(الثَّالِثُ: أنْ يَثْبُتَ الزِّنَى، وَلَا يَثْبُتُ) زناه (^١)، ولا يَلزَمُه الحد (^٢) (إِلاَّ بِشَيْئَيْنِ (^٣):
(أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقِرَّ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ)، نَصَّ عَلَيهِ (^٤)؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ، قال: أتى رجلٌ من المسلمين (^٥) إلى (^٦) النَّبيِّ ﷺ وهو في المسجد، فقال: إنِّي زَنَيْتُ، فأعْرَضَ عنه، فلما شَهِدَ على نَفْسِه أرْبَعَ شَهاداتٍ؛ دَعاهُ النَّبيُّ ﷺ، فقال: «أَبِكَ جُنونٌ؟» قال: لا، قال: «هَلْ أَحْصَنْتَ؟» قال: نَعَمْ، قال: «اذْهَبُوا به فارْجُموهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٧).
وفي «مُختَصَر ابنِ رَزِينٍ»: بمجلسٍ (^٨)، سَأَلَه الأَثْرَمُ: بمَجْلِسٍ أوْ مَجالِسَ؟ قال: الأحاديثُ لَيسَتْ تَدُلُّ إلا (^٩) على مَجلِسٍ، إلاَّ عَنْ ذاكَ الشَّيخ بَشِيرِ بنِ المهاجر (^١٠)، عن ابن بُرَيدةَ، عن أبيهِ، وذاك مُنكَرُ الحديث (^١١).
_________________
(١) في (م): زنا.
(٢) قوله: (الحد) سقط من (م).
(٣) في (م): لشيئين.
(٤) ينظر: مسائل ابن منصور ٧/ ٣٢٦٥، مسائل أبي داود ص ٣٠٤، مسائل صالح ٣/ ١٤٥، مسائل ابن هانئ ١/ ٩٢.
(٥) في (ظ) و(ن): الأسلميين. والمثبت موافق لما في صحيح مسلم، وهي غير مذكورة في البخاري.
(٦) قوله: (إلى) مكانه بياض في (م)، وهو سقط من (ن).
(٧) أخرجه البخاري (٦٨١٥)، ومسلم (١٦٩١).
(٨) قوله: (بمجلس) سقط من (م).
(٩) قوله: (إلا) سقط من (م).
(١٠) في (م): الهاجر.
(١١) ينظر: المغني ٩/ ٦٥. والحديث أخرجه أحمد (٢٢٩٤٢)، ومسلم (١٦٩٥)، وأبو داود (٤٤٤٢)، والنسائي في الكبرى (٧١٦٤)، من طريق بشير بن المهاجر، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، أن ماعز بن مالك الأسلمي، أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني قد ظلمت نفسي، وزنيت، وإني أريد أن تطهرني، فرده، فلما كان من الغد أتاه، فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت … الحديث، وهذا اللفظ تفرد بذكره بشير بن المهاجر الغنوي، وثقه ابن معين، وقال النسائي: (ليس به بأس)، وقال أحمد: (منكر الحديث، قد اعتبرت أحاديثه، فإذا هو يجيء بالعجب)، وقال البخاري: (يخالف في بعض حديثه)، وبه أعله أحمد، وفي الحديث وهمٌ آخر وهو ذكر الحفر لماعز، قال ابن القيم: (وهي غلط من رواية بشير بن المهاجر، وإن كان مسلم قد روى له في الصحيح، فالثقة قد يغلط، على أن أحمد وأبا حاتم الرازي قد تكلما فيه). ينظر: تنقيح التحقيق ٤/ ٥٣٦، إعلام الموقعين ٤/ ٢٨١، تهذيب السنن ٦/ ٢٥١ ط. دار المعرفة.
[ ٩ / ٤٧٨ ]
وقال الحَكَمُ، وابنُ أبي لَيلَى: يَكْفِي الإقْرارُ مرَّةً؛ لقوله ﵇: «واغْدُ يا أنيس إلى (^١) امرأةِ هذا، فإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها» (^٢)، وغيرِه من الأحاديث المطْلَقةِ.
وجَوابُه: ما سَبَقَ، وبأنَّه لو وَجَبَ الحَدُّ بمَرَّةٍ لم يُعرِضْ عنه النَّبيُّ ﷺ؛ لأِنَّه لا (^٣) يَجُوزُ تَرْكُ حَدٍّ وَجَبَ لله تعالى، ورَوَى نُعَيمُ بنُ هزَّال: قال له النَّبيُّ ﷺ: «قُلْتَها أرْبعَ مَرَّاتٍ» قال: نَعَمْ، رواهُ أبو داودَ (^٤).
(وَهُوَ (^٥) بَالِغٌ عَاقِلٌ)، حُرٌّ وعَبْدٌ، مَحدودٌ في قَذْفٍ أوْ لا (^٦).
ولا نعلم خِلافًا أنَّ المكْرَه (^٧) لا يَجِبُ عَلَيهِ حَدٌّ (^٨).
_________________
(١) في (ظ) و(ن): على.
(٢) أخرجه البخاري (٢٣١٤)، ومسلم (١٦٩٧).
(٣) قوله: (لا) مكانه بياض في (م).
(٤) سبق تخريجه ٩/ ٤٣٢ حاشية (٥).
(٥) قوله: (وهو) سقط من (م).
(٦) قوله: (أو لا) سقط من (ن).
(٧) كذا في النسخ الخطية، وفي المغني ٩/ ٦٨: أن إقرار المكره.
(٨) ينظر: المغني ٩/ ٦٧.
[ ٩ / ٤٧٩ ]
وكذا النَّائمُ؛ لِرَفْعِ القَلَمِ عنه.
والسَّكرانُ سَبَقَ حُكْمُه.
وفي «الكافي» و«الشَّرح»: لا يَصِحُّ إقراره به (^١)، لكِنْ عَلَيهِ حَدُّ الزِّنى والسَّرِقةِ والشُّرْب والقَذْفِ، إذا فَعَلَه حالَ سُكْرِه؛ لِفِعْلِ الصَّحابة (^٢).
