(وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا)، سَواءٌ كان مِمَّا يَجِبُ فيه القِصاصُ أوْ لَا؛ لِمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ مرفوعًا قال: «لا تَحمِلُ العاقِلةُ عَمْدًا، ولا عَبْدًا، ولا صُلْحًا، ولا اعْتِرافًا»، ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ موقوفًا (^١)، ولم يُعرَفْ له في الصَّحابة مُخالِفٌ، فيكونُ كالإجْماع، وعن عمرَ، قال: «العَمْدُ، والعَبْدُ، والصُّلْحُ، والاِعْتِرافُ: لا تَعقِلُه العاقلة (^٢)» رواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^٣)، وحَكَى أحمدُ عن ابنِ عبَّاسٍ نَحوَه (^٤) قال الزُّهْرِيُّ: (مَضَتِ السُّنَّةُ أنَّ العاقِلةَ لا تَحمِلُ شَيئًا مِنْ دِيَةِ العَمْدِ إلاَّ أنْ يَشاؤُوا) رواهُ مالِكٌ (^٥)، ولأِنَّ حَمْلَ العاقِلةِ إنما ثبت (^٦)
_________________
(١) في (م): مرفوعًا. والمرفوع لم نقف عليه من حديث ابن عباس ﵄ وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢١٢٤)، والدارقطني (٣٣٧٨)، من حديث عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعًا: «لا تجعلوا على العاقلة من قول معترف شيئًا»، قال ابن حجر: (وإسناده واهٍ، فيه محمد بن سعيد المصلوب؛ وهو كذاب، وفيه الحارث بن نبهان، وهو منكر الحديث)، والموقوف أخرجه مالك في الموطأ رواية الشيباني (١/ ٢٢٨)، والبيهقي في الكبرى (١٦٣٦١)، وابن عبد البر من طريق سعيد بن منصور كما في الاستذكار (٨/ ١٠١)، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس ﵄، قال: «لا تعقل العاقلة عمدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا، ولا ما جنى المملوك» قال الألباني: (وإسناده محتمل للتحسين). ينظر: التلخيص الحبير ٤/ ٩٣، الإرواء ٧/ ٣٣٦.
(٢) قوله: (العاقلة) سقط من (م).
(٣) أخرجه الدارقطني (٣٣٧٦)، والبيهقي في الكبرى (١٦٣٥٩)، وقال: (وهو عن عمر منقطع، والمحفوظ عن عامر الشعبي من قوله).
(٤) وهو ما سبق تخريجه قريبًا.
(٥) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٨٦٥)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (١٦٣٦٣).
(٦) في (م): يثبت.
[ ٩ / ٣٧٠ ]
في الخطأ؛ لكَونِ الجاني معذورًا، تخفيفًا عنه (^١) ومُواساةً له، والعامِدُ غَيرُ مَعذُورٍ، ثُمَّ يَبطُلُ بقَتْلِ الأبِ ابْنَه، فإنَّه لا قِصاصَ فيه، ولا تَحمِلُه العاقِلةُ.
فلو قَتَلَه بحديدةٍ (^٢) مسمومةٍ، فسَرَى إلى النَّفْس، فَوَجْهانِ:
أحدهما: تَحمِلُه العاقِلةُ؛ لأِنَّه لَيسَ بعَمْدٍ.
والثَّاني: لَا؛ لأِنَّه قَتْلٌ بما لم يَقتُلْ مِثْلُها غالِبًا، أشْبَهَ مَنْ له القِصاصُ.
(وَلَا عَبْدًا)، وهو قَولُ ابنِ عبَّاسٍ (^٣)، وجَماعةٍ مِنْ التَّابِعينَ، ومَعْناهُ: إذا قَتَلَ العبدَ (^٤) قاتِلٌ وَجَبَتْ قِيمَتُه في مالِ القاتِلِ، ولا شَيءَ على عاقلتِه (^٥)، خطأً كان أو عَمْدًا.
