(وَأَلْفَاظُ الْقَذْفِ تَنْقسِمُ إِلَى: صَرِيحٍ، وَكِنَايَةٍ)؛ لأِنَّها ألْفاظٌ تَرتَّبَ عَلَيها حُكْمٌ شَرعِيٌّ، فانْقَسَمَتْ إلى ذلك؛ كالطَّلاق.
(فَالصَّرِيحُ (^١): قَوْلُهُ: يَا زَاني، يَا عَاهِرُ، زَنَى فَرْجُكَ، وَنَحْوُهُ)؛ كزَنَيتَ، ويا مَنْيُوكُ، (مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْقَذْفِ، فَلَا (^٢) يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِمَا يُحِيلُهُ)؛ لأِنَّه صريحٌ فيه، أشْبَهَ صريحَ الطَّلاقِ.
(وَإِنْ قَالَ: يَا لُوطِيُّ، يَا مَعْفُوجُ)، هو مَفْعولٌ مِنْ: عَفَجَ؛ بمعنى (^٣): نَكَحَ، فكأنَّه بمَعْنَى مَنكُوحٍ؛ أيْ: موطوء (^٤)؛ (فَهُوَ صَرِيحٌ) في المنصوص (^٥).
وعليه الحَدُّ فيهما إذا قَذَفَه بعَمَلِ قَومِ لُوطٍ، فاعِلًا أوْ مَفْعولًا، اخْتارَهُ الأَكْثَرُ؛ لأِنَّ اللُّوطِيَّ: الزَّانِي بالذُّكور، أشْبَهَ ما لو قال: يا زَانِي، وحِينَئِذٍ لا يُسمَعُ تَفْسيرُه بما يحيل (^٦) القَذْفَ.
وعَنْهُ: مع غَضَبٍ؛ لأِنَّ قرينةَ الغَضَب تَدُلُّ على إرادةِ القَذْفِ، بخِلافِ حالةِ الرضا.
(وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّكَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ؛ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ)، وهذا روايةٌ نَقَلَها المَرُّوذِيُّ (^٧)؛ لأِنَّه فَسَّرَ كلامَه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ؛
_________________
(١) قوله: (فالصريح) سقط من (م).
(٢) في (م): ولا.
(٣) في (ظ): يعني.
(٤) في (م): موطوءة.
(٥) ينظر: زاد المسافر ٤/ ٣٧٢.
(٦) في (م): يحصل، وقوله: (بما يحيل) في (ن): بالحبل.
(٧) ينظر: زاد المسافر ٤/ ٣٧٢.
[ ٩ / ٥٠٨ ]
كما لو (^١) فسَّرَه به مُتَّصِلًا بكلامِه.
(وَهُوَ بَعِيدٌ)؛ لأِنَّ إطْلاقَ لَفْظِه وإرادةَ مِثْلِ ذلك فيه بُعْدٌ، مع أنَّ قَومَ لُوطٍ لم يَبْقَ منهم أحدٌ.
ولو قَذَفَ امرأةً أنَّها وُطِئَتْ في دُبُرِها، أوْ قَذَفَ رجُلًا بِوطْءِ امرأةٍ في دبرها (^٢)؛ فعَلَيهِ الحَدُّ. وقِيلَ: لا. ومَبْنَى الخِلافِ هُنا على الخلاف (^٣) في وُجوبِ حدِّ الزِّنى على مَنْ فَعَلَ ذلك.
(وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّكَ تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، غَيْرَ إِتْيَانِ الرِّجَالِ؛ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ):
أشْهَرُهُما: أنَّه لا يُقبَلُ (^٤)؛ لأِنَّه فسَّر اللَّفْظَ بما لا يَحتَمِلُه غالِبًا، أشْبَهَ ما لو قال: يا زَانِي.
والثَّاني: أنَّه لا يُحَدُّ؛ لأِنَّ ما فسَّرَ به كلامَه مُحتَمِلٌ الإرادة، والحَدُّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ.
فرعٌ: إذا فسَّرَ (يا مَنْيُوكَةُ) بِفِعْلِ زَوجٍ؛ فلَيسَ قَذْفًا، ذَكَرَه في «الرِّعاية» و«التَّبصرة»، وزَادَ: إنْ أرادَ بزَانِي العَين، أوْ يا عاهِرَ اليَد؛ لم يُقْبَلْ مع سبقه (^٥) ما يَدُلُّ على قَذْفٍ صَريحٍ.
(وَإِنْ قَالَ: لَسْتَ بِوَلَدِ فُلَانٍ؛ فَقَدْ قَذَفَ أُمَّهُ) في المنصوص (^٦)، إلا (^٧)
_________________
(١) قوله: (لو) سقط من (ظ).
(٢) قوله: (بوطء امرأة في دبرها) سقط من (م).
(٣) في (م): الحد.
(٤) كتب في هامش (ن): (وهو المذهب).
(٥) في (م): شبهة.
(٦) ينظر: الشرح الكبير ٢٦/ ٣٧٨.
(٧) في (ن): لا.
[ ٩ / ٥٠٩ ]
مَنفِيًّا بِلِعانٍ لم يَستلحِقْه أبوهُ، ولم يُفَسِّرْه بِزِنَى أمِّه؛ لأِنَّ ذلك يَقتَضِي أنَّ أمَّه أتَتْ به مِنْ غَيرِ أبِيهِ، وذلك قَذْفٌ لها.
وكذا إنْ نفاه عن قبيلتِه (^١)، وقال المؤلِّفُ: القِياسُ يَقتَضِي أنَّه لا يَجِبُ الحدُّ لنفي (^٢) الرَّجُل عن قَبِيلتِه؛ لأِنَّ ذلك لا يتعيَّن فيه الرمي (^٣) بالزِّنى، أشْبَهَ ما لو قال لأعجمي (^٤): إنَّك عربيٌّ.
(وَإِنْ قَالَ: لَسْتَ بِوَلَدِي؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ):
أظهرهما (^٥): أنَّه كِنايَةٌ في قَذْفِها (^٦)، نَصَّ عليه (^٧)؛ لأِنَّ للرجل (^٨) أن يُغلِظَ في القول والفِعْلِ لِوَلَدِه.
والثَّاني: هو صريحٌ؛ لأِنَّه نَفاهُ عن نَفْسِه، أشْبَهَ نَفْيَ وَلَدِ غَيرِه عن أبِيهِ.