فأمَّا الأَخْرَسُ إنْ لم تُفهم (^٣) إشارتُه فلا يتصوَّرُ منه إقْرارٌ، وإنْ فُهِمَتْ إشارتُه؛ فإنَّه يُؤاخَذُ بها.
فإنْ أقرَّ العاقِلُ أنَّه زنى بامرأةٍ، فكذَّبَتْه؛ فَعَلَيهِ الحَدُّ دُونَها؛ لحديثِ سَهْلِ ابنِ سَعْدٍ، رواهُ أحمدُ وأبو داودَ، ورجالُه ثِقاتٌ (^٤).
_________________
(١) قوله: (به) سقط من (م).
(٢) مراده كما في المغني (٩/ ٦٦): ما أخرجه مالك (٢/ ٨٤٢)، ومن طريقه الشافعي كما في المسند (ص ٢٨٦)، والبيهقي في المعرفة (١٧٤٢٣)، عن ثور بن زيد الديلي، أن عمر بن الخطاب ﵁، استشار في الخمر يشربها الرجل فقال له علي بن أبي طالب ﵁: «نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر»، قال ابن حجر: (وهو منقطع؛ لأن ثورًا لم يلحق عمر بلا خلاف). وأخرجه عبد الرزاق (١٣٥٤٢)، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، أن عمر بن الخطاب ﵁ شاور الناس في جلد الخمر، وقال: «إن الناس قد شربوها واجترؤا عليها»، فقال له علي: «إن السكران إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى»، فاجعله حد الفرية، فجعله عمر حد الفرية ثمانين. رجاله ثقات لكن عكرمة لم يسمع من عمر. وأخرجه النسائي في الكبرى (٥٢٦٩)، والدارقطني (٣٣٤٤)، والبيهقي في الكبرى (١٧٥٤٣)، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، وفي سنده: يحيى بن فليح بن سليمان، قال ابن حزم: (مجهول)، وقال مرة: (ليس بالقوي)، وأخرجه الدارقطني (٣٣٢١)، والحاكم (٨١٣١)، من وجه آخر وفي سنده راوٍ ضعيف. ينظر: لسان الميزان ٨/ ٤٧١، التلخيص الحبير ٤/ ٢٠٨، الإرواء ٨/ ٤٦.
(٣) في (ظ) و(ن): لم يفهم.
(٤) أخرجه أبو داود (٤٤٣٧)، والطبراني في الكبير (٥٩٢٤)، والبيهقي في الكبرى (١٧٠٠٢)، عن سهل بن سعد ﵁، عن النبي ﷺ: «أن رجلًا أتاه فأقر عنده أنه زنى بامرأة سماها له، فبعث رسول الله ﷺ إلى المرأة، فسألها عن ذلك فأنكرت أن تكون زنت، فجلده الحد وتركها»، وإسناده صحيح رجاله ثقات.
[ ٩ / ٤٨٠ ]
(وَيُصَرِّحَ بِذِكْرِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ)؛ لِتَزُولَ التُّهَمةُ، ولقوله ﵇ لِمَاعِزٍ: «لَعلَّكَ قَبَّلْتَ، أوْ غَمَزْتَ» قال: لا، قال: «أَفَنِكْتَها؟» لا يكني (^١)، قال: نَعَمْ، فعِنْدَ ذلك أَمَرَ بِرَجْمِه، رواهُ البخاريُّ (^٢).
وعَنْهُ: وبِمَنْ زَنَى بها، وفي «الرِّعاية»: وهي أظْهَرُ.
وأطْلَقَ في «التَّرغيبِ» وغَيرِه الخِلافَ.
(وَلَا يَنْزِعَ عَنْ إِقْرَارِهِ حَتَّى يَتِمَّ عَلَيْهِ الْحَدُّ)؛ لأِنَّ مِنْ شرط (^٣) إقامة الحَدِّ بالإقرار: البقاءَ عَلَيهِ إلى تمامِ الحَدِّ، فإنْ رَجَعَ عن إقراره، أوْ هرَبَ؛ كُفَّ عنه (^٤) في قَولِ الجمهور؛ لقصة (^٥) ماعِزٍ.
فرعٌ: إذا شَهِدَ أرْبعةٌ على إقْرارِه به أرْبعًا، فأنْكَرَ، أوْ صدَّقَهم دُونَ أرْبعٍ؛ فلا حَدَّ عَلَيهِ في الأظْهَرِ، ولا على الشُّهود، وهما في «التَّرغيب»: إنْ أنْكَرَ، وأنَّه لو صدَّقَهم؛ لم يُقْبَلْ رُجوعُه.
(الثَّانِي: أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ)؛ أيْ: على فِعْلِه، (أَرْبَعَةٌ)، إجْماعًا (^٦)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ … (٤)﴾ [النُّور: ٤]، ولقوله ﵇ لِسَعْدِ بنِ عُبادةَ حِينَ قال له: أرأيتَ لو وَجَدْتُ مع امْرأتِي رجلًا، أُمْهِلُه حتَّى آتِيَ بأربعةِ شُهَداءَ؟ فقال النَّبيُّ ﷺ: «نعم» (^٧) رواه مالِكٌ (^٨).
_________________
(١) قوله: (أفنكتها لا يكني) في (م): أفنكحتها.
(٢) أخرجه البخاري (٦٨٢٤).
(٣) في (ن): شرطه.
(٤) قوله: (عنه) سقط من (م).
(٥) في (م): ولقصة.
(٦) ينظر: الأم ٧/ ٨٧، الإجماع لابن المنذر ص ١١٩.
(٧) قوله: (نعم) مكانه بياض في (م).
(٨) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٧٣٧)، ومن طريقه مسلم (١٤٩٨).
[ ٩ / ٤٨١ ]
(رِجَالٌ)، فلا يقبل (^١) فيه شهادةُ النِّساء، إلاَّ ما رُوِيَ عن عَطاءٍ وحمَّاد: أنَّه يُقبَلُ فيه ثلاثةٌ وامْرأتانِ، وهو خِلافُ النَّصِّ؛ لأِنَّ في شهادةِ النِّساء شُبْهةً؛ لِمَا في قَبولِها من الاِخْتِلافِ، والحُدود تُدْرَأُ بالشبهات.