(وَلَا صُلْحًا)؛ لأِنَّه لو حَمَلَتْه العاقِلةُ أدَّى إلى أنْ يُصالِحَ بمالِ غَيرِه، ويوجب (^٦) عليه حقًّا بقَولِه، ومَعْناهُ: أنْ يَدَّعِيَ عليه القَتْلَ، فيُنكِرَه، ويُصالِحَ المدَّعِيَ (^٧) على مالٍ؛ فلا تَحمِلُه العاقِلةُ؛ لأِنَّه مالٌ ثَبَتَ بمصالحته (^٨) واخْتِيارِه؛ كالذي (^٩) ثَبَتَ باعْتِرافِه.
وفسَّره القاضي وغَيرُه: بأنْ يُصالِحَ الأوْلِياء عن دَمِ العَمْدِ إلى الدِّيَةِ.
والأوَّلُ أَوْلَى، قاله في «المغْنِي» و«الشَّرح»؛ لأِنَّ هذا (^١٠) يُسْتَغْنَى عنه
_________________
(١) قوله: (عنه) سقط من (م).
(٢) زيد في (م): لا.
(٣) سبق تخريجه ٩/ ٣٧٠ حاشية (١).
(٤) قوله: (العبد) سقط من (م).
(٥) في (م): قافلته.
(٦) في (ن): وتوجب.
(٧) في (ن): ومصالح الدعوى.
(٨) في (ن): بمصالحة.
(٩) في (م): كما لو.
(١٠) في (ن): هنا.
[ ٩ / ٣٧١ ]
بذِكْرِ العَمْد، بل (^١) مَعْناهُ صَالَحَ عنه صُلْحَ إنْكارٍ، وجَزَمَ به في «الرَّوضة».
(وَلَا اعْتِرَافًا)؛ أيْ: لم يُصدِّقْه به، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (^٢)؛ لأِنَّه مُتَّهَمٌ في أنْ يُواطِئَ من يقرُّ له (^٣) بذلك؛ لِيَأخُذَ الدِّيَة مِنْ عاقِلَتِه فيُقاسِمَه إيَّاها، ولأِنَّه لا يُقبَلُ إقْرارُ شَخْصٍ على غَيرِه، وحِينَئِذٍ يَلزَمُه ما اعترف به (^٤).
ومَعْناهُ: بأنْ يُقِرَّ على نفسه بجنايةِ خَطأٍ أوْ شِبْهِ عَمْدٍ توجب (^٥) ثُلُثَ الدِّيَةِ فأكثرَ إنْ لم تُصدِّقه (^٦) العاقِلةُ.
(وَلَا مَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ)؛ كأرْشِ المُوضِحَةِ، نَصَّ على ذلك (^٧)؛ لِقَضاءِ عُمَرَ: «أنَّها لا تَحمِلُ شَيئًا حتَّى يَبلُغَ عَقْلَ المأْمُومة» (^٨)، ولأِنَّ الأصْلَ وُجوبُ الضَّمان على الجاني؛ لأِنَّه هو المتْلِفُ، فكان عليه؛ كسائر المتْلَفات، لكِنْ
_________________
(١) قوله: (بل) سقط من (م).
(٢) ينظر: المغني ٨/ ٣٨٤.
(٣) قوله: (يقر له) في (م): بقوله.
(٤) قوله: (به) سقط من (ظ) و(ن).
(٥) في (ن): فوجب.
(٦) في (ن): لم يصدقه.
(٧) ينظر: مسائل ابن منصور ٧/ ٣٥٠٨، زاد المسافر ٤/ ٣١٩.
(٨) ذكره ابن حزم في المحلى (١١/ ٢٦٩)، عن ابن وهب، أخبرني ابن سمعان قال: سمعت رجالًا من علمائنا يقولون: «قضى عمر بن الخطاب ﵁ في الدية أنْ لا يحمل منها شيء على العاقلة حتى تبلغ ثلث الدية فإنها على العاقلة - عقل المأمومة والجائفة - فإذا بلغت ذلك فصاعدًا حملت على العاقلة»، وابن سمعان هو عبد الله بن زياد بن سمعان وهو متروك الحديث، واتهمه غير واحد بالكذب. وأخرج البيهقي في الكبرى (١٦٣٨٤)، من طريق أيوب بن سويد، حدثني يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن زيد بن ثابت ﵁، قال: «لا تعقل العاقلة، ولا يعمها العقل إلا في ثلث الدية فصاعدًا»، قال البيهقي: (كذا رواه أيوب، والمحفوظ أنه من قول سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار)، ثم أخرجه البيهقي عنهما (١٦٣٨٥)، ويونس بن يزيد ثقة إلا أن في روايته عن الزهري يخطئ وفيها أوهام قاله أحمد وغيره.