فرعٌ: إذا قال: إنْ لم تفعل (^٩) كذا فَلَسْتَ ابنَ فُلانٍ؛ فلا حَدَّ؛ لأِنَّ القَذْفَ لا يتعلَّقُ بالشَّرط، وإنْ قال: لَسْتَ ابنَ فلانة (^١٠)؛ عُزِّرَ، نَصَّ عليه (^١١)؛ لأِنَّه لم يَقذِفْ أحَدًا بالزِّنى.
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ أَزْنَى النَّاسِ)؛ فهو قاذِفٌ في قَولِ أبي بَكْرٍ، وقدَّمه في
_________________
(١) في (م): قبيلة.
(٢) في (م): كنفي.
(٣) في (م): الرضا.
(٤) في (م): لعجمي.
(٥) في (ن): أشهرهما.
(٦) كتب في هامش (ن): (أي: في قذف أمه، وهو المذهب).
(٧) ينظر: المحرر ٢/ ٩٥.
(٨) في (م): الرجل.
(٩) في (ظ): لم يفعل.
(١٠) في (م): فلان.
(١١) ينظر: المحرر ٢/ ٩٦.
[ ٩ / ٥١٠ ]
«الرِّعاية»؛ لأِنَّه أضافَ إلَيهِ الزِّنى بصِيغةِ المُبالَغةِ.
(أَوْ أَزْنَى مِنْ فُلَانَةَ)؛ فكذلك في قَولِ القاضي؛ لأِنَّ أزْنَى مَعْناهُ المبالَغة، ففِيهِ الزِّنى وزِيادةٌ.
وقَدَّم في «الكافي»: لَا؛ لأِنَّ لَفْظةَ (أفْعَل) تُستَعْمَلُ للمُنفَرِد بالفعل.
وقال ابنُ حامِدٍ: لَيسَ بقَذْفٍ إلاَّ أنْ يُريدَه؛ لأِنَّ مَوضُوعَ اللَّفْظِ يَقتَضِي ذلك.
مسألةٌ: إذا قال: أنت أزْنَى مِنْ زَيدٍ؛ فقد قَذَفَهما صريحًا، وقِيلَ: كناية (^١)، وقِيلَ: لَيسَ بقَذْفٍ لِزَيدٍ، وهو أقْيَسُ.
(وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِيَةُ، أَوْ لاِمْرَأَةٍ: يَا زَانِي)؛ فصريحٌ، نَصَرَه في «الشَّرح»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأِنَّ اللَّفظَ صريحٌ في الزِّنى، وزِيادةُ الهاء وحَذْفُها خَطَأٌ لا يغيِّر (^٢) المعْنَى كاللَّحْن، وكفَتْحِ التّاء وكَسْرِها لهما؛ خِلافًا ل «الرِّعاية» في عالِمٍ بعَرَبِيَّةٍ.
واخْتارَ ابنُ حامِدٍ - كما (^٣) يأتي -: أنَّه لَيسَ بصريحٍ إلاَّ أنْ يُفَسِّرَه به؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ أنْ يُريدَ بذلك أنَّه عَلاَّمةٌ في الزِّنى، كما يُقالُ للعالِمِ: عَلاَّمَةٌ.
(أَوْ (^٤) قَالَ: زَنَتْ يَدَاكَ وَرِجْلَاكَ (^٥)؛ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْقَذْفِ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ)؛ لأِنَّ ذلك يُطلَقُ ويُرادُ به زِنَى الفَرْجِ.
(وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ (^٦)، في ظاهِرِ المذهب في الأخِيرة، لأنَّ (^٧)
_________________
(١) قوله: (وقيل: كناية) سقط من (م).
(٢) في (ن): لا تغير.
(٣) في (ن): لا.
(٤) في (ن): وإن.
(٥) في (م): أو رجلاك.
(٦) كتب في هامش (ن): (أي: فهي كناية، وهو المذهب).
(٧) في (ظ): أن.
[ ٩ / ٥١١ ]
زِنَى هذه الأعْضاءِ لا يوجب (^١) الحَدَّ؛ لقوله ﵇: «العَينانِ تَزنِيان (^٢) وزِناهما النَّظَرُ» (^٣).
قال في «الشَّرح»: والأَوْلَى أنْ يُرجَعَ إلى تَفْسيرِه، انتهى.
وكذا الخِلافُ لو أفْرَدَ، فلو قال: زَنَتْ يدُكَ (^٤) فَقَذْفٌ، قاله في «الرِّعاية»، وكذا العَينُ في «التَّرغيب»، وفي «المغْنِي» وغَيرِه: لا.
مسألةٌ: إذا قال: يا زانِي ابنَ الزَّانِيَةِ؛ لَزِمَه حدَّان (^٥)، فإنْ تَشاحَّا؛ قُدِّمَ حَدُّ الاِبنِ.
وعَنْهُ: حَدٌّ واحِدٌ.
وقِيلَ: إنْ كانَتْ أُمُّه حَيَّةً؛ فقد قَذَفَها معه، وإنْ كانتْ ميتةً (^٦)؛ فقد قَذَفَه وحْدَه.
(وَإِنْ قَالَ: زَنَأْتَ فِي الْجَبَلِ - مَهْمُوزًا -؛ فَهُوَ صَرِيحٌ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ (^٧)، وأبي (^٨) الخَطَّاب، وقدَّمه في «الرِّعاية» و«الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ عامَّة النَّاس لا يَفْهَمونَ مِنْ ذلك إلاَّ القَذْفَ.
(وَقَالَ ابْنُ (^٩) حَامِدٍ: إِنْ كَانَ (^١٠) يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ؛ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا)؛ لأِنَّ
_________________
(١) في (ظ): لا توجب.
(٢) في (م) و(ن): يزنيان.
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٥٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) في (ظ) و(ن): يداك.
(٥) في (م): كحدان.
(٦) قوله: (فقد قذفها معه، وإن كانت ميتة) سقط من (م).
(٧) كتب في هامش (ن): (المذهب أنه صريح مطلقًا، أي: سواء كان عارفًا أو غيره).
(٨) في (م): وابن.
(٩) قوله: (وقال ابن) في (م): وابن.
(١٠) زيد في (م): قال.
[ ٩ / ٥١٢ ]
مَعْناهُ في العربيَّة: طَلَعْتَ، وعليهما (^١) إنْ قال: أردتُ الصُّعودَ في الجَبَل؛ قُبِلَ.
(وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: فِي الْجَبَلِ)؛ أيْ: زَنَأْتَ؛ (فَهَلْ هُوَ (^٢) صَرِيحٌ، أَوْ كَالتِي قَبْلَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ):
أحدهما: أنَّه صريحٌ (^٣)، قدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ مع عَدَمِ القَولِ في الجَبَلِ يَتمَحَّضُ القَذْفُ.
وقيل: هو (^٤) كالتي (^٥) قبلها.
أحدُهما: يكُونُ صريحًا في حقِّ (^٦) العامِّيِّ والعالِمِ بالعربيَّة.
والثَّانِي: الفرقُ بَينَهما.
وقِيلَ: لا قَذْفَ.
قال في «الفروع»: (ويَتَوَجَّهُ مثلُها لفظةُ: عِلْقٌ، وذَكَرَها شَيخُنا صريحةً (^٧)، ومَعْناهُ قَولُ ابنِ رَزِينٍ: كلُّ ما يَدُلُّ عليه عُرْفًا).
(وَالْكِنَايَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ لاِمْرَأَتِهِ: قَدْ فَضَحْتِيهِ)؛ أيْ: بشَكْواكِ، (وَغَطَّيْتِ
_________________
(١) في (م): وعليها.
(٢) قوله: (فهل هو) هو في (ظ): فهو.
(٣) كتب في هامش (ن): (وهو المذهب).
(٤) قوله: (هو) سقط من (ظ).
(٥) قوله: (وقيل: هو كالتي) في (ن): وتلك هي التي.
(٦) قوله: (حق) سقط من (ن).
(٧) أي: شيخ الإسلام. ينظر: مجموع الفتاوى ٣٤/ ١٨٥، الفروع ١٠/ ٨١. قال المرداوي في تصحيح الفروع ١٠/ ٨٤: (قوله: ويتوجه مثلها لفظة "علق"، وذكرها شيخنا صريحة. انتهى، وقال بعد ذلك بقرب من عشرين سطرًا أو أكثر: وقال شيخنا: إن "علق" تعريض. انتهى، فلعله قال هذا أولًا، ثم اطلع على نقل بأنها صريح، أو له قولان).
[ ٩ / ٥١٣ ]
وَنَكَّسْتِ (^١) رَأْسَهُ)؛ أيْ: حَياءً من النَّاس من ذلك، (وَجَعَلْتِ لَهُ قُرُونًا)؛ أيْ: أنَّه مُسخَّرٌ لك مُطِيعٌ مُنقادٌ كالثَّور، (وَعَلَّقْتِ عَلَيْهِ أَوْلَادًا مِنْ غَيْرِهِ)؛ أيْ: مِنْ زَوجٍ آخَرَ، أوْ وطء (^٢) شُبهةٍ، (وَأَفْسَدْتِ فِرَاشَهُ)؛ أيْ: بالنُّشوز؛ أيْ: بالشِّقاق وبمنع (^٣) الوَطْء.
(أَوْ يَقُولَ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ (^٤): يَا حَلَالُ يَا ابْنَ الْحَلَالِ)؛ أنَّه كذلك حقيقةً، (مَا يَعْرِفُكَ النَّاسُ بِالزِّنَى)، حقيقةُ النَّفْي؛ أيْ: ما أنْتَ بِزانٍ ولا أُمُّكَ زانية (^٥).
(يَا عَفِيفُ)، كَونُه كذلك حقيقةً، وكذا: يا نظيفُ، يا خَنِيثُ - بالنُّون -، وذَكَرَه بعضُهم بالباء، (أَوْ يَا فَاجِرَةُ)، أيْ: كَونُها مُخالِفةً لزَوجِها فِيما تَجِبُ طاعَتُها فيه، (يَا قَحْبَةُ)، قال السَّعْدِيُّ (^٦): قَحَبَ البعيرُ والكَلْبُ: سَعَلَ، وهي في زماننا: المُعدَّةُ للزِّنى، (يَا خَبِيثَةُ (^٧)، وهي صِفَةٌ مُشَبَّهةٌ مِنْ خَبُثَ الشَّيءُ، فهو خَبِيثٌ.
(أَوْ يَقُولَ لِعَرَبِيٍّ: يَا نَبَطِيُّ)، مَنسوبٌ إلى النَّبَطِ، وهم: قَومٌ يَنزِلُونَ بالبطائح بَينَ العِراقَينِ، (يَا فَارِسِيُّ)، مَنسوبٌ إلى فارِسَ، وهي بِلادٌ معروفةٌ، وأهْلُها الفُرْسُ، وفارِسُ أبوهم (^٨)، (يَا رُومِيُّ)، نسبة (^٩) إلى الرُّوم، وهو في
_________________
(١) في (م): أو نكست.
(٢) في (م): ووطء.
(٣) في (م) و(ن): ويمنع.
(٤) في (ن): تقول لمن تخاصمه.
(٥) في (ن): بزانية.
(٦) هو ابن القَطَّاع الصقلي، وتقدمت ترجمته. وينظر: الأفعال له ٣/ ٣٤.
(٧) في (م): يا خنيثة.
(٨) في (ن): إبراهيم.
(٩) في (م): شبه.
[ ٩ / ٥١٤ ]
الأصل الرُّومُ بنُ عيصو بنِ إسْحاقَ بنِ إبراهيمَ.
(أَوْ يَسْمَعَ رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا، فَيَقُولَ: صَدَقْتَ)؛ أيْ: في (^١) غَيرِ الإخْبارِ المذكور (^٢).
(أَوْ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ أَنَّكَ زَنَيْتَ، وَكَذَّبَهُ الآْخَرُ)؛ أيْ: مُوافِقٌ للكذب (^٣)، أوْ ما أنا بِزَانٍ، أوْ ما أُمِّي بِزانِيَةٍ.
(فَهَذَا كِنَايَةٌ إِنْ (^٤) فَسَّرَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ غَيْرُ الْقَذْفِ)، وعنه: بِقَرِينةٍ ظاهِرَةٍ؛ (قُبِلَ قَوْلُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، قدَّمه في «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وصحَّحه في «المغْنِي» و«الشَّرح»؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ غَيرَ الزِّنى كما ذكرناه (^٥)، فهو إِذَنْ فسَّرَ الكلامَ بما يَحتَمِلُه، وعَلَيهِ يُعزَّرُ.