(أَحْرَارٌ) في الأَشْهَرِ، وقاله (^٢) الأكثرُ.
وعَنْهُ: يُقبَلُ العَبْدُ؛ لِعُمومِ النَّصِّ، وهو عَدْلٌ مُسلِمٌ ذَكَرٌ، فقُبِل (^٣) كالحرِّ.
وجَوابُه: أنَّه مُختَلَفٌ في قَبولِ شهادَتِه، وذلك شُبهةٌ، فلا يُقبَل (^٤) فيما يُدْرَأُ بالشُّبهة.
(عُدُولٌ)، ولا خِلافَ في اشْتِراطِها (^٥)؛ كسائرِ الشَّهادات، فلا تُقبَلُ فيه (^٦) شهادةُ فاسِقٍ، ولا مَسْتُورِ الحال؛ لِجَوازِ أنْ يكونَ فاسِقًا.
واكْتَفَى بذلك عن ذِكْرِ الإسلام؛ لأِنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ كُفَّارٌ لا تَتَحَقَّقُ العَدالةُ فِيهِم، فلا تُقبَلُ رِوايَتُهم ولا خَبَرُهُم الدِّينيُّ؛ كعَبَدَةِ الأَوْثانِ، وسَواءٌ كانَت الشَّهادةُ على مُسلِمٍ أوْ ذَمِّيٍ.
(يَصِفُونَ الزِّنَى)؛ أيْ: زِنًى واحِدٌ يَصِفُونَه، نَقَلَه أبو طالِبٍ (^٧)، فيَقولونَ: رَأَيْنَا ذَكَرَه في فَرجِها كالمِيلِ في المُكْحُلَة، ولأِنَّه إذا اعْتُبِرَ التَّصْريحُ في الإقرار؛ كان اعْتِبارُه في الشَّهادة أَوْلَى.
وقال طائفةٌ: يَجُوزُ أنْ يَنظُرُوا إلى ذلك مِنْهُما؛ لِإقامَةِ الشَّهادةِ عَلَيهِما؛
_________________
(١) في (ن): فلا تقبل.
(٢) في (م): وقال.
(٣) في (م): فقيل، وفي (ن): يقبل.
(٤) في (ن): فلا تقبل.
(٥) ينظر: المغني ١٠/ ١٣٠.
(٦) في (م): فلا يقبل فيها.
(٧) ينظر: الفروع ١٠/ ٦٤.
[ ٩ / ٤٨٢ ]
لِيَحصُلَ الرَّدع بالحدِّ، فإنْ شَهِدُوا أنَّهم رَأَوْا ذَكَرَه قد غَيَّبَه في فَرجِها؛ كفى (^١).
(وَيَجِيئُونَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ)، على الأصحِّ؛ لأِنَّ عمرَ شَهِدَ عِندَه أبو بكرة (^٢)، ونافِعٌ، وشبلُ بنُ معبدٍ (^٣)، على (^٤) المغيرةِ بنِ شُعْبةَ، ولم يَشْهَدْ زِيادٌ، فحدَّ (^٥) الثّلاثةَ (^٦)، ولو كان المجْلِسُ غَيرَ مُشْتَرَطٍ؛ لم يجز (^٧) أنْ يَحدَّهم؛ لِجَوازِ أنْ يَكمُلُوا بِرابِعٍ في مَجلِسٍ آخَرَ، ولأِنَّه لو شَهِدَ ثلاثةٌ فحدَّهم، ثُمَّ جاء رابعٌ (^٨) فَشَهِدَ؛ لم تُقبَلْ شَهادَتُه، ولَولا اشْتِراطُ المجْلِس؛ لَكَمُلَتْ شَهادَتُهم، وبهذا يُفارِقُ سائرَ الشَّهادات.
والثَّانِيَةُ: لَيسَ بشَرْطٍ؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النُّور: ١٣]، ولم يَذكُر المجْلِسَ، ولأِنَّ كلَّ شهادةٍ مقبولةٌ إذا افْتَرَقَتْ؛ كغيرها (^٩).
وجَوابُه: أنَّ (^١٠) الآيةَ لم تتعرَّض (^١١) للشُّروط.
_________________
(١) قوله: (كفى) سقط من (م).
(٢) في (م): بكر.
(٣) في (م): معين.
(٤) في (ظ) و(م): عن.
(٥) قوله: (زياد فحد) في (م): زيادة بحد.
(٦) علقه البخاري بصيغة الجزم (٣/ ١٧٠)، ووصله عبد الرزاق (١٣٥٦٤)، (١٣٥٦٥)، وابن أبي شيبة (٢٨٨٢٤)، والطبري في التفسير (١٧/ ١٦٣)، والبيهقي في الكبرى (١٧٠٤٢)، وابن حزم في المحلى (٨/ ٥٣٠)، من طرق عن عمر ﵁، وصححه ابن كثير وابن حجر والألباني. ينظر: مسند عمر ٢/ ٤٦٥ ط. الفلاح، الفتح ٥/ ٢٥٦، الإرواء ٨/ ٢٨.
(٧) في (م): غير مشروط لم يجد.
(٨) في (م): جاؤوا برابع.
(٩) في (ن): فرقت لغيرها.
(١٠) قوله: (أن) سقط من (م).
(١١) في (م): لم يتعرض.