[ ٩ / ٣٧٢ ]
خولف في (^١) الثُّلث؛ لِإجْحافِه بالجاني لكَثْرَتِه، فَمَا عَدَاه يبقى (^٢) على الأصْلِ، والثُّلُثُ حدُّ الكثيرِ؛ للخَبَرِ (^٣).
(وَيَكُونُ ذَلِكَ)؛ أيْ: دِيَةُ العَمْد وما بَعدَه، (فِي مَالِ الْجَانِي)؛ لِمَا ذَكَرْنا أنَّ مُقْتَضَى الأصْلِ وُجوبُ الجِنايَةِ على الجاني، (حَالًّا)؛ لأِنَّه بَدَلُ مُتْلَفٍ، فكان حالًّا؛ كقِيمَةِ المتْلَفِ مِنْ المتاعِ.
(إِلاَّ غُرَّةَ الْجَنِينِ إِذَا مَاتَ مَعَ أُمِّهِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهَا مَعَ دِيَةِ أُمِّهِ)، نَصَّ عَلَيهِ (^٤)؛ لأِنَّ ديتهما (^٥) وَجَبَتْ في حالٍ واحدةٍ بجِنايَةٍ واحدةٍ، مع زيادتها على الثُّلُث.
وظاهِرُه: سَواءٌ سَبَقَتْه بالزُّهوقِ أوْ سَبَقَها به (^٦)؛ لأِنَّ الجِنايَةَ واحدةٌ، وإنَّما تأخَّر بعض (^٧) أثَرِها عن بعضِ، وذلك لا يَضُرُّ.
وقال أحمدُ: هذا مِنْ قِبَلِ أنَّها نَفْسٌ واحِدةٌ، وقال: الجِنايَةُ عَلَيهما واحدةٌ، فَقِيلَ له: النَّبيُّ ﷺ قد جَعَلَ في كلٍّ منهما دِيَةٌ، فَقَدْ فصل (^٨) بَينَهما، فلم يُجِبْ بشيء (^٩).
وفي «عُيونِ المسائل»: خَبَرُ المرأة التي قَتَلَت المرأةَ وجَنِينَها (^١٠)، قال:
_________________
(١) في (م): من.
(٢) في (م): يقتضي.
(٣) مرداه حديث سعد ﵁: «الثلث والثلث كثير»، أخرجه البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨).
(٤) ينظر: المغني ٨/ ٣٨٥.
(٥) في (م): ديتها.
(٦) قوله: (به) سقط من (م).
(٧) في (ن): نقص.
(٨) في (ن): فضل.
(٩) في (م): شيء. وينظر: الفروع ١٠/ ٩.
(١٠) أخرجه البخاري (٦٩١٠)، ومسلم (١٦٨١).
[ ٩ / ٣٧٣ ]
فَوَجْهُ الدَّليل: أنَّه قَضَى بدِيَةِ الجَنِينِ على الجانِيَةِ حَيثُ لم تبلغ (^١) الثُّلُثَ.
ونَقَلَ ابنُ منصورٍ: إذا شَرِبَتْ دَواءً عَمْدًا، فأسْقَطَتْ جنينها (^٢)؛ فالدِّيَةُ على العاقِلة (^٣)، قال في «الفروع»: فيتوجَّه منه احْتِمالٌ: تَحمِلُ القليل.
وقد يُقالُ: هذا مُختَصٌّ بالجَنِينِ؛ لكَونِ دِيَته دِيَةَ نَفْسٍ، فيَكونُ مُنزَّلًا مَنزِلَةَ الدِّيَة الكامِلَةِ وإنْ كان دُونَ الثُّلُث؛ لكَونِه دِيَةَ نفسٍ (^٤).
(وَإِنْ مَاتَا مُنْفَرِدَيْنِ) بِجِنايَتَينِ، صرَّح به في «الوجيز»؛ (لَمْ تَحْمِلْهَا الْعَاقِلَةُ)؛ نَصَّ عَلَيهِ (^٥)؛ (لِنَقْصِهَا عَنِ الثُّلُثِ)؛ لأِنَّ الواجِبَ في ذلك غُرَّةٌ قِيمَتُها خَمْسٌ من الإبل، وهي دُونَ ثُلُثِ الدِّيَة.
