وَهِيَ جَمْعُ حَدٍّ، وهو المنْعُ، وحُدودُ الله تعالى: مَحارِمُه؛ لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البَقَرَة: ١٨٧]، وهِي: ما حَدَّه وقدَّره، فلا يَجوزُ أنْ يُتعَدَّى (^١)؛ كتَزْويجِ الأَرْبَعِ ونحوِه، وما حَدَّه الشَّرْعُ؛ فلا يَجُوزُ فيه الزِّيادةُ والنُّقْصانُ.
والحُدودُ: العُقوباتُ (^٢) المقدَّرةُ، يَجُوزُ أنْ تكُونَ سُمِّيَتْ بذلك من المنْعِ؛ لأِنَّها تَمنَعُ من الوُقوع في مِثْلِ ذلك (^٣) الذَّنْب، وأنْ تكُونَ سُمِّيَت الحُدودُ التي هي (^٤) المحارِمُ؛ لكَونها (^٥) زَوَاجِرَ عنها، أوْ بالحُدود التي هي المقدَّراتُ.
وشَرْعًا: عُقُوبَةٌ مُقدَّرةٌ؛ لِتَمْنَعَ من الوُقوع في مِثْلِه.
(لَا يَجِبُ الحَدُّ إِلاَّ (^٦) عَلَى بَالِغٍ عَاقِلٍ)، ولا خِلافَ في اعْتِبارِهما (^٧)؛ للنُّصوص، ولأِنَّه إذا سَقَطَ عنه التَّكليفُ في العبادات (^٨)، والإثْمُ في المعاصي؛ فالحدُّ المَبْنِيُّ على الدَّرْءِ بالشُّبُهاتِ أَوْلَى.
فإنْ كان يُفِيقُ في وَقْتٍ، فأقرَّ فيه أنَّه زَنَى وهو مُفِيقٌ؛ فعَلَيهِ الحدُّ (^٩) بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (^١٠).
_________________
(١) في (م): ينفذ.
(٢) في (م) و(ن): والعقوبات.
(٣) زيد في (م): من.
(٤) في (م): بين.
(٥) في (م): لأنها.
(٦) قوله: (لا يجب الحد إلا) في (ن): لا يجب إلا. وقوله: (إلا) سقط من (م).
(٧) ينظر: المغني ٩/ ٦٦.
(٨) في (م): العبادة.
(٩) قوله: (الحد) سقط من (م).
(١٠) ينظر: المغني ٩/ ٦٦.
[ ٩ / ٤١١ ]
لكِنْ لو أقرَّ في إفاقَتِه أنَّه زَنَى، ولم يُضِفْه (^١) إلى حالٍ، أوْ شَهِدَتْ عَلَيهِ بَيِّنَةٌ به، ولم تُضفه (^٢) إلى حالِ إفاقَتِه؛ فلا حدَّ؛ لِلاِحْتِمالِ.
ولا يَجِبُ على نائمٍ ولا نائمةٍ.
(عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ)؛ لِعُمومِ النُّصوصِ، وقاله الأئمَّةُ، سَواءٌ جَهِلَ تحريم الزِّنى، أوْ تحريمَ عَينِ المرأة.
زاد في «الوجيز»: مُلْتَزمٍ، وهو مُرادٌ.
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ إِلاَّ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ)؛ لأِنَّه حقٌّ لله (^٣) تعالى، ويفتقر (^٤) إلى اجْتِهادٍ، ولا يُؤمَنُ معه الحَيفُ، فَوَجَبَ تَفْوِيضُه إلى نائبِ الله في خَلْقِه، ولأِنَّه ﵇ كان يُقِيمُ الحُدودَ في حياته، وخلفاؤه مِنْ بَعدِه.
واخْتارَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: إلاَّ لِقَرينةٍ؛ كتَطلُّبِ الإمامِ لَه لِيَقْتُلَه (^٥).
وعلى الأوَّل: لو أقامَه غَيرُه؛ لم يَضمَنْه، نَصَّ عليه (^٦)، لكنَّه تَعَدَّى على الإمام، وذلك لا يُوجِبُ ضَمانًا؛ كالمرتد.
ولا يَلزَمُ الإمامَ حُضورُ إقامته (^٧)؛ لقوله: «واغْدُ يَا أُنَيْسُ إلى امْرأةِ هذا فإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها» (^٨)، وكغَيرِه.