(وَفِي الآْخَرِ: جَمِيعُهُ صَرِيحٌ)، فيُحَدُّ به، اختاره القاضي وجماعةٌ، وذَكَره في «التَّبصرة» عن الخِرَقِيِّ؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ من حاله أنَّه لم يُرِدْ شَيئًا، فَوَجَبَ حَمْلُها عليه بظاهِرِ الحال وللاستعمال (^٦).
فعلى هذا: إذا قال: أردتُ هذه الاِحْتِمالاتِ؛ لم يُقبَلْ كالزَّاني.
وعَنْهُ: لا يحدُّ (^٧) إلاَّ بنيَّةٍ، اختارها أبو بكرٍ وغيرُه.
والقَرِينةُ ككِنايَةِ طلاقٍ.
وفي «التَّرغيب»: هو قَذْفٌ بنيَّة (^٨)، ولا يَحلِفُ مُنكِرُها، ويَلزَمُه الحَدُّ
_________________
(١) في (ن): من.
(٢) في (م): المذكورة.
(٣) في (م): الكذب.
(٤) في (ن): أي.
(٥) في (م): ذكرنا.
(٦) في (ظ): والاستعمال.
(٧) قوله: (يحد) سقط من (م).
(٨) في (م): بينًا.
[ ٩ / ٥١٥ ]
باطِنًا، وفي لُزُومِ إظْهارِها وَجْهانِ (^١).
تنبيهٌ: لا حدَّ بالتَّعريض، كقَولِه: يا حَلالُ ابنَ الحَلالِ، نَصَّ عَلَيهِ في رِوايَةِ حَنبَلٍ (^٢)، وهو ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، واختاره أبو بكرٍ، وقاله أكثرُ العلماء؛ لأِنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ ﷺ فقال: إنَّ امْرأَتِي وَلَدَتْ غُلامًا أسْوَدَ، يُعرِّضُ بنفيه، فلم يَلزَمْه بذلك حَدٌّ (^٣)، ولأِنَّ اللهَ تعالى أباحَ التَّعريضَ بالخطبة (^٤) دُونَ التَّصريح بها.
ونَقَلَ الأَثْرَمُ: عَلَيهِ الحَدُّ (^٥)، رُوِيَ عن عمرَ (^٦) وعُثْمانَ (^٧)، وهي أظْهَرُهما، قاله ابنُ هُبَيرةَ.
فأمَّا في غَيرِ حالةِ خُصومةٍ، ولا وُجِدَتْ قَرِينةٌ؛ فلا يكُونُ قَذْفًا.
_________________
(١) قال في تصحيح الفروع ١٠/ ٨٢ عن قوله: «ويلزمه الحد باطنًا بالنية …»: (لعله من تتمة كلامه في «الترغيب»، وهو الظاهر، والذي يظهر أنه يلزمه إظهار النية إذا سئل عما أراد).
(٢) ينظر: الروايتين والوجهين ٢/ ٢٠٦، المغني ٩/ ٨٩.
(٣) اخرجه البخاري (٦٨٤٧)، ومسلم (١٥٠٠).
(٤) في (ن): بالخطيئة.
(٥) ينظر: الروايتين والوجهين ٢/ ٢٠٦.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٣٧٠٣)، والدارقطني (٣٤٧٧)، والبيهقي في الكبرى (١٧١٤٦)، عن ابن عمر ﵄: «أن عمر كان يحد في التعريض بالفاحشة»، وإسناده صحيح. وأخرج مالك في الموطأ (٢/ ٨٢٩)، وابن أبي شيبة (٢٨٣٧٦)، والدارقطني (٣٤٧٩)، والبيهقي في الكبرى (١٧١٤٧)، عن أبي الرجال، عن أمه عمرة، قالت: استب رجلان، قال أحدهما: ما أمي بزانية وما أبي بزان، فشاور عمر القوم، فقالوا: مدح أباه وأمه، فقال: «لقد كان لهما من المدح غير هذا» فضربه. هذا لفظ ابن أبي شيبة، وعند مالك بأطول منه وفيه: «فجلده عمر الحد ثمانين». وإسناده صحيح.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٣٧٧)، ومن طريقه الدارقطني (٣٤٧٨)، عن معاوية بن قرة: أن رجلًا قال لرجل: يا ابن شامة الوذر، فاستعدى عليه عثمان بن عفان، فقال: «إنما عنيت كذا وكذا، فأمر به عثمان فجلد الحد»، وفي إسناده: الجلد بن أيوب وهو ضعيف جدًّا، قال أحمد بن حنبل: (ضعيف، ليس يساوى حديثه شيئًا)، وقال الدارقطني: (متروك). ينظر: ميزان الاعتدال ١/ ٤٢٠.
[ ٩ / ٥١٦ ]
(وَإِنْ قَذَفَ (^١) أَهْلَ بَلْدَةٍ أَوْ جَمَاعَةً لَا يُتَصَوَّرُ الزِّنَى مِنْ جَمِيعِهِمْ) عادةً وعُرْفًا؛ (عُزِّرَ وَلَمْ يُحَدَّ)؛ لأِنَّه لا عارَ على المقْذُوف بذلك للقَطْعِ بكَذِبِ القاذف، ويُعزَّرُ على ما (^٢) أتى به من المعصية والزُّور؛ كما لو سبَّهم بغَيرِ القَذْفِ.
وظاهِرُه: أنَّه يُعزَّرُ، ولو لم يَطْلُبْهُ أحَدٌ.
وفي «المغْنِي»: لا يَحتاجُ التَّعزيرُ إلى مُطالَبَةٍ.
وفي «مُختَصَرِ ابنِ رَزِينٍ»: يُعزَّرُ حَيثُ لا حَدَّ.
مسائلُ:
يعزَّر في: يا كافِرُ، يا فاجِرُ، يا حمارُ، يا تَيسُ، يا رافضي (^٣)، يا خَبِيثَ البَطْن، أو الفرج (^٤)، يا عَدُوَّ الله، يا ظالِمُ، يا كَذَّابُ، يا خائنُ، يا شارِبَ الخَمْر، يا مخنث (^٥)، نَصَّ على ذلك (^٦).
وقِيلَ: فاسِقٌ كِنايَةٌ، ومُخنَّثٌ تعريضٌ.
ويُعزَّرُ في: قَرْنانٍ، وقَوَّادٍ، وسَأَلَه حَرْبٌ: عن دَيُّوثٍ، فقال: يُعزَّرُ (^٧).
