(وَمِنْ شَرْطِ نَفْيِ الْوَلَدِ: أَلاَّ يُوجَدَ مِنْهُ (^١) دَلِيلٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ)؛ لأِنَّ الدَّليلَ على الإقرار به بمنزلة الإقْرارِ به، (فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ)؛ لم يَملِكْ نَفْيَه في قَولِ أهلِ العلم، (أَوْ) أَقَرَّ (بِتَوْأَمِهِ، أَوْ نَفَاهُ وَسَكَتَ عَنْ تَوْأَمِهِ)؛ لَحِقَه نَسَبُه، ولم يكُنْ له نَفْيُه؛ لأِنَّه إذا أقرَّ بأحدهما كان إقرارًا بالآخَرِ.
(أَوْ هُنِّئَ بِهِ فَسَكَتَ (^٢)؛ كان إقرارًا به، ذَكَرَه أبو بكرٍ؛ لأِنَّ السُّكوتَ دليلٌ على الرِّضا في حقِّ المنكِرِ، فهُنا أَوْلَى.
(أَوْ أَمَّنَ عَلَى الدُّعَاءِ)؛ لَزِمَه في قولهم جميعًا، وكذا إنْ قال: أحْسَنَ اللهُ جزاءكَ، أوْ بارَكَ اللهُ عَلَيكَ، أوْ رَزَقَك اللهُ مِثْلَه.
(أَوْ أَخَّرَ نَفْيَهُ مَعَ إِمْكَانِهِ)، وقِيلَ: له نَفْيُه في مَجلِسِ عِلْمِه فقط؛ (لَحِقَهُ نَسَبُهُ)؛ لأِنَّ ذلك كلَّه دليلُ على الإقرار به، (وَلَمْ يَمْلِكْ نَفْيَهُ)؛ لأِنَّ نفيَه ثَبَتَ لنَفْيِ ضررٍ متحَقِّقٍ (^٣)، فكان على الفور؛ كخِيارِ الشُّفْعة.
قال أبو بكرٍ: لا يتقدَّر (^٤) ذلك بثلاثٍ، بل هو على ما جَرَتْ به العادةُ، إنْ كان ليلًا فحتَّى يُصبِحَ وينتشر (^٥) النَّاس، وإنْ كان جائعًا أوْ ظَمْآنَ فحتَّى يأكُلَ أو يشرب (^٦)، وإن (^٧) كان ناعِسًا فحتَّى يَنامَ، أوْ يَلبَسَ ثَوبَه ويُسْرِجَ دابَّتَه
_________________
(١) قوله: (منه) سقط من (ظ).
(٢) في (م): وسكت.
(٣) في (م): محقق.
(٤) في (م): لا يتعذَّر.
(٥) في (ظ): وتنتشر.
(٦) في (ظ): ويشرب.
(٧) في (ظ): فإن.
[ ٨ / ٥١٣ ]
ويَركَبَ ويُصلِّيَ إنْ حَضَرَت الصَّلاةُ.
(وَإِنْ قَالَ: أَخَّرْتُ (^١) نَفْيَهُ رَجَاءَ مَوْتِهِ (^٢)؛ لَمْ يُعْذَرْ بِذَلِكَ)؛ لأِنَّ الموتَ قريبٌ غَيرُ متيقَّنٍ، فتعليقُ النَّفي عليه تعليقٌ على أمرٍ مَوهُومٍ.
(وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ بِهِ)؛ أيْ: بالوِلادة، وأمْكَنَ صِدقُه؛ بأنْ يكونَ في مكانٍ يَخْفَى عليه، بخلافِ ما إذا كان معها في الدَّار؛ لأِنَّ الأصلَ عدمُ العِلْم.
(أَوْ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ لِي نَفْيَهُ، أَوْ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ)، وكان ذلك مِمَّا يَخْفَى كعامَّة النَّاس؛ قُبِلَ منه، ولأنَّه مما (^٣) يَخْفَى عليهم؛ كحديثِ العَهْد بالإسلام، والنَّاشِئِ بباديةٍ.
