وهي جَمْعُ جِنايَةٍ، وجُمِعَتْ وإنْ كانَتْ مَصْدَرًا؛ لِتَنوُّعِها إلى عَمْدٍ، وشِبْهِ عَمْدٍ، وخطأ (^٢)، والمُرادُ بها (^٣): جِناياتُ الجِراحة ونحوِها.
وهي: كلُّ فِعْلٍ عُدْوانٍ على نَفْسٍ أوْ مالٍ، لكنَّها في العُرف مَخصوصةٌ بما يَحصُلُ فيه التَّعدِّي على الأَبْدانِ بما يُوجِبُ قِصاصًا أوْ نحوه (^٤)، وسَمَّوا الجِنايَةَ على الأَمْوال: غَصْبًا، ونَهْبًا، وسَرِقةً، وإتْلافًا.
وأجْمَعَ العُلَماءُ على تحريمِ القَتْل بغَيرِ حقٍّ (^٥)، وسَنَدُه قَولُه تعالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعَام: ١٥١]، وقَولُه ﷺ: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مسلم (^٦) يَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وأنِّي رسولُ اللهِ إلاَّ بإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، والنَّفْسُ بالنَّفْس، والتَّارِكُ لِدِينِه المُفَارِقُ للجَماعةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ مِنْ حديثِ ابنِ مَسعودٍ (^٧).
فإذا فَعَلَ، ثُمَّ تابَ؛ قُبلت توبته (^٨) عِنْدَ الأكْثَرِ؛ لِلآية، والخَبَرِ المتَّفَقِ عَلَيهِ (^٩)، وكالكافِرِ.
_________________
(١) من هنا بدأت المقابلة على النسخة (ن)، وكتب في بدايتها: بسم الله الرحمن الرحيم.
(٢) في (م): وبخطأ.
(٣) في (م): أنها.
(٤) في (م): ونحوه.
(٥) ينظر: الحاوي للماوردي ١٢/ ٦، مراتب الإجماع ص ١٣٧.
(٦) قوله: (مسلم) سقط من (م).
(٧) أخرجه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦).
(٨) قوله: (توبته) سقطت من (ظ) و(ن).
(٩) وهو حديث عبادة بن الصامت ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه»، أخرجه البخاري (٣٨٩٢)، ومسلم (١٧٠٩).
[ ٩ / ٥٣ ]
وعَنْهُ: لا تُقبَلُ، ذَكَرَها أبو الخَطَّاب في «انْتِصاره»، وهي قَولُ ابنِ عبَّاسٍ (^١)؛ لقوله تعالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا … (٩٣)﴾ [النِّسَاء: ٩٣].
وحُمِلَتْ على مَنْ قَتَلَه مُستَحِلًّا ولم يتب (^٢)، أوْ على أنَّ هذا جزاؤه إنْ جازاهُ اللهُ تعالى.
(الْقَتْلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: عَمْدٌ، وَشِبْهُ (^٣) عَمْدٍ، وَخَطَأٌ، وَمَا أُجْرِيَ مُجْرَى الخَطَأِ)، كذا ذَكَرَه المؤلِّفُ تَبَعًا لِأَبِي الخَطَّاب، وجَزَمَ به في «الوجيز».
وَوَجْهُه: أنَّه إذا قَصَدَ قَتْلَه بما يصلُحُ غالِبًا عُرْفًا فهو عَمْدٌ، وإنْ كان (^٤) بما لا (^٥) يَصلُحُ للقَتْل غالِبًا فهو شِبْهُ عَمْدٍ، وإنْ لم يَقصِد القَتْلَ فهو خَطَأٌ، وما ألحق (^٦) به؛ كالقَتْل بالسَّبَب، وكالنائم (^٧) يَنْقَلِبُ على إنْسانٍ.
لكِنَّ الأَوْلَى: أنَّ الحُكْمَ الشَّرعيَّ لا يَزيدُ على ثلاثةٍ: عَمْدٌ، وشِبْهُ عَمْدٍ، وخَطَأٌ، صرَّح (^٨) به الخِرَقِيُّ، والمؤلِّفُ في «الكافي»، والمجْدُ في «مُحرَّره»،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٥٩٠)، ومسلم (٣٠٢٣)، عن سعيد بن جبير، قال: آية اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباس ﵄ فسألته عنها، فقال: «نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء»، وعند مسلم: «فأما من دخل في الإسلام وعقله، ثم قتل، فلا توبة له».
(٢) في (م): ولم يثبت.
(٣) في (م): أو شبه.
(٤) قوله: (بما يصلح غالبًا عرفًا فهو عمد، وإن كان) سقط من (م) و(ن).
(٥) قوله: (لا) سقط من (م).
(٦) في (م): ألحقوا.
(٧) في (م): كالنائم.
(٨) في (م): وصرح.
[ ٩ / ٥٤ ]
والجَدُّ في «فُروعه»؛ لأِنَّ ما أُجْرِيَ مجْرَى الخطأِ خَطَأٌ؛ لأِنَّ فاعِلَه لم يَقصِدْه؛ إذ (^١) هُو من (^٢) فِعْلِ مَنْ لا يَصِحُّ قَصْدُه.
(فَالْعَمْدُ)، يَختَصُّ القَوَدُ به: (أَنْ يَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ، عَالِمًا بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا مَعْصُومًا)، هذا بيانٌ للعَمْد المُوجِبِ للقِصاصِ شَرْعًا، فالأوَّلُ: احْتِرازٌ مِنْ شِبْهِ العَمْد، وبالثَّاني: احْتِرازٌ مِنْ الخَطَأ، وبالثَّالِث وهو «معصومًا»: احْتِرازٌ من الحربي (^٣) ونحوِه؛ لأنَّه (^٤) غَيرُ مَعْصومٍ.