وفي «المُبْهِج»: دَيُّوثٌ قَذْفٌ لاِمْرأتِه، ومِثْلُه: كَشْخَانُ (^٨)، وقَرْطَبانُ (^٩)،
_________________
(١) في (م): قذفه.
(٢) في (م): بما.
(٣) قوله: (يا رافضي) سقط من (م).
(٤) في (م): والفرج.
(٥) في (م): يا خبيث يا رافضي.
(٦) ينظر: مسائل ابن منصور ٧/ ٣٦٥٤، زاد المسافر ٤/ ٣٧٤، الفروع ١٠/ ٨٣.
(٧) ينظر: زاد المسافر ٤/ ٣٧٤، الفروع ١٠/ ٨٣.
(٨) قال في العين ٤/ ١٥٥: (الكشخان: الديوث، وهو دخيل؛ لأنه ليس في كلام العرب رباعية مختلفة الحروف على فعلال، ولا يكون إلا بكسر الصدر غير كشخان، فإنه يفتح).
(٩) قال ثعلب: القرطبان الذي يرضى أن يدخل على نسائه الرجال، ويقال: قرطبه، إذا ألقاه. ينظر: زاد المسافر ٤/ ٣٧٥.
[ ٩ / ٥١٧ ]
ويَتوجَّهُ في مَأْبُونٍ (^١)؛ كمخنث.
وفي «الرِّعاية»: لم أجِدْكِ عَذْراءَ؛ كِنايَةٌ، وأنَّ مَنْ قال لِظالِمٍ ابنِ ظالِمٍ: جَبَرَكَ اللهُ ورَحِمَ سَلَفَكَ؛ يُعزَّرُ، قاله في «الفروع».
(وَإِنْ (^٢) قَالَ لِرَجُلٍ: اقْذِفْنِي فَقَذَفَهُ، فَهَلْ يُحَدُّ أَوْ يُعَزَّرُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ):
أحدُهما: يُعزَّرُ (^٣)، جزم (^٤) به في «الوجيز»؛ لأِنَّ المقذوفَ رَضِيَ بقَذْفِهِ، أشْبَهَ ما لو قَذَفَ نَفْسَه.
والثَّاني: يُحَدُّ؛ لأِنَّ المُوجِبَ له القَذْفُ، وقد وجد (^٥)، وقَولُه لا أَثَرَ له؛ لأِنَّ القَذْفَ لا يُباحُ بالإباحة.
وفي «النِّهاية» و«الشَّرح»: هما مَبْنِيَّانِ على الاِخْتِلاف في حَدِّ القَذْفِ؛ هل (^٦) هو حقٌّ (^٧) لله تعالى فلا (^٨) يَسقُطُ بالإذْنِ فيه كالزِّنى، أوْ لآدميٍّ (^٩) فيَسقُطُ؛ كما لو أَذِنَ في إتْلافِ مالِه، ويُعزَّرُ؛ لأِنَّه فَعَلَ مُحرَّمًا لا حَدَّ فيه؟
(وَإِنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ (^١٠): بِكَ زَنَيْتُ، لَمْ تَكُنْ (^١١) قَاذِفَةً)؛ لأِنَّها صدَّقَتْه فِيما قال، فلم يَجِبْ حَدٌّ؛ كما لو قالَتْ: صَدَقْتَ.
_________________
(١) المأبون: الذي يعاب ويتهم بالشر، ومنه أخذ: المأبون الذي تفعل به الفاحشة. ينظر تاج العروس ٣٤/ ١٤٩.
(٢) زيد في (ن): من.
(٣) كتب في هامش (ن): (وهو المذهب).
(٤) في (م): وجزم.
(٥) قوله: (وقد وجد) في (م): ولو.
(٦) في (ظ): وهل.
(٧) قوله: (حق) سقط من (م).
(٨) قوله: (فلا) سقط من (م).
(٩) في (م): والآدمي.
(١٠) في (م) و(ن): قالت.
(١١) في (ظ): لم يكن.
[ ٩ / ٥١٨ ]
(وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ بِتَصْدِيقِهَا)؛ لأِنَّه يُمكِنُ الزِّنى مِنْها به مِنْ غَيرِ أنْ يكونَ زانِيًا، بأنْ يكونَ قَدْ وَطِئَها بشُبْهةٍ، ولا يَجِبُ عَلَيها حَدٌّ؛ لأِنَّها لم تُقِرَّ أرْبَعَ مَرَّاتٍ.
وإنْ قال: زَنَى بِكِ فُلانٌ؛ فقد قذفهما (^١)، نَصَّ عَلَيهِ (^٢)، وخُرِّجَ فِيها رِوايَتانِ.
فَعَلَى أنَّها لم تَقْذِفْه يَتخَرَّجُ: لو أقرَّ بأنَّه زَنَى بامرأةٍ؛ لم يَقذِفْها؛ لاِحْتِمالِ أنَّها مُكرَهَةٌ أو نائمةٌ، وجَزَمَ به في «التَّرغيب» في الزَّوجة.
ولو كان قَولُها: أنْتَ أزْنَى مِنِّي، أوْ زَنَيتُ وأنْتَ (^٣) أزْنَى مِنِّي؛ فَقَدْ قَذَفَتْهُ، وفي «الرِّعاية» وَجْهٌ.
وإنْ قال: يا زانِيَةُ، قالت (^٤): بل أنْتَ زانٍ؛ حُدَّا.
وعَنْهُ: لا لِعانَ، وتُحَدُّ هي فقط، وهي (^٥) سَهْوٌ عِنْدَ القاضي.
(وَإِذَا قُذِفَتِ الْمَرْأَةُ؛ لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةُ إِذَا كَانَتِ الْأُمُّ فِي الْحَيَاةِ)؛ لأِنَّه حقٌّ ثَبَتَ للتَّشَفِّي، فلا يَقُومُ فيه غَيرُ المسْتَحِقِّ مَقامَه؛ كالقِصاص.
وظاهِرُه: أنَّها إذا ماتَتْ ووُرِثَتْ (^٦) حدُّ القَذْف؛ فلِوارِثِه المطالبة (^٧) إِذَنْ.
(وَإِنْ قُذِفَتْ وهِيَ مَيْتَةٌ، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ (^٨) كَافِرَةً، حُرَّةً أَوْ أَمَةً؛ حُدَّ
_________________
(١) في (م): قذفها.
(٢) ينظر: الفروع ١٠/ ٨٥.
(٣) في (ظ): أنتِ.