فإنْ كان فقيهًا؛ لم يُقبَلْ منه؛ لأِنَّه لا يَخْفَى عليه مِثْلُه.
وقِيلَ: بَلَى؛ لأِنَّ الفقيهَ يَخْفَى عليه كثيرٌ من الأحكام.
(وَأَمْكَنَ صِدْقُهُ) بما ذَكَرْنا؛ (قُبِلَ مِنْهُ (^٤)؛ لأِنَّه مُحتَمِلٌ، (وَلَمْ يَسْقُطْ نَفْيُهُ)؛ لأِنَّه معذورٌ.
(وَإِنْ أَخَّرَهُ لِحَبْسٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْبَةٍ، أَوْ شَيْءٍ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ؛ لَمْ يَسْقُطْ نَفْيُهُ)؛ أيْ: إذا كان عُذْرٌ يَمنَعُه الحضورَ كما مثَّلَه، وكالاِشْتِغال بحِفْظِ مالٍ يَخافُ ضَيعتَه.
فإنْ كانَتْ مدَّةُ ذلك قصيرةً؛ لم يَبطُلْ نَفْيُه؛ لأِنَّه بمنزلةِ مَنْ عَلِمَ ليلًا (^٥) فأخَّره إلى الصُّبح، وإنْ كانَتْ طويلةً وأمْكَنَه التَّنفيذ (^٦) إلى حاكِمٍ لِيَبعَثَ إليه مَنْ
_________________
(١) قوله: (أخرت) سقط من (م).
(٢) قوله: (موته) سقط من (م).
(٣) في (ظ): ولأنهما.
(٤) في (م): قوله.
(٥) قوله: (ليلًا) سقط من (م).
(٦) في (م): التَّقيُّد.
[ ٨ / ٥١٤ ]
يَسْتَوْفِي عليه اللِّعانَ والنَّفْيَ، فلم يَفعَلْ؛ سَقَطَ نَفْيُه.
وإنْ لم يُمكِنْه؛ أشْهَدَ على نفسه أنَّه نافٍ لولدِ امْرَأتِه، فإنْ لم يفعل (^١)؛ بَطَلَ خيارُه؛ لأِنَّه إذا لم يَقدِرْ على نَفْيِه؛ قام الإشْهادُ مَقامَه.
فرعٌ: إذا قال: لم أصدِّق المُخبِرَ به (^٢)، وهو عَدْلٌ، أوْ قد اسْتَفاضَ الخبرُ؛ لم يُقبَلْ قَولُه، وإلاَّ قُبِلَ منه.
وكلُّ مَوضِعٍ لَزِمَه الولدُ؛ لم يكُنْ له نَفْيُه بعدَ ذلك (^٣).
(وَمَتَى أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ نَفْيِهِ؛ لَحِقَهُ النَّسَبُ)؛ أيْ: إذا لَاعَنَ امرأتَه ونَفَى ولدَها، ثُمَّ أكْذَبَ نفسَه؛ لَحِقَه الولدُ إذا كان حيًّا، غنِيًّا كان أوْ فقيرًا، بغَيرِ خِلافٍ (^٤)، وكذا إنْ كان ميتًا.
وقال الثَّوريُّ: إذا اسْتَلْحَقَ الولدَ الميتَ (^٥)، وكان ذا مالٍ؛ لم يَلحَقْه؛ لأِنَّه إنَّما يَدَّعِي مالًا، وإلاَّ لَحِقَه.
وقال الحَنَفِيَّةُ (^٦): إنْ كان الولدُ الميِّتُ ترك ولدًا؛ ثبَتَ نَسَبُه من المسْتَلْحِق، وتَبِعَه نسبُ ابنه، وإن لم يكن ترك ولدًا؛ لم يَصِحَّ استلحاقه، ولم يَثبُتْ نَسَبُه، ولا يَرِثُ منه المدَّعِي شيئًا؛ لأِنَّ نسبَه مُنقَطِعٌ بالموت.