[ ٩ / ٤٨٣ ]
(سَوَاءٌ جَاؤُوا مُفْتَرِقِينَ (^١)؛ أيْ: واحِدًا بَعْدَ آخَرَ؛ لِقِصَّةِ المُغِيرةِ، فإنَّهم جاؤوا مُفترِقين (^٢)، وسُمِعَتْ شَهادَتُهم، وإنَّما حُدُّوا لِعَدَمِ كمالِها، وفي الحديثِ: أنَّ أبا بَكْرَةَ قال لعمر: «أرأيتَ (^٣) لو جاءَ آخَرُ فَشَهِدَ؛ أكنتَ (^٤) تَرجُمُه؟» فقال عمرُ: «إِي والذي نَفْسِي بِيَدِه» (^٥)، ولأِنَّهم اجْتَمَعُوا في مَجْلِسٍ واحِدٍ، أشْبَهَ ما لو جاؤُوا (مُجْتَمِعِينَ (^٦)، ولأِنَّ المجْلِسَ كلَّه بمَنزلةِ ابْتِدائه، ولهذا يُجزِئُ فيه القَبْضُ فِيما هو شَرْطٌ فيه.
(فَإِنْ (^٧) جَاءَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ أَنْ قَامَ الْحَاكِمُ) من (^٨) مَجْلِسِه؛ فهم قَذَفَةٌ؛ لأِنَّ شهادته (^٩) غيرُ مَقْبولَةٍ ولا صحيحةٍ، أشْبَهَ ما لو لم يَشْهَدْ أَصْلًا، وعَلَيهم الحَدُّ.
(أَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ وَامْتَنَعَ الرَّابِعُ مِنَ الشَّهَادَةِ، أَوْ لَمْ يُكْمِلْهَا؛ فَهُمْ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ) في قَولِ أكثرِ العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النُّور: ٤]، وهذا يُوجِبُ الحَدَّ على كلِّ رامٍ لم يَشهَدْ بما قاله أرْبَعَةٌ، ولأِنَّ عمرَ جَلَدَ أبا بَكْرَةَ وأصْحابَه، حَيثُ لم يُكمِل
_________________
(١) في (م) و(ن): متفرقين.
(٢) في (م): متفرقين.
(٣) في (ن): لو رأيت.
(٤) في (م): كنت.
(٥) قصة أبي بكرة مع المغيرة تقدم تخريجها ٩/ ٤٨٣ حاشية (٦)، ولم نقف عليه بهذا اللفظ مسندًا، وذكر ابن قدامة في المغني ٩/ ٩٩، أن الأثرم قد رواه بإسناده.
(٦) كذا في النسخ الخطية، والذي في نسخ المقنع الخطية: أو مجتمعين.
(٧) في (م): وإن.
(٨) في (ن): في.
(٩) في (م): شهادتهم.
[ ٩ / ٤٨٤ ]
الرَّابِعُ شهادتَه، بمَحضَرٍ من الصَّحابة، ولم يُنكِرْهُ أحدٌ، فكان كالإجماع.
وحَكَى أبو الخَطَّاب رِوايَةً: أنَّه (^١) لا حَدَّ عَلَيهِم؛ لأِنَّهم شهودٌ، فلم يَجِبْ علَيهِم الحَدُّ؛ كما لو كانوا أربعةً، أحَدُهُم فاسِقٌ.
فرعٌ: كلُّ زِنًى يُوجِبُ الحَدَّ؛ لا يُقبَلُ فيه إلاَّ أربعةُ شُهُودٍ بالاِتِّفاق (^٢)، ويَدخُلُ فيه: اللِّواطُ، وَوَطْءُ المرأة في دُبُرِها، وَوَطْءُ البهيمة إنْ قُلْنا: يَجِبُ الحَدُّ به (^٣)، وإنْ قُلْنا: يُعزَّرُ؛ فيُقبل (^٤) بِشاهِدَينِ، وقِيلَ: بأربعةٍ، وعلى قِياسِ هذا: كلُّ وَطْءٍ يُوجِبُ التَّعزيرَ فقطْ.
فإنْ لم يكُنْ وَطْئًا؛ كمُباشَرَةٍ دُونَ الفَرْج؛ ثبت (^٥) بشاهِدَينِ وَجْهًا واحِدًا.
(وَلَوْ كَانُوا فُسَّاقًا، أَوْ عُمْيَانًا، أَوْ بَعْضُهُمْ)، أوْ بانَ فِيهِمْ صبِيٌّ مُمَيِّزٌ، أو امرأةٌ، أوْ عَبْدٌ ولم يقبله (^٦)؛ (فَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ) على المذْهَبِ، وصحّحه القاضي؛ كما لو لم يَكمُل العددُ، وكما لو كان المشهودُ عليه (^٧) مَجْبوبًا أوْ رَتْقاءَ.
(وَعَنْهُ: لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ)، وهو قَولُ الحَسَنِ والشَّعْبِيِّ، لأِنَّهم أربعةٌ، فَدَخَلُوا في عُمومِ الآية، وكما لو شَهِدَ أرْبَعةٌ مَسْتُورُونَ، ذَكَرَه في «المغْنِي» و«الشّرح»، أو موت أحدِهم قَبْلَ وَصْفِه الزِّنى، وأنْ مشهودًا (^٨) عَلَيها عَذْراءُ، نَصَّ
_________________
(١) قوله: (أنه) مكانه بياض في (م).
(٢) ينظر: الأم ٧/ ٨٧، الإجماع لابن المنذر ص ١١٩.
(٣) قوله: (به) سقط من (م).
(٤) في (م): فقيل، وفي (ن): فتقبل.
(٥) في (ظ) و(ن): يثبت.
(٦) في (م): لم نقبلهم.
(٧) في (م): عليهم.
(٨) في (ظ): شهدوا. وعبارة الإنصاف ٢٦/ ٣٢٤: وإن شهدوا عليها فثبت أنها عذراء.
[ ٩ / ٤٨٥ ]
عَلَيهِ (^١)، وفي «الواضح»: تَزُولُ حضانتها (^٢) بهذه الشّهادةِ.
والثَّالِثةُ: يُحَدُّ الْعُمْيانُ خاصَّةً، وقاله (^٣) الثوري (^٤) وإسْحاقُ؛ لأِنَّه مَعْلُومٌ كَذِبُهم، والباقي يَجُوزُ صِدْقُهم، وقد كَمُلَ عَدَدُهم، أشْبَهَ مستوري (^٥) الحال.
