
[ ٩ / ٣٣٥ ]
والأُولى (^١) أصحُّ؛ لأِنَّه لا يَصِحُّ القِياسُ على عَينِ الأعورِ؛ لأِنَّه يَحصُلُ بها ما يَحصُلُ بالعَينَينِ، ولم يَختَلِفا في الحقيقة والأحكامِ إلاَّ اخْتِلافًا يسيرًا، بخِلافِ أقطع (^٢) اليد والرِّجْل، ولأِنَّ التَّقديرَ لا يُصارُ إليه إلاَّ بتَوقِيفٍ، ولم يُوجَدْ هنا، فلو قَطَعَ يَدَ صحيحٍ؛ قُطِعَتْ يَدُه.
_________________
(١) في (م) و(ن): والأول.
(٢) في (ن): قطع.
[ ٩ / ٣٣٦ ]