(٤) في (ظ) و(ن): قال.
(٥) في (م): وهو.
(٦) في (ظ): وورث.
(٧) قوله: (في الحياة؛ لأنه حق ثبت للتشفي …) إلى هنا سقط من (م).
(٨) في (م): أو كانت.
[ ٩ / ٥١٩ ]
الْقَاذِفُ إِذَا طَالَبَ الاِبْنُ، وَكَانَ حُرًّا مُسْلِمًا (^١)، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ)؛ لأِنَّه قدحٌ (^٢) في نَسَبِ الحيِّ؛ لأِنَّه بقذف (^٣) أُمِّه بِنَسبِه (^٤) إلى أنَّه مِنْ زِنًى، ولا يَستَحِقُّ ذلك بطريقِ الإرْث، فلذلك (^٥) يُعتَبَرُ الإحْصانُ فيه، ولا يُعتَبَرُ في أمِّه (^٦)؛ لأِنَّ القَذْفَ له.
وشُرِطَ (^٧) فيه الطَّلَب؛ لأِنَّه حقٌّ من الحُقوق، فلا يُسْتَوْفَى بغَيرِ طَلَبِ مُسْتَحِقِّه؛ كسائِرِ الحُقوقِ، وإسْلامِه، وحُرِّيَّتِه؛ لأِنَّ الحَدَّ وَجَبَ للقَدْح في نَسَبِه.
(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِ مَيْتَةٍ)، وَذَكَرَه المؤلِّفُ ظاهِرَ المذْهَب في غَيرِ أمَّهاتِه، وقَطَعَ به في «المبْهِج»؛ لأِنَّه قَذْفٌ لِمَنْ لا يَصِحُّ منه المطالَبةُ، أشْبَهَ قَذْفَ المجْنونِ، أوْ يُقالُ: المَيْتةُ لا تُعَيَّرُ، والحَيُّ لم يُقدَحْ فيه، وذلك شُبْهةٌ يُدرَأُ بها (^٨) الحَدُّ.
والمذْهَبُ الأوَّلُ، أنَّه إذا قُذِفَ (^٩) مَيْتٌ مُحصنٌ (^١٠) أوْ لا؛ حُدَّ القاذِفُ إذا طالَبَ وارِثٌ محصَنٌ (^١١) خاصَّةً (^١٢).
_________________
(١) كتب في هامش (ن): (أي: محصنًا، وهو المذهب).
(٢) في (م): قذف.
(٣) في (م): يقذف.
(٤) كذا في النسخ الخطية، وفي الشرح الكبير ٢٦/ ٣٩٧: ينسبه.
(٥) في (م): وكذلك.
(٦) في (ن): أبيه.
(٧) في (م): ويشترط.
(٨) في (م): فيها.
(٩) في (م): قذفه.
(١٠) في (م): محض.
(١١) في (م): محض.
(١٢) كتب في هامش (ن): (وهو المذهب).
[ ٩ / ٥٢٠ ]
فَعَلَى هذا: لو كان الوارِثُ عَبْدًا أوْ مُشرِكًا (^١)؛ فلا حَدَّ.
وإنْ قُذِفَتْ جَدَّتُه؛ فَقِياسُ قَولِ الخِرَقِيِّ: أنَّه كَقَذْفِ أُمِّه إنْ كانَتْ حَيَّةً، فيُعتَبَرُ إحْصانُها، ولَيسَ لِغَيرِها المُطالَبةُ، وإنْ كانَتْ مَيْتةً؛ فله المطالَبةُ إذا كان مُحْصَنًا؛ لأِنَّه قَدْحٌ في نَسَبِه.
وإنْ قَذَفَ أباهُ، أوْ أحَدًا مِنْ أقارِبِه - غَيرَ أُمَّهاتِه - بَعْدَ موتِه (^٢)؛ لم يَجِب الحَدُّ.
(وَإِنْ مَاتَ الْمَقْذُوفُ؛ سَقَطَ الْحَدُّ) عن القاذِف إذا كان قَبْلَ المطالَبة بالحدِّ، فإنْ كان بَعْدَها؛ قام وارِثُهُ مَقامَه؛ لأِنَّه حقٌّ له، يَجِبُ بالمطالَبة؛ كالرُّجوع فِيما وَهَبَ ولدَه (^٣)، وكالشَّفيع.
فعلى هذا: هو حقٌّ للوَرَثَة، نَصَّ عليه (^٤)، وقِيلَ: سِوَى الزَّوجَينِ، وفي «المغْنِي»: للعَصَبَةِ، وإنْ عَفا بعضُهم حَدَّه الباقِي كامِلًا، وقِيلَ: يَسقُطْ.
(وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ ﷺ؛ قُتِلَ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا)؛ يَعْنِي: أنَّ حدَّه القَتْلُ، ولا تُقبَلُ تَوبَتُه، نَصَّ عَلَيهِ (^٥)؛ لِمَا في ذلك من التَّعرُّض للقَدْحِ (^٦) في النُّبُوَّة الموجِبِ للكُفْرِ.
وعَنْهُ: إنْ تابَ لم يُقتَلْ، وقالَهُ أكثرُ العلماء، مُسلِمًا كان أوْ كافِرًا؛ لأِنَّ هذا منه رِدَّةٌ، والمرتَدُّ تَصِحُّ توبته (^٧).
_________________
(١) في (م): مشتركًا.
(٢) قوله: (بعد موته) سقط من (م).
(٣) في (م): لولده.
(٤) ينظر: الفروع ١٠/ ٨٨.
(٥) ينظر: المغني ٩/ ٩٧.
(٦) في (ن): في القدح.
(٧) قوله: (في النبوة الموجب للكفر …) إلى هنا سقط من (م).
[ ٩ / ٥٢١ ]
وجَوابُه: أنَّ هذا حَدُّ قَذْفٍ، فلا يسقط (^١) بالتَّوبةِ؛ كقذف (^٢) غَيرِ أمِّ النَّبِيِّ ﷺ، ولأِنَّه لو قُبِلَتْ تَوبَتُه وسَقَطَ حدُّه؛ لكان أخفَّ حُكْمًا مِنْ قَذْفِ آحادِ النّاس.
قال في «المنثور»: وهذا كافِرٌ قُتِلَ مِنْ سَبِّه، فيُعايَا بها.