(وَتَحْمِلُ جِنَايَةَ الْخَطَأِ عَلَى الحُرِّ إِذَا بَلَغَتِ الثُّلُثَ)؛ لحديثِ أبي هُرَيرةَ (^٦)، وفي تَقْيِيدِه بالخَطَأ والحرِّ وبلوغ (^٧) الثُّلث؛ احْتِرازٌ عن العمد، والعبد، وما دُونَ الثُّلث.
(وَقَالَ (^٨) أَبُو بَكْرٍ: وَلَا تَحْمِلُ شِبْهَ الْعَمْدِ)، هذا روايةٌ، وصحَّحه ابنُ حَمْدانَ، وقاله ابنُ شُبْرُمةَ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ؛ لأِنَّها مُوجَبُ فِعْلٍ قَصَدَه، فلم تَحمِلْه العاقِلةُ؛ كالعَمْد المَحْضِ، وهي دِيَةٌ مُغلَّظَةٌ، أشْبَهَتْ دِيَةَ العَمْدِ.
_________________
(١) في (م) و(ن): لم يبلغ.
(٢) في (ظ) و(ن): جنينًا.
(٣) ينظر: مسائل ابن منصور ٧/ ٣٣٧٨.
(٤) قوله: (وقال أحمد: هذا من قبل …) إلى هنا ذكر في (ن) بعد قوله: (قيمتها خمس من الإبل، وهي دون ثلث الدية).
(٥) ينظر: الفروع ١٠/ ٩.
(٦) مراده حديث أبي هريرة ﵁ في المرأتين اللتين اقتتلتا من هذيل، أخرجه البخاري (٦٩١٠)، ومسلم (١٦٨١).
(٧) في (ن): وبلوغه.
(٨) في (م): قال.
[ ٩ / ٣٧٤ ]
(وَتَكُونُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ)، قال في «الشَّرح»: ولا نَعلَمُ خِلافًا في أنَّها تَجِبُ مُؤجَّلةً، رُوِيَ عن عمرَ (^١)، وعليٍّ (^٢)، وابنِ عبَّاسٍ (^٣).
وقال أبو بكرٍ مَرَّةً: هو في مالِ الجاني حالًّا، وحَكاهُ في «الشَّرح» عَنْ قَومٍ؛ لأِنَّها بَدَلُ مُتْلَفٍ.
وجَوابُه: بأنَّها تُخالِفُ سائرَ المُتْلَفاتِ، واقْتَضَى تَغليظَها مِنْ وَجْهٍ، وهو الأسنان، وتخفيفَها من وَجْهٍ، وهو حَمْلُ العاقِلةِ لها وتأجِيلُها.
(وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ (^٤)، هذا ظاهِرُ المذْهَبِ، في ثَلاثِ سِنِينَ، نَصَّ عليه (^٥)، قدَّمه في «الكافي»؛ لحديثِ أبي هُرَيرةَ: «اقْتَتَلَت امْرأتانِ مِنْ هُذَيلٍ …» الحديثَ (^٦)؛ لأِنَّه لا يُوجِبُ قِصاصًا؛ كالخطأ.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٧٨٥٧)، عن ابن جريج، أُخبرت عن أبي وائل، أن عمر ﵁: «جعل الدية الكاملة في ثلاث سنين، وجعل نصف الدية في سنتين، وما دون النصف في سنة»، قال ابن جريج: «وجعل عمر الثلثين في سنتين». وأخرجه عبد الرزاق (١٧٨٥٨)، وابن أبي شيبة (٢٧٤٣٨)، والبيهقي في الكبرى (١٦٣٩٠)، من طريق أشعث، عن الشعبي، أن عمر ﵁: «جعل الدية في الأعطية في ثلاث سنين والنصف، والثلثين في سنتين، والثلث في سنة، وما دون الثلث فهو من عامه»، الشعبي لم يسمع من عمر، وأشعث بن سوار ضعيف، وعند ابن أبي شيبة: (عن إبراهيم النخعي عن عمر) ولم يسمع منه. وأخرجه عبد الرزاق (١٧٨٥٩)، من طريق مكحول، عن عمر ﵁ نحوه، ولم يسمع منه.