(وَإِنْ (^٦) كَانَ أَحَدُهُمْ زَوْجًا؛ حُدَّ الثَّلَاثَةُ (^٧)؛ لأنَّهم (^٨) قَذَفَةٌ، حَيثُ لم تَكمُل البيِّنةُ؛ لأِنَّ شهادةَ الزَّوج غَيرُ مَسْمُوعةٍ، (وَلَاعَنَ الزَّوْجُ إِنْ شَاءَ)؛ لأِنَّ الزَّوجَ إذا قَذَفَ زَوجَتَه له الخِيَرةُ بَينَ اللِّعان وتَرْكِه.
وعلى الثَّانِيَةِ: لا حَدَّ ولا لِعانَ بِحالٍ.
(وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي بَيْتٍ أَوْ بَلَدٍ، وَاثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي بَيْتٍ أَوْ بَلَدٍ آخَرَ)، أو اخْتلَفا في اليوم؛ (فَهُمْ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ)، اخْتارَه الخِرَقِيُّ، وقدَّمه في «الرِّعاية»، ونَصَرَه في «الشَّرح»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لأِنَّه لم يَكمُل (^٩) أربعةٌ على زِنًى واحِدٍ، فَوَجَبَ عَلَيهِم الحَدُّ؛ كما لو انْفَرَدَ بالشَّهادة اثْنانِ.
(وَعَنْهُ: يُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ) فقطْ، اختاره أبو بكرٍ، وفي «التَّبصرة» و«المستوعب»: وظاهِرُها أنَّه لا تعتبر (^١٠) شهادة الأَرْبَعِ على فِعْلٍ واحِدٍ،
_________________
(١) ينظر: الفروع ١٠/ ٦٤.
(٢) في (م): يزول حكمها. وفي الفروع ١٠/ ٦٤، والإنصاف ٢٦/ ٣٢٤: حصانتها، وفي نسخة مخطوطة من الفروع: حضانتها.
(٣) في (م): وقال.
(٤) في (ن): النووي.
(٥) في (م): مستور.
(٦) في (م): فإن.
(٧) كتب في هامش (ظ): (لأن شهادته على زوجته بالزنى لا تقبل، فيكون قاذفًا لها).
(٨) في (م): لأن.
(٩) في (ن): لم تكمل.
(١٠) في (م): لا يعتبر.
[ ٩ / ٤٨٦ ]
وإنَّما يُعتَبَرُ عددُ الشُّهود في كَونها زانيةً.
(وَهُوَ بَعِيدٌ)؛ لأِنَّه لم يَثبُتْ زِنًى واحِدٌ بشهادةِ أربعةٍ، فلم يَجِب الحَدُّ، ولأنَّ (^١) جميعَ ما يُعتَبَرُ له البيِّنةُ يُعتَبَرُ كمالُها في حقِّ واحِدٍ، فالواجب (^٢) للحَدِّ أَوْلَى، ولأنَّه (^٣) مِمَّا يُحتاطُ له ويندرئ (^٤) بالشُّبُهات.
قال أبو بكرٍ: لو شَهِدَ اثْنانِ أنَّه زَنَى بامرأةٍ بَيضاءَ، وآخران بامرأة (^٥) سَوداءَ؛ فهم قَذَفَةٌ، ذَكَرَه القاضي.
وهذا يُناقِضُ قَولَه: (وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَةِ بَيْتٍ) صغيرٍ، (وَشَهِدَ الآْخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَتِهِ الْأُخْرَى)؛ كَمُلَتْ شَهادتُهم إنْ كانت الزاويتان (^٦) مُتقارِبَتَينِ، وحُدَّ المشهودُ عَلَيهِ على المذهب؛ لأِنَّ التَّصديقَ مُمْكِنٌ، فلم يجز التَّكذِيبُ.
لا يُقالُ: يُمكِنُ أنْ يكُونَ المشهودُ به فِعْلَينِ، فَلِمَ أوجبتم الحَدَّ مع الاِحْتِمال، وهو يُدْرَأُ بالشُّبهة؛ لأِنَّه لا (^٧) شُبْهةَ فِيهِ، بدليلِ ما لو اتَّفَقا على مَوضِعٍ واحِدٍ، فإنَّه يُمكِنُ أنْ تكونَ الشَّهادةُ على فِعْلَينِ، بأنْ يكونَ قد فَعَلَ ذلك مرَّتَينِ.
أمَّا لو كانت الزَّاوِيَتانِ متباعدتين (^٨)؛ فالقَولُ فيهما كالقَولِ في البَيْتَيْن.
وعلى قَولِ أبي بَكْرٍ: تَكمُلُ الشَّهادةُ، سواءٌ تَقارَبَتَا أوْ تَباعَدَتا.
_________________
(١) في (م): ولا.
(٢) في (م): فالموجب.
(٣) في (م): ولا.
(٤) في (م): ويدار.
(٥) قوله: (بامرأة) سقط من (ظ).
(٦) في (ظ): الروايتان.
(٧) قوله: (لا) سقط من (م).
(٨) في (م): متساعدتين.
[ ٩ / ٤٨٧ ]
(أَوْ شَهِدَا (^١) أَنَّه زَنَى بِهَا فِي قَمِيصٍ أَبْيضَ، وَشَهِدَ الآْخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي قَمِيصٍ أَحْمَرَ؛ كَمُلَتْ شَهَادَتُهُمْ) على المذْهَبِ؛ لأِنَّه لا تَنافِيَ بَينَهما، فإنَّه يُمكِنُ أنْ يكونَ عليها (^٢) قَمِيصانِ، فَذَكَرَ كلُّ اثنَينِ واحِدًا منهما، كما لو شَهِدَ اثْنانِ أنَّه زَنَى بها (^٣) في قميصِ كَتَّانٍ، وآخَرَانِ في قَمِيصِ خَزٍّ.
(وَيَحْتَمِلُ: أَلاَّ تَكْمُلَ؛ كَالتِي قَبْلَهَا)، وقاله أبو الخَطَّابِ؛ لأِنَّ شهادتَهم مُختَلِفَةٌ، أشْبَهَ ما لو اخْتَلَفُوا في البَيتَينِ، فعلى هذا: هل (^٤) يُحَدُّونَ للقذف؟ على وَجْهَينِ.
(وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُطَاوِعَةً، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُكْرَهَةً؛ لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ) على الأَشْهَرِ؛ لأِنَّ فِعْلَ المُطاوِعةِ غَيرُ المكرهة (^٥)، فَعَلى هذا: لا يُحَدُّ الرَّجُلُ، اختاره أبو بكرٍ والقاضي، وأكثرُ الأصْحابِ، ولا المرأةُ بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (^٦)؛ لأِنَّ الشَّهادةَ لم تَكمُلْ على فِعْلٍ مُوجِبٍ للحَدِّ عَلَيهِما.
(وَهَلْ يُحَدُّ الْجَمِيعُ)؛ أي: الأربعةُ؛ لقَذْفِهم الرَّجُلَ، (أَوْ شَاهِدَا (^٧) الْمُطَاوَعَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ):
أحدُهما: يَجِبُ الْحَدُّ على شاهِدَي المُطاوَعَةِ، اختاره أبو بَكْرٍ؛ لأِنَّهما قَذَفَا المرأةَ بالزِّنى، ولم تَكمُلْ شهادتُهم عَلَيها، ولا يَجِبُ على شاهِدَي الإكْراهِ؛ لأِنَّهما لم يَقذِفا المرأةَ، وقد كمُلَتْ شهادتُهم على الرَّجُلِ، وإنَّما
_________________
(١) في (ظ): شهد.
(٢) في (م): عليهما.
(٣) قوله: (بها) سقط من (م).
(٤) قوله: (هل) سقط من (ن).
(٥) قوله: (لأن فعل المطاوعة غير المكرهة) في (م): (فعلى المطاوعة غير الكراهة).
(٦) ينظر: المغني ٩/ ٧٥.
(٧) في (م): شهد، وفي (ن): شهدا.
[ ٩ / ٤٨٨ ]
انْتَفَى الحدُّ للشُّبهة.
والثَّاني: يُحَدُّ الجميعُ؛ لأِنَّهم شَهِدُوا بالزِّنى، فَلَزِمَهم الحَدُّ؛ كما لو لم يَكمُلْ عددُهم.
(وَعِنْدَ أَبِي (^١) الْخَطَّابِ: يُحَدُّ الزَّانِي الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ)، واخْتارَهُ في «التَّبصرة»؛ لأِنَّ الشَّهادةَ كَمُلَتْ على وُجودِ الزِّنى منه، واخْتِلافُها إنَّما هو في فِعْلِها، فلا يمنع (^٢) كمال الشَّهادة عَلَيهَا، (دُونَ الْمَرْأَةِ)؛ لأِنَّه لم يَشهَدْ عَلَيها أربعةٌ بِزِنًى يوجب (^٣) الحَدَّ؛ لأِنَّه لا حَدَّ مع الإكْراه، (وَالشُّهُودِ)؛ لأِنَّ المقْتَضِيَ له (^٤) لم يُوجَدْ.
وفي «الواضح»: لا حَدَّ على أحدٍ منهم.
فرعٌ: إذا شَهِدَ اثْنانِ أنَّها بَيضاءُ، وآخَرانِ غَيرَه؛ لم يُقبل (^٥)؛ لأِنَّ الشَّهادةَ لم تَجتَمِعْ على عَينٍ واحِدةٍ، وكما (^٦) لو اخْتَلَفُوا في تعدُّدِ المكان أو الزَّمان، بخِلافِ السَّرِقةِ، وحُدُّوا للقَذْفِ.
(وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ، فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ (^٧) قَبْلَ الحَدِّ (^٨) فَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّاجِعِ، وَيُحَدُّ (^٩) الثَّلَاثَةُ)، اختاره أبو بَكْرٍ وابنُ حامِدٍ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ الرَّاجِعَ كالتائب (^١٠) قَبْلَ تَنفيذِ الحُكْم بقَولِه، ولأِنَّ في دَرْءِ الحَدِّ عنه تَمَكُّنًا له
_________________
(١) قوله: (أبي) مكانه بياض في (م).
(٢) في (ن): فلا تمنع.
(٣) في (م): فوجب.
(٤) قوله: (له) سقط من (م).
(٥) في (م): لم تقبل.
(٦) في (م): كما.
(٧) في (م): واحد منهم.
(٨) قوله: (الحد) سقط من (م).
(٩) في (ن): وتحد.
(١٠) قوله: (الراجع كالتائب) في (م): الثالث.
[ ٩ / ٤٨٩ ]
من الرُّجوع الذي تَحصُل (^١) به مَصلَحَةُ المشْهودِ عليه (^٢)، وإنَّما حُدَّ الثَّلاثَةُ؛ لأِنَّ برجوع (^٣) الرَّاجِعِ نَقَصَ عددُ الشُّهود، فَوَجَبَ أنْ يُحَدُّوا؛ كما لو كانُوا في الاِبْتِداء كذلك.
والثَّانِيَةُ: يُحَدُّ الجميعُ، قدَّمها في «المحرَّر»؛ لِنَقْصِ العدد؛ كما لو كانوا ثلاثةً.
قال في «المحرَّر»: ويَتخرَّجُ ألاَّ يُحَدَّ سِوَى الرَّاجِع إذا رَجَعَ بَعْدَ الحُكْمِ وقَبْلَ الحَدِّ.
ولو رَجَعَ الكلُّ؛ فهل يُحَدُّونَ؟ على الرِّوايَتَينِ في الواحد.
(وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ بَعْدَ الحُكْمِ؛ فَلَا حَدَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ)؛ لأِنَّ الشَّهادةَ كَمُلَتْ، واتَّصَلَ بها الحُكْمُ، فلم يَجِبْ عَلَيْهِم شيء (^٤)؛ لِعَدَمِ كونِهم (^٥) قَذَفَةً، (وَيَغْرَمُ الرَّاجِعُ رُبُعَ مَا أَتْلَفُوهُ)؛ لأِنَّه أقرَّ على نفسه بِرُجوعِه أنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بفِعْلِه وفِعْلِ غَيرِه، فيُقبَلُ على نفسه فقطْ.