فلو كان كافِرًا فأسْلَمَ؛ فأشْهَرُ الرِّوايَتَينِ عَنْهُ: أنَّه لا يَسقُطُ بإسْلامه؛ كقَذْفِ غَيرِها.
وعنه: بلى؛ لأِنَّه لو سبَّ اللهَ (^٣) في كُفْرِه ثُمَّ أسْلَمَ؛ سَقَطَ عَنْهُ القَتْلُ، ولأِنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَه.
والخِلافُ إنَّما هو في سُقُوطِ القتل، فأمَّا فِيمَا بَيْنَه وبَينَ اللهِ تعالَى؛ فمَقْبُولةٌ، وقَذْفُه ﵇ كقَذْفِ أُمِّه، ويَسقُطُ سبُّه بالإسلام كَسَبِّ الله تعالى.
فرعٌ: قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: قَذْفُ نسائِه كَقَدْحِه (^٤) في دِينِه، وإنَّما لم يقتلهم (^٥)؛ لأِنَّهم تكلَّمُوا قَبْلَ عِلْمِه ببراءتِها (^٦)، وأنَّها مِنْ أُمَّهاتِ المؤمِنِينَ؛ لِإمْكانِ المُفارَقَةِ، فيخرُجُ بها مِنْهُنَّ، وتحلُّ (^٧) لغَيرِه، وقِيلَ: لا، وقيلَ: في (^٨) غَيرِ مَدخُولٍ بها (^٩).
_________________
(١) في (ظ): فلا تسقط.
(٢) في (م): لمقذوف.
(٣) في (ن): أبيه.
(٤) في (م): كقذفه.
(٥) في (ظ): لم نقتلهم.
(٦) في (ظ): براءتها. وفي (م): براءته.
(٧) في (م): ويحل.
(٨) في (ن): من.
(٩) كذا في النسخ الخطية، والذي في مجموع الفتاوى ٣٢/ ١١٩: (من قذف نساءه يقتل؛ لأنه قدحٌ في دينه، وإنما لم يقتلهم النبي ﷺ؛ لأنهم تكلموا بذلك قبل أن يعلم براءتها، وأنها من أمهات المؤمنين اللاتي لم يفارقهن عليه [] إذ كان يُمكِن أن يطلِّقها فتخرج بذلك من هذه الأمومة في أظهر قولي العلماء؛ فإنَّ فيمن طلَّقها النبي ﷺ ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. أحدها: أنها ليست من أمهات المؤمنين. والثاني: أنها من أمهات المؤمنين. والثالث: يفرق بين المدخول بها وغير المدخول بها. والأول أصح).
[ ٩ / ٥٢٢ ]
وسَأَلَه حَرْبٌ: رَجُلٌ افْترَى على رَجُلٍ، فقال: يا ابْنَ كذا وكذا إلى آدَمَ وحَوَّاءَ!، فعَظَّمَه جِدًّا، وقال عن الحَدِّ: لم يَبلُغْنِي فيه شَيءٌ، وذَهَبَ إلى حَدٍّ واحِدٍ (^١).
(وَإِنْ قَذَفَ الْجَمَاعَةَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ)، يُتصَوَّرُ منهم الزِّنى؛ (فَحَدٌّ وَاحِدٌ إِذَا طَالَبُوا أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ)، ثُمَّ لا حَدَّ، نَقَلَه الجماعةُ (^٢)، وهو المشهورُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ … (٤)﴾ الآيةَ [النُّور: ٤]، لم يُفرِّقْ بَينَ قَذْفِ واحِدٍ أوْ جَماعةٍ، ولأنَّ (^٣) الحدَّ إنَّما وَجَبَ بإدْخالِ المعرَّةِ على المقْذُوفِ بقَذْفِه، وبحدٍّ (^٤) واحِدٍ يَظهَرُ كَذِبُ هذا القاذِفِ، وتَزُولُ المعرَّةُ، فَوَجَبَ أنْ يُكتَفَى (^٥) به، بخِلافِ ما إذا قَذَفَ كلَّ واحِدٍ قَذْفًا مُفْرَدًا، فإنَّ كَذِبَه في قَذْفٍ لا يلزم (^٦) منه كَذِبُه في الآخَر، ولا تَزُولُ المعرَّةُ.
فإنْ طَلَبوهُ، أوْ واحِدٌ مِنهُمْ؛ أُقِيمَ الحَدُّ؛ لأِنَّ الحقَّ ثابِتٌ لهم على سبيلِ البَدَل، فأيُّهم طَلَبَ واسْتَوْفَى؛ سَقَطَ، ولم يكُنْ لغَيرِه الطَّلَبُ به؛ كحقِّ المرأة على أوليائها (^٧) في تَزْويجِها، وإنْ أسقطه (^٨) أحدُهم؛ فلِغَيرِه المُطالَبةُ به.
_________________
(١) ينظر: المغني ٩/ ٩١.
(٢) ينظر: مسائل ابن منصور ٧/ ٣٥٢٨، مسائل أبي داود ص ٣٠٦، زاد المسافر ٤/ ٣٧١.
(٣) في (ن): لأن.
(٤) في (م) و(ن): ويحد.
(٥) في (م): يكفى.
(٦) في (م): قذفه لم يلزمه.
(٧) في (م): أولياء.
(٨) في (م): أسقطها.
[ ٩ / ٥٢٣ ]
(وَعَنْهُ: إِنْ طَالَبُوا مُتَفَرِّقِينَ (^١)؛ حُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدًّا)؛ لأِنَّه إذا طالب (^٢) واحِدٌ أوَّلًا (^٣)؛ لَزِمَ إقامةُ الحدِّ مِنْ أجله (^٤)، ثمَّ (^٥) إذا طلب (^٦) الآخَرُ؛ لزم (^٧) أيضًا.
وعَنْهُ: لِكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ، وقالَهُ أبو ثَورٍ وابنُ المنْذِرِ؛ لأِنَّه قَذَفَ كلَّ واحِدٍ منهم، فَلَزِمَه له حدٌّ كامِلٌ.
وعَنْهُ: إنْ قَذَفَ امْرأتَه وأجْنَبِيَّةً؛ تَعدَّدَ الواجِبُ هنا، اخْتارَهُ القاضي وغَيرُه، كما لو لَاعَنَ امْرأتَه.
فإن قال (^٨): يا ناكِحَ أُمِّه؛ الرِّواياتُ.