(٢) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٦٣٩١)، من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن عليًّا ﵁: «قضى بالعقل في قتل الخطأ في ثلاث سنين»، وعن يحيى بن سعيد: «أن من السنة أن تنجم الدية في ثلاث سنين»، قال ابن حجر في التلخيص ٤/ ٩٦: (وهو منقطع وفيه ابن لهيعة).
(٣) لم نقف عليه من قول ابن عباس ﵄، وقال ابن حجر: (وأما الرواية بذلك عن ابن عباس فلم أقف عليها). ينظر: التلخيص الحبير ٤/ ٩٦.
(٤) كتب في هامش (ن): (أي: شبه العمد، وهو المذهب).
(٥) ينظر: مسائل عبد الله ص ٤٠٧، زاد المسافر ٤/ ٣٢٠.
(٦) أخرجه البخاري (٦٩١٠)، ومسلم (١٦٨١).
[ ٩ / ٣٧٥ ]
وعَنْهُ: يَجِبُ مُؤجَّلًا كذلك في مالِ الجاني.
وقِيلَ: حالًّا، قدَّمه في «التَّبصرة» و«الرِّعاية»؛ كغَيرِه.
وذَكَرَ أبو الفَرَج: تَحمِلُه العاقِلةُ حالًّا.
وفي «التَّبصرة»: لا تَحمِلُ عَمْدًا، ولا صُلْحًا، ولا اعْتِرافًا، ولا ما دُونَ الثُّلث، وجميعُ ذلك في مالِ جانٍ في ثلاثِ سِنِينَ.
وفي «الرَّوضة»: دِيَةُ الخَطَأ في خَمْسِ سِنِينَ، في كلِّ سنةٍ خُمُسُها.
(وَمَا يَحْمِلُهُ (^١) كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَاقِلَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ)؛ لأِنَّ التَّقْديرَ مِنْ الشَّرْع، ولم يَرِدْ به، (وَلَكِنْ (^٢) يُرْجَعُ فِيهِ (^٣) إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ)؛ لأِنَّه لا نَصَّ فيه، فَوَجَبَ الرُّجوعُ في تَقديرِه إلى اجْتِهادِ الحاكِمِ؛ كتَقْدِيرِ النفقات (^٤).
(فَيُحَمِّلُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَا يَسْهُلُ وَلَا يَشُقُّ)، نَصَّ عليه (^٥)؛ لأِنَّ التَّحمُّلَ على سبيل (^٦) المُواساة للقاتِلِ والتَّخفيفِ عنه، ولا يُخفَّفُ عن (^٧) الجاني ما يثقل (^٨) على (^٩) غَيرِه ويُجحِف (^١٠) به؛ كالزَّكاة، ولأِنَّ الإجْحافَ لو كان مَشْروعًا كان الجانِي أحقَّ به، فإذا لم يُشرَعْ في حقِّه؛ فغَيرُه أَوْلَى.
(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجْعَلُ (^١١) عَلَى الْمُوسِرِ)، وهو مالِكُ نِصابٍ عِنْدَ حُلولِ
_________________
(١) في (ن): وما تحمله.
(٢) في (م): لكن.
(٣) قوله: (فيه) سقط من (م)، وفي (ن): فيها.
(٤) في (م): التفاوت.
(٥) ينظر: مسائل ابن منصور ٧/ ٣٣٤٤.
(٦) في (م): سبب.
(٧) في (م): ولا تخفيف على.
(٨) في (م) و(ن): ينقل.
(٩) قوله: (على) سقط من (م).
(١٠) في (م): وتجحف.
(١١) في (م): تجعل.
[ ٩ / ٣٧٦ ]
الحَولِ فاضِلًا؛ عنه، كحجٍّ وكفَّارةِ ظهارٍ (^١)، (نِصْفَ دِينَارٍ)؛ لأِنَّه أقلُّ مالٍ (^٢) يَتقدَّرُ في الزَّكاة، (وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ رُبُعًا)، قَولُه روايةٌ عن أحمدَ؛ لأِنَّ ما دُونَ ذلك تافِهٌ لا تُقطَعُ اليَدُ فيه.