(وَهُوَ تِسْعَةُ أَقْسَامٍ)، وسيأتِي بَيانُها.
(أَحَدُهَا: أَنْ يَجْرَحَهُ بِمَا لَهُ مَوْرٌ)؛ أيْ: نُفُوذٌ (فِي الْبَدَنِ؛ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ)؛ كرَصاصٍ وذَهَبٍ وفِضَّةٍ، فهذا كلُّه إذا جَرَحَه جُرْحًا كبيرًا فماتَ، فهو عَمْدٌ بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (^٥)، ولو طالَتْ عِلَّتُه منه، (مِثْلَ: أَنْ يَجْرَحَهُ بِسِكِّينٍ، أَوْ يَغْرِزَهُ بِمِسَلَّةٍ فَيَمُوتَ)، فهذا عَمْدٌ مَحْضٌ.
ثمَّ (^٦) أشار إلى مَحَلِّ الخِلاف، فقال: (إِلاَّ أَنْ يَغْرِزَهُ بِإِبْرَةٍ، أَوْ شَوْكَةٍ، وَنَحْوِهِمَا)؛ كشَرطةِ (^٧) الحَجَّام، (فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ، فَيَمُوتَ فِي الْحَالِ؛ فَفِي كَوْنِهِ عَمْدًا وَجْهَانِ)، وجُمْلَتُه: أنَّه (^٨) إذا جَرَحَه جُرْحًا صغيرًا في غَيرِ مَقتَلٍ، فمات في الحال:
فقال ابنُ حامِدٍ: لا قَوَدَ فيه؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ أنَّه لم يمت (^٩) منه كَالْعَصَا.
_________________
(١) في (م): أو.
(٢) قوله: (من) سقط من (م).
(٣) في (م): الجزائي.
(٤) في (م): وهو.
(٥) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ١٢٠.
(٦) قوله: (ثم) مكانه بياض في (م).
(٧) في (م) و(ن): كشرط.
(٨) قوله: (أنه) سقط من (م).
(٩) في (م): لم يجب.
[ ٩ / ٥٥ ]
والثَّاني، وهو الأَشْهَرُ: فِيهِ القِصاصُ، وهو ظاهِرُ الخِرَقِيِّ؛ لأِنَّ المحدَّد (^١) لا يُعتَبَرُ فيه غَلَبةُ الظَّنِّ في حُصولِ القَتْل به، بدليلِ ما لو قَطَعَ شَحْمَةَ أُذنِه أوْ أَنْمَلَتَه، ولأِنَّه لمَّا لم يمكن (^٢) إدارةُ الحُكْمِ وضَبْطُهُ بغَلَبةِ الظَّنِّ؛ وَجَبَ رَبْطُه بكَونِه محددًا (^٣)، ولأِنَّ في البَدَن مَقاتِلَ خَفِيَّةً، وهذا له سِرايَةٌ ومَورٌ، أشْبَهَ الجُرْحَ الكبير.
(وَإِنْ بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ ضَمِنًا)؛ أيْ: مُتأَلِّمًا، وهُو بفَتْح الضَّاد وكَسْرِ الميم، وقال الجَوهَريُّ: هو الذي به الزَّمانَةُ في جَسَدِه (^٤)، وقِيلَ: هو الذي لَزِمَه عِلَّةٌ، (حَتَّى مَاتَ)، فاتَّفَقُوا على أنَّ فِيهِ القَوَدَ، قالَهُ في «الشَّرح» و«التَّرغيب»؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ أنَّه ماتَ منه.
وقِيلَ: لا يَجِبُ به (^٥) القِصاصُ؛ لأِنَّه لَمَّا احْتَمَلَ حُصولَ الموت بغَيرِه ظاهِرًا؛ كان شبهةً (^٦) في دَرْءِ القِصاصِ.
(أَوْ كَانَ الْغَرْزُ بِهَا فِي مَقْتَلٍ؛ كَالْفُؤَادِ، وَالْخُصْيَتَيْنِ)، والعَينِ، والخَاصِرة، والصُّدْغ، وأصْلِ الأُذن؛ (فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ)؛ لأِنَّ الإصابةَ بذلك في مَقتَلٍ؛ كالإصابة بالسِّكِّين في غَيرِ مَقتَلٍ، وكذا إنْ بالَغَ في إدْخالِ الإبْرة ونحوِها في البدن؛ لأِنَّه يَشتَدُّ أَلَمُه، ويُؤدِّي إلى القَتْلِ؛ كالكبير.
(وَإِنْ قَطَعَ سِلْعَةً) خَطِرَةً، أَوْ بَطَّها (مِنْ أَجْنَبِيٍّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَمَاتَ؛ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ)؛ لأِنَّه متعَدٍّ (^٧) بفِعْلِه، أشْبَهَ ما لَوْ قَتَلَه.
_________________
(١) في (م): المجد.
(٢) في (م): لم يكن.
(٣) في (م): محدودًا.
(٤) ينظر: الصحاح ٦/ ٢١٥٥.
(٥) في (م): فيه.
(٦) في (م): أشبه.
(٧) في (م): متعذر.
[ ٩ / ٥٦ ]
(وَإِنْ قَطَعَهَا (^١) حَاكِمٌ مِنْ صَغِيرٍ) أوْ مَجنونٍ، (أَوْ وَلِيُّهُ؛ فَلَا قَوَدَ)، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه فَعَلَه لمصْلَحَتِه، أشْبَهَ ما لو خَتَنَه، ولو عبَّر بقَوله: (وإنْ قَطَعَها من صغيرٍ ونحوِه وَلِيُّه)؛ لَكانَ أَوْلَى؛ لشموله (^٢) الحاكِمَ وغَيرَه.