_________________
(١) في (ن): ولم يصفه.
(٢) في (م): ولم يضفه. وفي (ن): ولم يصفه.
(٣) في (م): الله.
(٤) في (م): ويفترق.
(٥) ينظر: الفروع ١٠/ ٢٩.
(٦) ينظر: الفروع ١٠/ ٢٩.
(٧) في (ظ): إفاقته.
(٨) أخرجه البخاري (٢٣١٤)، ومسلم (١٦٩٧)، من حديث زيد بن خالد وأبي هريرة ﵄.
[ ٩ / ٤١٢ ]
فرعٌ: مَنْ أقامَ على نَفْسِه ما (^١) لَزِمَه مِنْ حدِّ زِنًى أوْ قَذْفٍ، بإِذْنِ إمامٍ أوْ نائبِه؛ لم يَسقُطْ عنه، قالَهُ ابنُ حَمْدانَ.
(إِلاَّ السَّيِّدَ) الحُرَّ المكلَّفَ العالِمَ، (فَإِنَّ لَهُ إِقَامَةَ الْحَدَّ بِالْجَلْدِ خَاصَّةً عَلَى رَقِيقِهِ الْقِنِّ)؛ أي: الكامِلِ رِقُّه في قَولِ عامَّتِهم؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا زَنَتْ أَمَةُ أحدِكم؛ فلْيَجْلِدْها الحَدَّ، ولا يُثرِّبْ عَلَيها» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٢)، وعن عليٍّ مرفوعًا: «أقِيمُوا الحُدودَ على ما مَلَكَتْ أيْمانُكم» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والدَّارَقُطْنِيُّ (^٣)، ولأِنَّ للسَّيِّدِ تأديبَ أَمَتِه بتَزويجِها، فملك (^٤) إقامةَ الحدِّ (^٥) عَلَيها كالسُّلْطان، وبهذا (^٦) فارَقَ الصَّبِيَّ.
وعنه: لَيسَ له ذلك؛ لأِنَّه يفتقر (^٧) إلى اجْتِهادٍ، فلم يَملِكْه؛ كالقَطْعِ، وحَدِّ الحُرِّ.
_________________
(١) في (ن): من.
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٣٤)، ومسلم (١٧٠٣).
(٣) أخرجه أحمد (٧٣٦)، وأبو داود (٤٤٧٣)، والنسائي في الكبرى (٧٢٢٩)، والدارقطني (٣٣٢٦)، من طريق عبد الأعلى الثعلبي، عن أبي جميلة، عن علي ﵁ مرفوعًا، وأبو جميلة هو ميسرة بن يعقوب، وهو مقبول، والراوي عنه: عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، ضعفه أحمد وأبو زرعة وغيرهما، وقال أبو زرعة: (ربما رفع الحديث وربما وقفه)، وقوَّاه آخرون، وقال ابن حجر: (صدوق يهم)، وأخرجه مسلم (١٧٠٥)، موقوفًا من طريق أبي عبد الرحمن، قال: خطب علي ﵁، فقال: «يا أيها الناس، أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها» الحديث، ورجح ابن حجر وقفه، وضعف الرفع الألباني. ينظر: الفتح ١٢/ ١٦١، الإرواء ٧/ ٣٥٩.
(٤) في (م): وتزويجها وكذا.
(٥) قوله: (الحد) سقط من (م).
(٦) في (م): ولهذا.
(٧) في (م): يفترق.
[ ٩ / ٤١٣ ]
وعلى الأوَّل: له سَماعُ بَيِّنةٍ تَقتَضِي العُقوبةَ، والعَمَلُ بها إنْ عَرَفَ شروطها (^١)، وإلاَّ سَمِعَها الحاكِمُ أوْ سَيِّدُه بإذْنِه، وقِيلَ: لا يَسمَعُها غَيرُ حاكِمٍ، قدَّمه في «الكافي» و«الشَّرح».
(وَهَلْ لَهُ الْقَتْلُ فِي الرِّدَّةِ، وَالْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ):
إحداهما (^٢): لا يَملِكُه، قدَّمه في «الكافي»، ونَصَرَه في «الشَّرح»، وذكر (^٣) أنَّه قَولُ أكثرِ أهلِ العِلْم؛ لأِنَّه ﵇ إنَّما أَمَرَ بالجَلْد، فلا (^٤) يَثبُتُ في غَيرِه، ولأِنَّ في الجَلْد سَتْرًا على رقيقه؛ لِئَلاَّ يَفتَضِحَ بإقامَةِ الإمام له (^٥)، فتنقص (^٦) قِيمَتُه، وذلك مُنْتَفٍ فيهما.