ونَصَّ فِيمَنْ قال لرجُلٍ: يا ابْنَ الزَّانِيَةِ: يُطالِبُه، قِيلَ: إنَّما أراد أُمَّه؛ قال ألَيْسَ قد قال له؟ هذا قصدٌ (^٩) له (^١٠).
(وَإِنْ قَذَفَهُمْ بِكَلِمَاتٍ؛ حُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدًّا) على الأصحِّ؛ كالدُّيون والقِصاص.
وعَنْهُ: إنْ طالبوا (^١١) مُجْتَمِعِين فَحَدٌّ واحِدٌ، وإلاَّ تَعَدَّدَ.
_________________
(١) في (م): طلبوا مفرقين.
(٢) في (م) و(ن): طلب.
(٣) في (ظ) و(ن): واحدًا وإلا.
(٤) في (م): إجابة.
(٥) قوله: (ثم) سقط من (ن).
(٦) قوله: (طلب) سقط من (م).
(٧) قوله: (لزم) سقط من (م).
(٨) في (م): فقال.
(٩) زيد في (م): إلا.
(١٠) ينظر: زاد المسافر ٤/ ٣٦٩، الفروع ١٠/ ٩١.
(١١) في (م): طلبوا.
[ ٩ / ٥٢٤ ]
وعنه: حَدٌّ واحد (^١) مُطلَقًا؛ كما لو (^٢) سَرَقَ مِنْ جماعةٍ، أوْ زَنَى بِنِساءٍ، أوْ شَرِبَ أنَواعًا من المسْكِرِ.
فلو قال: يا ابْنَ الزَّانِيَيْنِ؛ فهو قَذْفٌ لهما بكلمةٍ واحدةٍ، فإنْ كانا مَيِّتَينِ؛ ثَبَتَ الحقُّ لِولَدِهما، ولم يَجبْ إلاَّ حَدٌّ واحِدٌ.
وإنْ قال: يا زَانِي ابْنَ الزَّانِي؛ فهو قَذْفٌ لهما بكَلِمَتَينِ، فإنْ كان أبوهُ حيًّا؛ فلِكُلٍّ منهما حَدٌّ، وإنْ كان مَيتًا؛ فالظَّاهِرُ في المذْهَبِ: أنَّه لا يَجِبُ الحَدُّ بقَذْفِه.
(وَإِنْ حُدَّ لِلْقَذْفِ، فَأَعَادَهُ؛ لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِ الْحَدُّ)، في قَولِ عامَّتهم؛ لأِنَّه حُدَّ به مرة (^٣)، فلم يُحَدَّ به ثانيةً، بخِلافِ السَّرِقةِ.
وعُلِمَ منه: أنَّه (^٤) إذا تعدَّدَ قَذْفُه ولم يُحَدَّ؛ فَحَدٌّ واحِدٌ، رِوايَةً واحدةً، نَصَّ عَلَيهِ (^٥).
وقِيلَ: يَتعدَّدُ.
وإنْ أعادَهُ بَعْدَ لِعانِه؛ فنَقَلَ حَنبَلٌ: يُحَدُّ (^٦)، اخْتارَهُ أبو بكرٍ، والمذْهَبُ: يُعزَّرُ، وعَلَيهِما: لا لِعانَ.
وقدَّم في «التَّرغيب»: يُلاعَنُ، إلاَّ أنْ يَقذِفَها بِزِنًى لَاعَنَ عليه مرَّةً، واعْتَرَفَ أوْ قامت البيِّنةُ.
واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ: يُلاعَنُ؛ لِنَفْيِ تعزيرٍ.
_________________
(١) قوله: (وإلا تعدد، وعنه: حد واحد) سقط من (ن).
(٢) قوله: (لو) سقط من (م).
(٣) في (م): مرات.
(٤) قوله: (أنه) سقط من (م).
(٥) ينظر: الفروع ١٠/ ٩١.
(٦) ينظر: الفروع ١٠/ ٩٢.
[ ٩ / ٥٢٥ ]
ولو قَذَفَها بِزِنًى آخَرَ بَعْدَ حدِّه؛ فرِوايات (^١)، ثالِثُها: يُحَدُّ مع طُولِ الفَصْلِ.
فرعٌ: إذا تاب مِنْ زِنًى؛ حُدَّ قاذِفُه، وقِيلَ: يُعزَّرُ، واختار في «التَّرغيب»: يُحَدُّ بِزِنًى جديدٍ؛ لِكَذِبِه يقينًا، بخِلافِ مَنْ سَرَقَ عَينًا ثانيةً، فإنَّه وُجِدَ منه ما وُجِدَ في الأَوَّلَة.
وإنْ قَذَفَ مَنْ أقرَّتْ به مرَّةً، وفي «المبهج»: أرْبَعًا، أوْ شَهِدَ به اثْنانِ، أوْ شَهِدَ به أربعةٌ بالزِّنى؛ فلا لِعانَ ويُعزَّرُ، وفي «المستوعب»: لَا.
مسألةٌ: لا يُشترَطُ (^٢) لصحَّةِ توبةٍ (^٣) مِنْ قَذْفٍ وغِيبةٍ ونحوِهما: إعْلامُه والتَّحلُّلُ منه، وحرَّمه القاضِي والشَّيخُ عبدُ القادِرِ، ونَقَلَ مُهَنَّى: لا يَنبَغِي أنْ يُعْلِمَه، قال الشَّيخُ تقيُّ الدين (^٤): والأَشْبَهُ أنَّه يَختَلِفُ (^٥).
وعَنْهُ: يُشتَرَطُ.
وقِيلَ: إنْ عَلِمَ به المظلومُ، وإلاَّ دَعا له واسْتَغْفَرَ، ولم يُعْلِمْه.
وظاهِرُه: أنَّه لو أصْبَحَ، وتصدَّقَ بِعِرْضِه على النَّاس؛ لم يَمْلِكْه، ولم يُبَحْ، ولا يَصِحُّ إسْقاطُ الحقِّ قَبْلَ وُجودِ سَبَبِه، وإذْنُه في عِرْضِه؛ كإِذْنِه في قذفه (^٦)، وهي كإذْنِه في دَمِهِ ومالِهِ.
_________________
(١) في (م): فروايتان.
(٢) في (ن): لا تشترط.
(٣) في (م): توبته.
(٤) قوله: (تقي الدين) سقط من (م).
(٥) ينظر: الاختيارات ص ٣٩٨، الفروع ١٠/ ٩٣.
(٦) في (ن): عرضه.
[ ٩ / ٥٢٦ ]