(الثَّانِي: أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثَقَّلٍ (^٣) كَبِيرٍ فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ)، وهو بَيتٌ مِنْ شَعَرٍ، وعَمُودُه الخَشَبةُ التي يَقُومُ عليها، قال القاضي: وهو ما فِيهِ دِقَّة (^٤) ورَشاقَةٌ.
وحاصِلُه: أنَّه إذا (^٥) قَتَلَه بمثقَّل (^٦) يَغلِبُ على الظَّنِّ حُصولُ الزُّهُوقِ به عِنْدَ اسْتِعْماله؛ فهو عَمْدٌ مُوجِبٌ للقِصاص، وهو قَولُ النَّخَعيِّ، والزُّهْرِيِّ، وابنِ سِيرِينَ، والأكثرِ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البَقَرَة: ١٧٨]، ولِمَا رَوَى أنس (^٧): أنَّ يهوديًّا قَتَلَ جارِيَةً على أوْضاحٍ لها بحَجَرٍ، فَقَتَلَه النَّبيُّ ﷺ (^٨) بَينَ حَجَرَينِ (^٩)، ولِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ، قال: قام فينا رسولُ الله ﷺ (^١٠) فقال: «ومَنْ قُتِلَ له قَتِيلٌ؛ فهو بخَيرِ النَّظَرَينِ إمَّا أنْ يُودَى، وإمَّا أنْ يُقادَ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِما (^١١)، ولأِنَّ المثَقَّلَ يَقتُلُ غالِبًا، فَوَجَبَ
_________________
(١) في (م): قطعه.
(٢) في (م): سؤاله.
(٣) في (م): بمقتل.
(٤) في (م): دية.
(٥) قوله: (إذا) سقط من (م).
(٦) في (م): بمقتل.
(٧) قوله: (أنس) سقط من (م).
(٨) قوله: (بحجر، فقتله النبي ﷺ سقط من (م).
(٩) أخرجه البخاري (٦٨٧٧)، ومسلم (١٦٧٢).
(١٠) زيد في (م): بحجر، فقتله النبي ﷺ.
(١١) أخرجه البخاري (١١٢)، ومسلم (١٣٥٥).
[ ٩ / ٥٧ ]
القِصاصُ به؛ كالمحدد (^١).
ومُقْتَضاهُ: أنَّه إذا ضَرَبَه بمِثْلِ عَمُودِ الفُسْطاط؛ أنَّه لا يَجِبُ القَوَدُ، نَصَّ عليه (^٢)؛ لأِنَّه ﵇ لَمَّا سُئِلَ عن المرأة التي ضَرَبَتْ جارَتَها بعَمودِ الفُسْطاط، فَقَتَلَتْها وجَنِينَها؛ فَقَضَى في الجَنِينِ بغُرَّةٍ، وقَضَى بالدِّيَة على عاقِلَتِها، ولا شَكَّ أنَّ العاقِلةَ لا تَحمِلُ ما يُوجِبُ القِصاصَ.
ونَقلَ ابنُ مشيش عنه: أنَّه يَجِبُ (^٣)، ولعلَّه ضَرَبه بالعَمُود الذي يتَّخِذُه التُّرْكُ لِخِيَمِهم، فإنَّه يَقتُلُ غالِبًا.
(أَوْ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَمُوتُ بِهِ (^٤)؛ كَاللُّتِّ)، وهو بضمِّ اللاَّمِ، نَوعٌ مِنْ آلةِ السِّلاح مَعروفٌ في زمانِنا، وهو لَفْظٌ مُولَّدٌ ليس (^٥) مِنْ كلامِ العَرَب، (وَالْكُوذَيْنِ)، وهو لَفْظٌ مُوَلَّدٌ أيضًا، وهو عِبارةٌ عن (^٦) الخشَبَة الثَّقيلة التي يَدُقُّ بها الدَّقَّاقُ الثِّيابَ، (وَالسَّنْدانِ)، الظَّاهِرُ أنَّه مُوَلَّدٌ، وهو عِبارَةٌ عن الآلة المعروفةِ من الحديد الثَّقيلة يَعمَلُ عَلَيها الحَدَّادُ صِناعَتَه، (أَوْ حَجَرٍ كَبِيرٍ)؛ لاِشْتِراكِ الكلِّ (^٧) في كَونِه يَقتُلُ غالِبًا، ولأِنَّ القِصاصَ هنا لكَونِه مُثقَّلًا، فلا أَثَرَ للفَرْقِ.
(أَوْ يُلْقِي عَلَيْهِ حَائِطًا، أَوْ سَقْفًا، أَوْ يُلْقِيهِ مِنْ شَاهِقٍ)؛ لاِشْتِراكِ الكلِّ في القَتْل.
(أَوْ يُعِيدُ الضَّرْبَ بِصَغِيرٍ)؛ كالْعَصَا، والحَجَرِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ الإعادةَ تَقُومُ
_________________
(١) في (م): كالحدود.
(٢) ينظر: مسائل صالح ١/ ٢٠٢، مسائل عبد الله ص ٢٤٢، مسائل ابن منصور ٧/ ٣٣٤١.
(٣) ينظر: الفروع ٩/ ٣٥١.
(٤) قوله: (به) سقط من (م).
(٥) قوله: (ليس) سقط من (م).
(٦) في (م): في.
(٧) في (ن): الظن.