وظاهِرُه: أنَّه لا حدَّ على الرَّاجِع أيْضًا، ونَقَلَه أبو النَّصْرِ (^٦)؛ لأِنَّه تائب (^٧).
والمذْهَبُ: أنَّه يُحَدُّ وَحْدَه إنْ وَرِثَ حدَّ القَذْفِ، فإنْ كان رَجْمًا؛ ضَمِنَ رُبُعَ المتْلَفِ بديةٍ (^٨) أوْ غَيرِها إن صرَّح بالخطأ، وإنْ قال: عَمَدْنا الكَذِبَ
_________________
(١) في (م) و(ن): يحصل.
(٢) قوله: (عليه) سقط من (م).
(٣) في (م): برجع.
(٤) في (م): عليها بشيء.
(٥) في (م): لقولهم.
(٦) في (ظ): أبو النضر. ينظر: مسائل ابن منصور ٨/ ٤١٠٩، الفروع ١٠/ ٦٨.
(٧) في (م): غائب.
(٨) في (م): يده.
[ ٩ / ٤٩٠ ]
لِيُقْتَلَ؛ قُتل وَحْدَه، وإنْ قال: عَمَدْتُ ذلك وَحْدِي؛ فهل يَلزَمُه قَوَدٌ؟ على الروايتين (^١) في مُشارَكةِ العامِدِ للمُخْطِئِ.
(وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى بِامْرَأَةٍ، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنَ النِّسَاءِ أَنَّهَا عَذْرَاءُ؛ فَلَا حَدَّ عَلَيْها)؛ لأِنَّ البَكارةَ تَثْبُتُ بِشهادةِ النِّساء، وَوُجُودُها يَمنَعُ مِنْ الزِّنى ظاهِرًا، والشُّهودُ صِدْقُهم مُحتَمِلٌ، فإنَّه يَحتَمِلُ أنَّه وَطِئَها، ثُمَّ عادِتْ عُذْرَتُها.
لكِنْ ذَكَرَ في «الشَّرح»: أنَّه يُكتَفَى بشهادةِ واحدةٍ؛ لأِنَّ شهادتَها مَقْبولةٌ فِيما لا يَطَّلِعُ عَلَيهِ الرِّجالُ.
ونَقَلَ أبو النَّصْر في مسألةِ المَجْبوبِ: أنَّ الشُّهودَ قَذَفَةٌ، وقد أحْرَزُوا ظُهورَهم، فذُكِرَ له قَولُ الشَّعبِيِّ: الْعَذْراء، قال: عنه اختلاف (^٢)، فإنْ رَجَمَه القاضِي؛ فالخَطَأُ منه، قلت: أفترى (^٣) في (^٤) هذا أوْ فيمَنْ شَهِدَ عَلَيهِ بالزِّنى، فلم يسأل (^٥) القاضي عن إحْصانِه حتى (^٦) رَجَمَه، أنَّ الدِّيَةَ في بَيتِ المالِ، لأِنَّ الحاكِمَ ليس (^٧) عَلَيهِ غُرْمٌ؟ قال: نعم (^٨).
وأطْلَقَ ابنُ رَزِينٍ في مَجْبوبٍ ونحوِه قَولَينِ، بخِلافِ العَذْراء. وفي «الشَّرح»: إنْ شَهِدَ بأنَّها رَتْقاءُ، أوْ ثَبَتَ أنَّ الرَّجُلَ مجبوبٌ (^٩)؛ فينبغي (^١٠) أنْ يَجِبَ الحَدُّ على الشُّهود؛ لأِنَّه مُتيقَّنٌ كَذِبُهم.
_________________
(١) في (م): روايتين.
(٢) زيد في (ن): عنه.
(٣) في (ظ): فترى. وفي (ن): فرأى.
(٤) قوله: (في) سقط من (م).
(٥) قوله: (فلم يسأل) في (م): فسأل.
(٦) زيد في (م): رجع.
(٧) قوله: (ليس) سقط من (م).
(٨) ينظر: زاد المسافر ٤/ ٣٣٨، الفروع ١٠/ ٦٨.
(٩) قوله: (ونحوه قولين بخلاف العذراء …) إلى هنا سقط من (م).
(١٠) في (م): ينبغي.
[ ٩ / ٤٩١ ]
(وَلَا عَلَى الشُّهُودِ، نَصَّ عَلَيْهِ (^١)؛ لأِنَّ صِدْقَهم مُحتَملٌ، وفي «الرِّعاية»: ولا على الرَّجُل.
(وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ (^٢) أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ عَلَى الشُّهُودِ أَنَّهُمْ هُمُ الزُّنَاةُ بِهَا؛ لَمْ يُحَدَّ المَشْهُودُ (^٣) عَلَيْهِ)؛ لأِنَّ شهادةَ الآخَرِينَ تَضَمَّنتْ جَرْحَ الأوَّلِينَ، وشَهادةَ الآخَرِينَ تتطرَّقُ إليها (^٤) التُّهمةُ.
(وَهَلْ يُحَدُّ الشُّهُودُ الْأَوَّلُونَ حَدَّ الزِّنَى؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «المحرَّر» و«الفُروع»:
إحْداهما: لا يَجِبُ الحَدُّ عَلَيهم؛ لأِنَّ الأوَّلِينَ قد جَرَحَهم الآخَرونَ بشهادتهم عَلَيهِم، والآخَرُونَ تتطرق (^٥) إليهم التُّهمة.
والثَّانِيَةُ: يُحَدُّونَ له، اخْتارَها أبو الخَطَّاب؛ لأِنَّ شهادةَ الآخرين صحيحةٌ، فيَجِبُ الحُكْمُ بها.
وعلى كلتيهما: في حدِّهم للقَذْفِ رِوايَتانِ: أشْهَرُهما: بأنَّهم يُحَدُّونَ.