وجوابه: أنَّ هذا ولدٌ نفاه باللِّعان، فكان له اسْتِلحاقُه (^٧)؛ كما لو كان حيًّا؛ لأنَّهم (^٨) جَعَلُوا نَسَبَ الولد تابِعًا لِنَسبِ ابنه؛ أيْ: يَتبَعُ الأصلُ الفرعَ،
_________________
(١) في (ظ): لم يقبل. والمثبت موافق للكشاف ١٢/ ٥٤٦ نقلًا عن المبدع.
(٢) في (م): المجنونة.
(٣) قوله: (بعد ذلك) سقط من (م).
(٤) ينظر: المغني ٨/ ٧١.
(٥) في (م): بالميت.
(٦) ينظر: تبيين الحقائق ٣/ ١٩.
(٧) في (م): استلحاق.
(٨) في (م): ولأنهم.
[ ٨ / ٥١٥ ]
وهو مردودٌ، وعن الثَّوريِّ: إنَّما يَدَّعِي النَّسبَ، والميراثُ تبعٌ (^١) له.
(وَلَزِمَهُ الْحَدُّ إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُحْصَنَةً)، سواءٌ أَكْذَبها (^٢) قبلَ لعانه أوْ بعده (^٣)، بغير خلافٍ نعلَمهُ (^٤)؛ لأِنَّ اللِّعانَ أُقِيمَ مُقامَ البيِّنة في حقِّ الزَّوج، فإذا (^٥) أكْذَب نفسَه؛ فإنَّ لِعانَه كَذِبٌ، وزيادةٌ في هَتْكها، وتَكْرارٌ لِقَذْفِها، فلا أقلَّ من أنْ يَجِبَ الحَدُّ الذي كان (^٦) واجبًا بالقذف المجرَّد.
فإنْ عاد عن إكْذابِ نفسِه، وقال: لي بيِّنة أُقِيمُها بزناها، أو أراد إسقاطَ الحدِّ باللِّعان؛ لم تُسمَعْ؛ لأِنَّ البيِّنةَ واللِّعان لتحقُّق ما قاله، وقد أقرَّ بكَذِبِ نفسِه، فلا يُقبَلُ منه خلافه (^٧).
(أَوِ التَّعْزِيرُ (^٨) إِنْ لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً)؛ كقَذْفِ غيرِ زوجته، وحينئذ (^٩): يَنجَرُّ النَّسبُ من جِهَة الأمِّ إلى جهة الأب؛ كالولاءِ، وتوارثا.
وقد عُلِمَ منه: أنَّه إذا اسْتَلْحَقَه ورثتُه (^١٠)، وقد نفاه باللِّعان؛ أنَّه (^١١) لا يلحق به، نصَّ عليه (^١٢).
وفي (^١٣) «المستوعب» روايةٌ: لا يُحَدُّ.
_________________
(١) في (م): نفع.
(٢) في (م): كذبها.
(٣) في (م): بعد.
(٤) ينظر: المغني ٨/ ٦٧.
(٥) في (م): فإن.
(٦) قوله: (كان) سقط من (م).
(٧) في (م): خلاف.
(٨) في (م): والتعزير.
(٩) في (م): فحينئذ.
(١٠) في (ظ): ورثه.
(١١) في (ظ): أنَّه.
(١٢) ينظر: المحرر ٢/ ١٠٠.
(١٣) في (م): في.
[ ٨ / ٥١٦ ]
وإنْ نَفَى مَنْ لا يَنتَفِي، وأنَّه مِنْ زنًى؛ حُدَّ في روايةٍ اختارها القاضي وغيرُه.
وعنه: إنْ لم يُلاعِنْ، اختارها أبو الخطَّاب، والمؤلِّفُ.
ومَن نَفَى أولادًا؛ فلِعانٌ واحدٌ.
[ ٨ / ٥١٧ ]