[ ٩ / ٥٨ ]
مقام (^١) المثَقَّلِ الكبيرِ، كذا نَقَلَه أبو طالِبٍ (^٢)، (أَوْ يَضْرِبُهُ بِهِ (^٣) مرَّةً (فِي مَقْتَلٍ (^٤)؛ لأِنَّ القَتْلَ حَصَلَ به، وفيهما (^٥) وَجْهٌ في «الواضح»، وفي الأُولَى في «الانتصار»: هو (^٦) ظاهر كَلامِه.
(أَوْ فِي حَالِ ضَعْفِ قُوَّةٍ؛ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ صِغَرٍ، أَوْ كِبَرٍ، أَوْ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ، وَنَحْوِهِ)؛ لأنَّه (^٧) قَتَلَه بما يَقتُلُ غالِبًا، أشْبَهَ المثَقَّلَ الكبيرَ، ومِثْلُه: لو قَتَلَه بلَكْمَةٍ، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، وفي (^٨) «الرعاية»: يَعلَمُه، وقِيلَ: أوْ يَجْهَلُه، فإنْ قال: لم أقْصِدْ قَتْلَه؛ لم يُصدَّقْ.
(الثَّالِثُ: أَلْقَاهُ (^٩) فِي زُبْيَةِ (^١٠) أَسَدٍ)، الزُّبْيةُ (^١١): بوَزْنِ غُرْفَةٍ، وهي الرَّابِيةُ الَّتي (^١٢) لا يَعلُوها الماءُ، (أَوْ أَنْهَشَهُ (^١٣)، بالمعْجَمةِ والمُهْمَلة سَواءٌ، وقِيلَ: بالمُهمَلةِ الأخْذُ بأطْرافِ الأسْنان، وبالمعْجَمةِ بالأضراس (^١٤)، (كَلْبًا، أَوْ سَبُعًا، أَوْ حَيَّةً، أَوْ أَلْسَعَهُ (^١٥) عَقْرَبًا مِنَ الْقَوَاتِلِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَقَتَلَهُ).
_________________
(١) قوله: (مقام) سقط من (م).
(٢) ينظر: زاد المسافر ٤/ ٤٠٢.
(٣) قوله: (به) سقط من (م).
(٤) في (م): مثقل.
(٥) في (م): وفيها.
(٦) في (م): وهو.
(٧) في (م): لأن.
(٨) في (م): في.
(٩) في (م): ألقاؤه.
(١٠) في (م): زريبة.
(١١) في (م): الزريبة.
(١٢) قوله: (التي) سقط من (م).
(١٣) في (م): نهشه.
(١٤) في (ن): الأضراس.
(١٥) في (م): لسعه.
[ ٩ / ٥٩ ]
نقول (^١): إذا جَمَعَ بَينَه وبَينَ سَبُعٍ أَوْ نَمِرٍ في مكانٍ ضيِّقٍ؛ كزُبْيةٍ ونحوِها، فَقَتَلَه؛ فهو عَمْدٌ فيه (^٢) القَوَدُ؛ لأِنَّه إذا تعمَّد الإلْقاءَ؛ فقد تعمَّدَ قَتْلَه بما يقتل (^٣) غالِبًا.
وإنْ فَعَلَ به فِعْلًا لو فَعَلَه الآدَمِيُّ لم يكُنْ عَمْدًا؛ لم يَجِب القَودُ؛ لأِنَّ السَّبُعَ صار آلَةً للآدَمِيِّ، فكان فِعلُه كفعله (^٤).
فإنْ ألْقاهُ مكتوفًا في فضاء (^٥)، فقتله؛ فعليه القود، وكذا إنْ جَمَعَ بَينَه وبَينَ حيةٍ (^٦) في مكانٍ ضيِّقٍ، فنَهَشَتْهُ وقتلته (^٧).
وقال القاضِي: لا يَجِبُ الضَّمانُ في الصُّورَتَينِ؛ لأِنَّ الأسَدَ والحَيَّةَ يَهرُبانِ مِنْ الآدَمِيِّ.
وجَوابُه: أنَّ هذا يَقتُلُ غالِبًا، فكان عَمْدًا مَحْضًا، والأَسَدُ يَأخُذُ الآدَمِيَّ المُطلَقَ فكَيفَ يَهرُبُ مِنْ مَكتُوفٍ؟ والحية إنَّما تهرب (^٨) في مكانٍ واسِعٍ.
وذَكَرَ القاضِي فِيمَنْ أُلْقِيَ مكتوفًا في أرْضٍ مَسْبَعَةٍ، أوْ ذاتِ حيَّات فقتلْنَه (^٩): أنَّ في وُجوبِ القِصاصِ رِوايَتَينِ، وهذا يُناقِضُه، فإنَّه نَفَى الضَّمانَ بالكُلِّيَّةِ في صُورةٍ كان القَتْلُ فِيهَا أغْلَبَ، وأوْجَبَ القصاص (^١٠) في صورةٍ كان
_________________
(١) في (م): تقول.
(٢) قوله: (فيه) سقط من (م).
(٣) زيد في (م): به.
(٤) قوله: (كفعله) سقط من (م).
(٥) قوله: (في فضاء) سقط من (ن).
(٦) في (م): حاجة.
(٧) في (م): فنهشه وقتله.
(٨) قوله: (والحية إنما تهرب) في (م): إنما يهرب.
(٩) في (م): فقتله.
(١٠) قوله: (وهذا يناقضه …) إلى هنا سقط من (م).
[ ٩ / ٦٠ ]
أندر (^١)، والأصحُّ: أنَّه لا قِصاصَ هنا، ويَجِبُ الضَّمانُ؛ لأِنَّه فَعَلَ فِعْلًا تلف (^٢) به، وهو لا يَقتُلُ مِثْلُه غالِبًا.