والثَّانيةُ: له ذلك؛ لأِنَّ «عُمَرَ قَطَعَ عَبْدًا له سَرَقَ» (^٧)، و«حفصة (^٨) قَتَلَتْ أَمَةً لها سحرتها» (^٩).
_________________
(١) في (م): شروطه.
(٢) في (م): أحدهما.
(٣) زيد في (م): قول.
(٤) في (م): ولا.
(٥) قوله: (له) سقط من (ن).
(٦) في (م): تنقص.
(٧) لم نقف عليه عن عمر، ولكن عن ابن عمر ﵄: أخرجه عبد الرزاق (١٨٩٧٩)، ومن طريقه ابن حزم في المحلى (١٢/ ٧٤)، عن معمر، عن أيوب، عن نافع: «أن ابن عمر ﵄ قطع يد غلام له سرق، وجلد عبدًا له زنى، من غير أن يرفعهما»، وإسناده صحيح. وأخرجه الشافعي في الأم (٧/ ٢٧٤)، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: «أن عبدًا له سرق وهو آبق، فأبى سعيد بن العاص أن يقطعه، فأمر به ابن عمر فقطعت يده»، وإسناده صحيح.
(٨) قوله: (وحفصة) سقط من (م).
(٩) أخرجه مالك (٢/ ٧٨١)، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، أنه بلغه: «أن حفصة زوج النبي ﷺ قتلت جارية لها سحرتها، وقد كانت دبرتها، فأمرت بها فقتلت» إسناده منقطع، لكن أخرجه بسند صحيح عبد الرزاق (١٨٧٤٧)، ومن طريقه ابن حزم في المحلى (١٢/ ٧٤)، من وجه آخر: «أن جارية لحفصة سحرتها واعترفت بذلك، فأمرت بها عبد الرحمن بن زيد فقتلها، فأنكر ذلك عليها عثمان»، فقال ابن عمر: «ما تنكر على أم المؤمنين من امرأة سحرت واعترفت» فسكت عثمان. وكذا أخرجه عبد الله بن أحمد في مسائله عن أبيه (١٥٤٣).
[ ٩ / ٤١٤ ]
(وَلَا يَمْلِكُ إِقَامَتَهُ عَلَى مُكَاتَبِهِ)، قَطَعَ به (^١) في «المغْنِي»، و«الوجيز»، وابنُ رَزين (^٢)، والأدَمِيُّ، وابنُ عَبْدُوسٍ، وغَيرُهم؛ لأِنَّه معه (^٣) كالأجنبيِّ.
وفيه وَجْهٌ، وذَكَره (^٤) بعضُهم المذْهَبَ؛ لأِنَّه عَبْدٌ.
(وَلَا مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ)؛ لأِنَّه لَيسَ له وِلايَةٌ على كُلِّه، والحَدُّ تصرفٌ (^٥) في الكُلِّ.
(وَلَا أَمَتِهِ الْمَزَوَّجَةِ)، نَصَّ عَلَيهِ (^٦)؛ لِقَولِ ابنِ عمرَ (^٧)، ولا مُخالِفَ له في الصَّحابة؛ لأِنَّه لم يَكمُلْ، أشْبَهَ مَنْ بَعضُه حرٌّ.
وفيها وَجْهٌ، صحَّحَه الحُلْوانِيُّ.
ونَقَلَ مُهَنَّى: إنْ كانَتْ ثَيِّبًا (^٨).
ونَقَلَ ابنُ مَنصُورٍ: إنْ كانَتْ مُحْصَنَةً؛ فالسُّلْطانُ (^٩)، وأنَّه لا يَبِيعُها حتَّى تُحَدَّ.
_________________
(١) قوله: (به) سقط من (م).
(٢) قوله: (وابن رزين) سقط من (م) و(ن).
(٣) في (م): معهم.
(٤) في (م): ذكره.
(٥) في (ن): يصرف.
(٦) ينظر: زاد المسافر ٤/ ٣٢٩.