(وَهَلْ يَتَكَرَّرُ (^٣) ذَلِكَ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ أَوْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر» و«الفروع»:
أحدهما: يتكرَّر؛ لأنَّه (^٤) حقٌّ يتعلَّق بالحَول على سبيل المواساة، فيتكرَّر بتكرُّر الحَول كالزكاة (^٥).
والثَّاني: لَا؛ لأِنَّه يُفْضِي إلى إِيجابِ أكثرَ من أقلِّ الزَّكاة، فيَكُونُ مُضِرًّا.
فعلى الأوَّل: يَجِبُ على المُوسِر: دِينارٌ ونصفٌ، وعلى المتوسِّط: ثلاثةُ أرْباعٍ لِتكرُّرِه، وعلى الثَّاني: نصفٌ على (^٦) المُوسِرِ، ورُبُعٌ على المتوسِّط؛ لأِنَّه لا يتكرَّرُ.
(وَيَبْدَأُ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ)؛ كالمِيراث سَواءً، (فَمَتَى (^٧) اتَّسَعَتْ أَمْوَالُ الْأَقْرَبِينَ لَهَا (^٨)، لَمْ يَتَجَاوَزْهُمْ (^٩)؛ لأِنَّه حقٌّ يُستَحَقُّ بالتَّعصيب، فقُدِّمَ الأقْرَبُ فالأقربُ (^١٠).
_________________
(١) في (م): عن الحج أو كفارة ظهاره.
(٢) في (م): ما.
(٣) في (م): كرر.
(٤) في (م) و(ن): ولأنه.
(٥) في (م): كالمذكور.
(٦) في (ن): وعلى.
(٧) في (م): فما.
(٨) في (م): لأنها.
(٩) في (م): لم تتجاوزهم، وفي (ن): لم يتجاوزوهم.
(١٠) قوله: (فالأقرب) سقط من (م).
[ ٩ / ٣٧٧ ]
ويُقدَّمُ مَنْ يُدْلِي بأَبَوَينِ على مَنْ يُدْلِي بأبٍ في الأشْهَرِ؛ كالميراث.
وفي الآخَرِ: سَواءٌ؛ لأِنَّه يُستَفادُ بالتَّعصيب.
وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ في مُساواةِ أخٍ لأبٍ (^١) لأبوين (^٢) رِوَايَتَينِ، وخُرِّجَ منها: مُساواةُ بعيدٍ لقريب (^٣).
ويُؤخَذُ مِنْ بعيدٍ لِغَيبةِ قريبٍ، وقِيلَ: يَكتُبُ الإمامُ إلى قاضِي بَلَدِ الأقْرَبِ الغائبِ ليُطالِبه (^٤) بها.
(وَإِلاَّ)؛ أيْ: وإنْ لم تتسع (^٥) أمْوالُ الأقْرَبِينَ لها؛ (انْتَقَلَ إِلىَ مَنْ يَلِيهِمْ)؛ لأِنَّ الأقربين (^٦) لم يكونوا مَوجُودِينَ، فعُلِّقت (^٧) الدِّيَةُ بمَنْ يَلِيهِم، وكذا إذا تحمَّلَ الأقْرَبونَ ما وَجَبَ عَلَيهِم وبَقِيَتْ بقيةٌ (^٨).
(وَإِنْ تَسَاوَى (^٩) جَمَاعَةٌ فِي الْقُرْبِ؛ وُزِّعَ الْقَدْرُ الذِي يَلْزَمُهُمْ بَيْنَهُمْ)، نَصَّ عليه (^١٠)؛ لأِنَّهم اسْتَوَوْا في القَرابة، فكانوا سواءً كما لو قَتَلُوا، وكالميراث.
وقال ابنُ حَمْدانَ: ويَحتَمِلُ أنْ يَأخُذَ الإمامُ مِمَّنْ شاء.
_________________
(١) قوله: (أخ لأب) في (م): في الأب.
(٢) زيد في (م): على.
(٣) في (م): بقريب.
(٤) في (ن): فيطالبه.
(٥) في (ظ) و(ن): لم يتسع.
(٦) زيد في (م): لو.
(٧) في (م): تعلقت.
(٨) في (ن): تقية.
(٩) في (ظ) و(ن): تساووا.
(١٠) ينظر: الفروع ١٠/ ١٣.
[ ٩ / ٣٧٨ ]