وقَولُه: (مِنَ القَوَاتِلِ) يَحتَرِزُ به عن حيَّةِ الماء، وثُعْبانِ الحِجاز، أوْ سَبُعٍ صغيرٍ، فقِيلَ: هو شِبْهُ عَمْدٍ؛ كالسَّوط، وكما لو كتَّفَه وطَرَحَه في أرض غير (^٣) مَسْبَعَةٍ فَقَتَلَه سَبُعٌ، أوْ نهشته (^٤) حيَّةٌ فماتَ، وقِيلَ: عَمْدٌ.
فرع (^٥): قال ابنُ حَمْدانَ: إذا أغْرَى كَلْبَه على رجلٍ فقَتَلَه؛ لم يَضمَنْ، بخِلافِ ما لو عَقَرَه، أوْ خَرَقَ ثَوبَه.
(الرَّابِعُ: أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يُغْرِقُهُ، أَوْ نَارٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا، فَمَاتَ بِهِ (^٦)؛ لأِنَّ الموتَ حَصَلَ بَعْدَ فعلٍ (^٧) يَغلِبُ على الظَّنِّ إسْنادُ القَتْلِ إليه، فَوَجَبَ كَونُه عَمْدًا.
وظاهِرُه: أنَّه إذا ألْقاهُ في ماء يسيرٍ، فلَبِثَ فيه (^٨) اخْتِيارًا حتَّى ماتَ؛ فَهَدَرٌ.
وإنْ تَرَكَهُ في نارٍ يُمكِنُه التَّخلُّصُ منها، فلم يَخرُجْ حتَّى مَاتَ؛ فلا قَوَدَ، ولا يَضمَنُ في وَجْهٍ؛ لأِنَّه مُهلِكٌ لنفسه بإقامَتِه؛ كماءٍ يسيرٍ في الأصحِّ، لكِنْ يَضمَنُ ما أصَابَت النَّارُ منه.
ويَضمَنُه في آخَرَ؛ لأِنَّه جانٍ بالإلْقاءِ المُفْضِي إلى الهلاك؛ لأِنَّ يسيرَ النَّار
_________________
(١) في (م) و(ن): أنذر.
(٢) في (م): أتلف.
(٣) قوله: (غير) سقط من (ظ).
(٤) في (ظ) و(ن): نهشه.
(٥) في (م) و(ن): مسألة.
(٦) في (م): بها.
(٧) قوله: (بعد فعل) في (ن): بفعل.
(٨) قوله: (يسير فلبث فيه) في (ن): بئر.
[ ٩ / ٦١ ]
مُهلِكٌ، بخِلافِ يسيرِ الماء.
وقِيلَ: إنْ قَدَرَ أنْ يَنجُوَ منهما، فلم يَفعَلْ حتَّى مات؛ وَجَبَت الدِّيَةُ.
مسألةٌ: إذا حَفَرَ في بَيته بِئرًا، وستَرَه (^١) لِيَقَعَ فيه أحدٌ، فَوَقَعَ فمات، وقد دَخَل بإذْنِه؛ فهو عَمْدٌ.
وقِيلَ: لا (^٢)؛ كما لو دَخَلَ بلا إذنه، أوْ كانَتْ مكشوفةً بحَيثُ يراها الدَّاخِلُ.
ويُقبَلُ قَولُ المالك في عَدَمِ الإذْنِ.
(الْخَامِسُ: خَنَقَهُ بِحَبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ)، وهو نَوعَانِ:
أحدُهما: أنْ يَخنُقَه بحَبْلٍ في عُنُقِه، ثُمَّ يُعلِّقَه في خَشَبةٍ أوْ نَحوِها، فيَموتَ؛ فهو عَمْدٌ، سَواءٌ ماتَ في الحال، أوْ بَقِيَ زَمَنًا؛ لأِنَّ هذا جَرَتْ به عادةُ اللُّصوص والمفسدين (^٣).
الثَّاني: أنْ يَخنِقَه وهو على الأرض.
(أَوْ سَدَّ أَنْفَهُ وَفَمَهُ (^٤) حتَّى مَاتَ؛ أيْ: فَعَلَ ذلك في مُدَّةٍ يَمُوتُ في مِثْلِها غالِبًا، فهو عَمْدٌ، وهو قَولُ عمرَ بنِ عبد العزيز والنَّخَعِيِّ، وإنْ كان في مُدَّةٍ لا يَمُوتُ في مثلِها (^٥) غالبًا (^٦)؛ فهو عَمْدُ خطأٍ، ذَكَرَه في «المغْنِي» و«الشَّرح».
وظاهِرُه: أنَّه يُعتَبَرُ سَدُّهما جميعًا؛ لأِنَّ الحياة في الغالب لا تَفُوتُ إِلاَّ بسدِّهما، نقل (^٧) أبو داودَ:
_________________
(١) قوله: (بئرًا وستره) في (م): ممرًا فستره.
(٢) قوله: (وقيل: لا) سقط من (م).
(٣) في (م): المفسدين.
(٤) في (م): أو فمه.
(٥) في (م): بمثلها.
(٦) قوله: (فهو عمد، وهو قول عمر بن العزيز …) إلى هنا سقط من (ن).
(٧) في (م): سدهما فقل.
[ ٩ / ٦٢ ]
إذا غَمَّه حتَّى يقتله (^١)؛ قُتِلَ به (^٢).
(أَوْ عَصَرَ خُصْيَتَيْهِ (^٣) حَتَّى مَاتَ)؛ أيْ: عَصَرَهما عَصْرًا يَقتُلُه غالِبًا فَماتَ، أوْ بَقِيَ مُتألِّمًا مِنْ ذلك كلِّه (^٤) مُدَّةً يَموتُ فيها غالِبًا؛ فالقَوَدُ.