(وَإِنْ حَمَلَتِ امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ؛ لَمْ تُحَدَّ (^٦) بِذَلِكَ (^٧) بِمُجَرَّدِهِ)، نَقَلَه الجماعةُ (^٨)، وذَكَرَ ابنُ هُبَيرةَ: أنَّها الأَظْهَرُ، لكنَّها تُسْأَلُ، فإنِ ادَّعَتْ أنَّها أُكْرِهَتْ، أوْ وُطِئَتْ بشُبْهةٍ، أوْ لم تعترف (^٩) بالزِّنى؛ لم تُحَدَّ، وهو قَولُ الأكثرِ
_________________
(١) ينظر: مسائل عبد الله ص ٤٢٥، زاد المسافر ٤/ ٣٣٨.
(٢) في (م): على الرجل أربعة.
(٣) في (م): لم يحدا الشهود.
(٤) في (ن): إليهم.
(٥) في (ن): يتطرق.
(٦) قوله: (تحد) مكانه بياض في (م).
(٧) في (م): لذلك.
(٨) ينظر: مسائل ابن منصور ٧/ ٣٥٢٤، الفروع ١٠/ ٦٩.
(٩) قوله: (أو لم تعترف) في (م): إن لم تعرف.
[ ٩ / ٤٩٢ ]
من العلماء.
وعن أحمدَ: بلى إنْ لم تَدَّعِ شبهة (^١).
وفي «الوسيلة» و«المجموع» روايةٌ: ولو ادَّعَتْ شبهة (^٢).
وأقْوالُ الصَّحابة مُختَلِفَةٌ في ذلك (^٣)، حتَّى بالَغَ بَعْضُ العلماء، وقال: إنَّ المرأةَ تَحمِلُ مِنْ غَيرِ وَطْءٍ، بأنْ تُدخِلَ ماءَ الرُّجُل في فَرْجِها، ولهذا تُصُوِّرَ
_________________
(١) في (م): الشبهة.
(٢) قوله: (وفي «الوسيلة» و«المجموع» رواية: ولو ادعت شبهة) سقط من (م).
(٣) مراده كما في المغني (٩/ ٧٩)، ما أخرجه البخاري (٦٨٢٩)، عن عمر ﵁: «ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف». وأخرج عبد الرزاق (١٣٤٤٣)، من طريق قتادة قال: «رفع إلى عمر ﵁ امرأة ولدت لستة أشهر فسأل عنها أصحاب النبي ﷺ، فقال علي ﵁: ألا ترى أنه يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ فكان الحمل ههنا ستة أشهر فتركها، ثم قال: «بلغنا أنها ولدت آخر لستة أشهر»، وأخرج نحوه سعيد بن منصور (٢٠٧٤)، من طريق يونس، عن الحسن عن عمر ﵁، وكلاهما منقطع. وأخرج عبد الرزاق (١٣٦٦٦)، والبيهقي في الكبرى (١٧٠٤٧)، من طريق عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي موسى الأشعري، قال: «أتي عمر بن الخطاب ﵁ بامرأة من أهل اليمن، قالوا: بغت، قالت: إني كنت نائمة، فلم أستيقظ إلا برجل رمى في مثل الشهاب، فقال عمر ﵁: يمانية نؤومة شابة» فخلى عنها ومتعها، قال الألباني: (إسناد صحيح رجاله ثقات). وأخرج عبد الرزاق (١٣٤٤٦)، ومن طريقه ابن جرير في التفسير (٤/ ٢٠٢)، من طريق أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف قال: «رفعت إلى عثمان امرأة ولدت لستة أشهر فقال: إنها رفعت إليَّ امرأة لا أراه إلا قال: وقد جاءت بشر أو نحو هذا ولدت لستة أشهر فقال له ابن عباس: إذا أتمت الرضاع كان الحمل ستة أشهر قال: وتلا ابن عباس: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ فإذا أتمت الرضاع كان الحمل ستة أشهر»، وقال ابن حجر: (سنده صحيح). ينظر: التلخيص الحبير ٣/ ٤٧٢، الإرواء ٨/ ٣٠.
[ ٩ / ٤٩٣ ]
حَمْلُ البِكْر ووُجِدَ (^١).
مسألةٌ: إذا شُهِدَ عَلَيهِ بِزِنًى قَديمٍ، أوْ أقرَّ به؛ وَجَبَ عَلَيهِ الحَدُّ؛ لِعُمومِ الآية، وكسائر الحُقوق.
وقال ابنُ حامِدٍ: لا أقْبَلُ بيِّنةً على زِنًى قَديمٍ، وأحُدُّه بالإقْرار به، وذَكَرَه ابنُ أبي موسى مَذْهَبًا لأِحمدَ، وهو مَرْوِيّ عن عمر (^٢)؛ لأِنَّ تأخيرَ الشَّهادة إلى هذا الوَقْتِ يَدُلُّ على التُّهمة.
وتُقْبَلُ الشَّهادةُ به (^٣) مِنْ غَيرِ مدعٍ (^٤)، نَصَّ عليه (^٥)؛ لِقَضِيَّةِ أبي بكرة (^٦).
_________________
(١) في (م): ووجه.
(٢) في (ظ): غيرهم. والأثر: أخرجه عبد الرزاق (١٣٧٦٠)، وابن حزم في المحلى (١٢/ ٤٣)، من طريق مسعر، عن أبي عون قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: «أيما رجل شهد على حدٍّ، لم يكن بحضرته، فإنما ذلك عن ضغن»، ورجاله ثقات إلا أن أبا عون وهو محمد بن عبيد الله الثقفي لم يدرك عمر ﵁.
(٣) قوله: (به) سقط من (م).
(٤) في (م): مدح.
(٥) ينظر: مسائل ابن منصور ٩/ ٤٦٨١،
(٦) في (م): لقصة أبي بكر. وقد سبق تخريجها ٩/ ٤٨٣ حاشية (٦). وكتب في هامش (ظ): (بلغ بأصل المؤلف رحمه الله تعالى).
[ ٩ / ٤٩٤ ]