وإنْ صحَّ ثُمَّ مات؛ لم يَضمَنْه؛ لأِنَّه لم يَقتُلْه، أشْبَهَ ما لو بَرِئَ الجُرْحُ، ثُمَّ مَاتَ.
(السَّادِسُ: حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ)، ويتعذَّر عليه الطَّلَبُ، (حَتَّى مَاتَ جُوعًا وَعَطَشًا فِي مُدَّةٍ يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا)؛ لأِنَّ اللهَ تَعالَى أجْرَى العادةَ بالموت عندَه، فإذا تعمَّدَه الإنسانُ؛ فقد تَعمَّدَ القَتْلَ.
وقَولُه: (في مُدَّةٍ يَمُوتُ في مِثْلِها غالِبًا)؛ لأِنَّ النَّاسَ يَختَلِفونَ في ذلك؛ لأِنَّ الزَّمانَ إذا كان شديدَ الحرارة، وكان الشَّخصُ جائعًا؛ ماتَ في الزَّمن القليلِ، وإنْ كان (^٥) شَبْعَانَ، والزَّمانُ مُعتَدِلٌ، أوْ بارِدٌ؛ لم يَمُتْ إلاَّ في الزَّمَنِ الطَّويل.
ومُقتَضاهُ: أنَّه إذا كانَ في مُدَّةٍ لا يَمُوتُ فيها غالِبًا؛ فهو عَمْدُ الخَطَأِ، وإنْ شَكَكْنا فيها؛ لم يَجِب القَوَدُ، أوْ تَرَكَ الأكلَ والشُّربَ مع القُدْرةِ فمات (^٦)؛ فَهَدَرٌ.
(السَّابِعُ: سَقَاهُ (^٧) سَمًّا لَا يَعْلَمُ بِهِ (^٨)، فماتَ؛ فعليه القَوَدُ؛ لأِنَّه فَعَلَ
_________________
(١) في (م): يقتل.
(٢) ينظر: مسائل أبي داود ص ٣٠٣.
(٣) في (م): خصيته.
(٤) قوله: (كله) سقط من (م).
(٥) في (م): كانا.
(٦) زيد في (م): غالبًا.
(٧) قوله: (سقاه) سقط من (م).
(٨) قوله: (به) سقط من (م).
[ ٩ / ٦٣ ]
فِعْلًا يَقتُلُ مِثْلُه غالِبًا، فكان عَمْدًا؛ كما لو ضَرَبَه بمُحدَّدٍ، (أَوْ خَلَطَ (^١) سَمًّا بِطَعَامٍ فَأَطْعَمَهُ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِهِ فَأَكَلَهُ، وَلَا يَعْلَمُ بِهِ (^٢)، فَمَاتَ)؛ لِمَا رَوَى أنَسٌ: «أنَّ يهوديَّةً أتَت النَّبيَّ ﷺ بِشاةٍ مَسمومةٍ، فَأَكَلَ منها النَّبيُّ ﷺ وبشرُ (^٣) ابنُ العَلَاء (^٤)، فلمَّا ماتَ بشرٌ أرْسَلَ إليها النَّبيُّ ﷺ، فاعْتَرَفَتْ، فأمر (^٥) بِقَتْلِها» رواه أبو داودَ (^٦).
وَأطْلَقَ ابنُ رَزِينٍ فيما إذا (^٧) ألْقَمَه سَمًّا، أوْ خَلَطَه به قَولَينِ.
(فَإِنْ عَلِمَ آكِلُهُ بِهِ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ)؛ فلا ضَمانَ عليه، أشْبَهَ ما لو قدَّم إلَيهِ سِكِّينًا، فَقَتَلَ بها نَفْسَه.
وعُلِمَ منه: أنَّه يُشتَرَطُ لِنَفْيِ الضَّمانِ أمْرانِ: البُلوغُ، والعَقْل؛ لأِنَّ الصَّبِيَّ
_________________
(١) في (ظ) و(ن): خلطه.
(٢) قوله: (به) سقط من (م).
(٣) في (ظ): وبشير.
(٤) كذا في النسخ الخطية، وصوابه: بشر بن البراء، كما في مصادر التخريج.
(٥) في (م): فأمرا.
(٦) أخرجه أبو داود (٤٥١١)، عن أبي سلمة مرسلًا، وأخرجه الطبراني في الكبير (١٢٠٢)، والحاكم (٤٩٦٧)، والبيهقي في الكبرى (١٦٠١٠)، وذُكر فيه أبو هريرة ﵁، وسنده حسن، فيه محمد بن عمرو بن علقمة الليثي وهو صدوق له أوهام، قال الذهبي: (وحديثه في عداد الحسن)، وصححه الحاكم. وأصل الحديث في البخاري (٢٦١٧)، ومسلم (٢١٩٠)، من حديث أنس ﵁، وعندهما: فقيل: ألا نقتلها، قال: «لا»، فليس فيه ذكر قتلها، وأخرج أبو داود (٤٥١٠)، من حديث ابن شهاب، عن جابر ﵁ وفيه: «فعفا عنها رسول الله ﷺ ولم يعاقبها»، قال ابن حجر: (وهذا منقطع لأن الزهري لم يسمع من جابر)، قال البيهقي: (اختلفت الروايات في قتلها، ورواية أنس بن مالك أصحها)، ورجح بعض الأئمة أنه ترك قتلها ابتداءً، ثم قتلها قصاصًا لمَّا مات بشر بن البراء. ينظر: الكامل لابن عدي ٩/ ٨٨، شرح النووي ١٤/ ١٧٩، ميزان الاعتدال ٤/ ٥٩٥، السير ٦/ ١٣٦، زاد المعاد ٣/ ٢٩٨، الفتح ٧/ ٤٩٧.
(٧) قوله: (إذا) سقط من (م).
[ ٩ / ٦٤ ]
والمجنونَ لا عِبْرَةَ بفِعْلِهما.
ويُشتَرَطُ له (^١) أيضًا شَرْطٌ آخَرُ لم يَذكُرْه المؤلِّفُ، وهو: العِلْمُ بكَونِ السَّمِّ قاتِلًا؛ لأِنَّ مَنْ جَهِلَ ذلك لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: عَلِمَ بكَونه قاتِلًا، ذَكَرَه ابنُ المنَجَّى؛ إذ هو شيء يُضادُّ (^٢) القُوَّةَ الحَيَوانِيَّةَ.
(أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِ نَفْسِهِ، فَأَكَلَهُ إِنْسَانٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّه لم يَقتُلْه، وإنَّما الدَّاخِلُ قَتَلَ نَفْسَه، أشْبَهَ ما لو حَفَرَ في داره بِئْرًا لِيَقَعَ فيها (^٣) اللصُّ إذا دَخَلَ يَسرِقُ منها، وكذا لو دَخَلَ بإِذْنِه، فأَكَلَ الطَّعامَ المسمومَ بلا إِذْنِه.
(فَإِنِ ادَّعَى الْقَاتِلُ بِالسَّمِّ: أنَّني (^٤) لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ سَمٌّ قَاتِلٌ؛ لَمْ يُقْبَلْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، جَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «المحرَّر» و«الفروع»؛ لأِنَّ السَّمَّ يَقتُلُ غالِبًا، أشْبَهَ ما لو جَرَحَه، وقال: لم (^٥) أعْلَمْ أنَّه يَموتُ به.
(وَيُقْبَلُ فِي الآْخَرِ)، وقيلَ: ويَجهَلُه مِثْلُه؛ لأِنَّه يَجُوزُ أنْ يَخْفَى عليه أنَّه قاتِلٌ، وهذا شبهة تُسقِط (^٦) القَوَد، (وَتَكُونُ (^٧) شِبْهَ عَمْدٍ)؛ لأِنَّه مِنْ حَيثُ إنَّه قَصَدَ فِعْل الشَّيءِ الدَّاعِي إلى القتل؛ فشبه (^٨) العمد، كما لو كان لا يَقتُلُ مثله (^٩) غالِبًا.
_________________
(١) قوله: (له) سقط من (م) و(ن).
(٢) قوله: (إذ هو شيء يضاد) في (م): وهو شيء لا يضاد.
(٣) قوله: (فيها) سقط من (م).
(٤) في (م): إني.
(٥) في (ظ): لا.
(٦) في (ظ) و(م): يسقط.
(٧) في (م): ويكون.
(٨) في (م): شبهه، وفي (ظ): يشبه.
(٩) قوله: (مثله) سقط من (م).
[ ٩ / ٦٥ ]
(الثَّامِنُ: أَنْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ غَالِبًا)، إذا كان السَّاحِرُ يَعلَمُ ذلك، أشْبَهَ المحدد (^١)، وكذا إذا بَقِيَ مُدَّةً يَموتُ في مِثْلِها غالِبًا.
ومُقتَضاهُ: أنَّه (^٢) إذا كان مِمَّا لا يَقتُلُ غالِبًا؛ أنَّه خَطَأُ العَمْد.
وعلى الأوَّل: لو ادَّعَى الجَهْل بكَونِه يَقتُلُ، ومِثلُه يَجهَلُه، أوْ كان غَيرَ قاتِلٍ، أو ادَّعَى قاتِلُ المريض الجهلَ (^٣) بمَرضِه في وَجْهٍ؛ فشِبْهُ عَمْدٍ.
(التَّاسِعُ: أنْ يَشْهَدَا (^٤) عَلَى رَجُلٍ بِقَتْلِ عَمْدٍ، أَوْ رِدَّةٍ، أَوْ زِنًى)، كذا في «المحرَّر»، وعبارةُ «الوجيز» و«الفروع»: ولو شَهِدَتْ بيِّنةٌ بما يُوجِبُ قَتْلَه، وهي أحْسَنُ، (فَيُقْتَلَ بِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعَا)، أوْ يَرجِعَ واحِدٌ من ستَّةٍ، ذَكَرَه في «الرَّوضة»، (وَيَقُولَا: عَمَدْنَا قَتْلَهُ)، وفي «الكافي»: وعَلِمْنا أنَّه يُقْتَلُ، وفي «المغْنِي»: ولم (^٥) يَجُزْ جَهْلُهما به، وفي «التَّرغيب» و«الرِّعاية»: وكذَّبَتْهُما قرينةٌ؛ فعَلَيهِما القَوَدُ؛ لِمَا رَوَى القاسِمُ بنُ عبدِ الرحمن (^٦): أنَّ رجُلَينِ شَهِدا عندَ عليٍّ ﵁ على رجلٍ (^٧) أنَّه سرق (^٨)، فَقَطَعَه، ثُمَّ رَجَعَا عن شَهادَتِهما، فقال عليٌّ: «لو أعْلَمُ أنَّكما تعمَّدتُما لَقَطَعْتُ أيْدِيَكما» (^٩)،
_________________
(١) في (م): الحد.
(٢) قوله: (أنه) سقط من (م) و(ن).
(٣) قوله: (بكونه يقتل، ومثله يجهله …) إلى هنا سقط من (م).
(٤) في (م): يشهد.
(٥) في (ظ): لم.
(٦) في (ن): محمد.
(٧) قوله: (على رجل) سقط من (ظ).
(٨) في (م): يسرق.
(٩) أخرجه عبد الرزاق (١٨٤٦٠)، وفي سنده جابر بن يزيد الجعفي وهو ضعيف، وأخرج عبد الرزاق (١٨٤٦١)، والبيهقي في الكبرى (٢١١٩٢)، عن الشعبي: أن رجلين شهدا عند علي ﵁ على رجل بالسرقة، فقطعه، ثم جاءه أحد الرجلين برجل فقال: هذا الذي سرق، فقال علي: «لو كنتما تعمدتماه لقطعتكما»، فأبطل شهادتهما عن الآخر، وأغرمهما دية الأول. وسنده صحيح.
[ ٩ / ٦٦ ]
ولأِنَّهما تَوصَّلا (^١) إلى قَتْلِه بِسبَبٍ يَقتُلُ غالِبًا، أشْبَه المكره.
(أَوْ يَقُولَ الْحَاكِمُ: عَلِمْتُ كَذِبَهُمَا، وَعَمَدْتُ قَتْلَهُ، أَوْ يَقُولَ الْوَلِيُّ ذَلِكَ)؛ لَزِمَ القَوَدُ؛ لأِنَّهما في مَعْنَى الشُّهود، فكان الحاصِلُ بسببهما عَمْدًا كالقتل الحاصِلِ بسببِ الشَّاهِدَينِ.
فلو أقرَّ الشَّاهِدانِ والحاكِمُ والوليُّ جميعًا بذلك؛ فعلى الوليِّ القِصاصُ؛ لأِنَّه باشَرَ القَتلَ عمْدًا عُدْوانًا.
وقال في «الشَّرح»: يَنبَغِي ألاَّ يَجِبَ على غَيرِه شيءٌ؛ لأِنَّهم مُتسبِّبون (^٢)، والمباشَرَةُ يُبْطِلُ حُكْمَها؛ كالدَّافِع مع الحافر (^٣).
وفي «التَّرغيب» وجْهٌ: هما كمُمسِكٍ (^٤) مع مُباشِرٍ.
وإنْ لم يُقِرَّ الوليُّ؛ فالقِصاصُ على الشُّهود والحاكِم؛ لأِنَّهم متسبِّبون (^٥).
وحاصِلُه: أنَّه يَختَصُّ بالمباشِر العالِم، ثُمَّ وَلِيًّا، ثُمَّ البيِّنة والحاكِم، وقِيلَ: ثُمَّ حاكِمًا؛ لأِنَّ سببَه أخص (^٦) من البيِّنة، فإنَّ حكمه (^٧) واسِطةٌ بَينَ شهادتهم وقَتلِه، فلو باشَرَ القَتْلَ وكيلُ (^٨) الوليِّ، وأقرَّ بالعلم، وتعمَّدَ القَتْلَ ظُلْمًا؛ فهو القاتِلُ، وإلاَّ فالحكمُ يتعلَّق بالوليِّ.
وقِيلَ: في قَتْلِ حاكِمٍ وجْهانِ؛ كمزكٍّ (^٩)، فإنَّ (^١٠) المزكِّيَ
_________________
(١) في (م): توصل.
(٢) في (م): مستويان.
(٣) في (ظ): الحاضر.
(٤) في (م): ممسك.
(٥) في (م): منشبون.
(٦) في (م): أخصر.
(٧) في (ن): حمله.
(٨) في (م): وقيل.
(٩) في (م): كمشرك.
(١٠) في (م): لأن.
[ ٩ / ٦٧ ]
لا يُقتل (^١) عِنْدَ القاضِي؛ لأِنَّه غَيرُ مُلجِئٍ، ويُقتل (^٢) عِنْدَ أبي الخَطَّاب وغَيرِه.
وإذا صار الأمرُ إلى الدِّية على البيِّنة والحاكِمِ؛ فقِيلَ: على عددهم، وقِيلَ: نِصفَينِ.
ولو رَجَعَ الوليُّ والبيِّنةُ؛ ضَمِنَه الولي (^٣).
فرعٌ: إذا قال بعضُهم: عَمَدْتُ قَتْلَه، وبعضُهم: أخْطَأْتُ؛ فلا قَوَدَ على المتعمِّد على الأصحِّ، وعليه بحِصَّته من الدِّية المغلَّظة، والمخْطِئ من المخفَّفة.
ولو قال كلُّ واحِدٍ: تعمَّدتُ وأخْطَأَ شَرِيكِي؛ فوجْهانِ في القَوَد.
ولو قال واحِدٌ (^٤): عَمَدْنا، والآخَرُ: أخْطَأْنا؛ لَزِمَ المقِرَّ بالعَمْد القَوَد، والآخَرَ نصفُ الدِّية.
(فَهَذَا كُلُّهُ)؛ أي: الأَقْسام التِّسعة، (وَشِبْهُهُ: عَمْدٌ مَحْضٌ)؛ أي: لا شُبْهةَ فيه، (مُوجِبٌ (^٥) لِلْقِصَاصِ) بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (^٦)، (إِذَا كَمُلَتْ شُرُوطُهُ)؛ أيْ: بالشُّروط السَّابِقةِ.
_________________
(١) في (ن): لا يقبل.
(٢) في (ن): ويقبل.
(٣) قوله: (الولي) سقط من (م).
(٤) في (ظ): كل واحد.
(٥) في (م): يوجب.
(٦) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ١٢٠.
[ ٩ / ٦٨ ]