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١٣٦١٠)، عن سالم، عن ابن عمر ﵄ قال في الأمة: «إذا كانت ليست بذات زوج فزنت؛ جُلدت نصف ما على المحصنات من العذاب، يجلدها سيدها، فإن كانت من ذوات الأزواج رفع أمرها إلى السلطان»، وإسناده صحيح.
(٨) ينظر: الفروع ١٠/ ٢٩.
(٩) ينظر: مسائل ابن منصور ٤/ ١٦٣١.
[ ٩ / ٤١٥ ]
ويُخرَّجُ في (^١) مَرْهُونةٍ ومُستَأْجَرةٍ؛ وَجْهانِ، وجَعَلَ في «الانتصار» وغَيرُه: مَرهُونَةً ومُكاتَبةً أَصْلًا؛ كمزوَّجة (^٢).
(وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ فَاسِقًا، أَوِ امْرَأَةً؛ فَلَهُ إِقَامَتُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ)؛ لأِنَّها وِلَايَةٌ ثبتت (^٣) بالملْك أشْبَهَتْ وِلايَةَ التَّأْديبِ، والمرأةُ تامَّةُ الملْك من أهْلِ التَّصرُّفات أشْبَهَت الرَّجُلَ، ولأِنَّ «فاطِمَةَ جَلَدَتْ أَمَةً لها» (^٤)، و«عائِشةُ قَطَعَتْ أَمَةً لها سَرَقَتْ» (^٥).
(وَيَحْتَمِلُ: أَلاَّ يَمْلِكَهُ (^٦)؛ لأِنَّها وِلايَةٌ، وليسا (^٧) من أهلها.
فعلى هذا: يَختَصُّ بالذَّكَر العَدْلِ.
وقِيلَ: يُقيمُه وليُّ امرأةٍ.
وهل للوصيِّ حدُّ رقيقِ مَوْليِّهِ؟ فيه وَجْهانِ.
(وَلَا يَمْلِكُهُ المُكَاتَبُ)، صحَّحه في «المستوعب» وغَيرُه؛ لأنَّه (^٨) لَيسَ مِنْ
_________________
(١) في (م): من.
(٢) في (م): لخروجه.
(٣) في (ن): تثبت.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٣٦٠٢)، ومن طريقه ابن حزم في المحلى (١٢/ ٧٤)، عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أن حسن بن محمد ابن الحنفية أخبره: «أن فاطمة ابنة محمد ﷺ جلدت أمة لها»، رجاله ثقات.
(٥) أخرجه مالك (٢/ ٨٣٢)، وعنه الشافعي كما في المسند (ص ٣٣٥)، والبيهقي في الكبرى (١٧٢٨٠)، عن عمرة بنت عبد الرحمن، أنها قالت: خرجت عائشة زوج النبي ﷺ إلى مكة ومعها مولاتان لها فذكرت قصةً فيها: أن غلامًا سرق بردة، فسئل العبد عن ذلك، فاعترف، فأمرت به عائشة زوج النبي ﷺ: «فقطعت يده»، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٦) في (م): تملكه.
(٧) في (م): والنساء.
(٨) في (م): ولأنه.
[ ٩ / ٤١٦ ]
أهْلِ الوِلايَةِ، وملْكُه على عبده (^١) ناقِصٌ، بدليلِ أنَّه لا تَجِبُ عَلَيهِ الزَّكاةُ.
(وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَمْلِكَهُ)؛ لأِنَّه يُستَفادُ بالملْك، أشْبَهَ تَصرُّفاتِه.
(وَسَوَاءٌ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ إِقْرَارٍ) إنْ كانَ يَعلَمُ شُروطَه؛ لأِنَّ كلَّ واحدٍ منهما حُجَّةٌ في ثُبوتِه، فَوَجَبَ ألاَّ يَختَلِفَ حالُ السَّيِّدِ فيه.
فعلى هذا: للسَّيِّد أنْ يَسمَعَ إقْرارَه، ويُقِيمَ الحَدَّ عَلَيهِ، ويُقدِّم (^٢) سَماعَ البيِّنة.
(وَإِنْ ثَبَتَ (^٣) بِعِلْمِهِ؛ فَلَهُ إِقَامَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ (^٤)، لأِنَّه قد ثَبَتَ عِندَه، فَمَلَكَ إقامتَه؛ كما لو أقرَّ به، ولأِنَّه يَملِكُ تَأْدِيبَه بعِلْمِه (^٥)، فكذا هُنا.
(وَيَحْتَمِلُ: أَلاَّ يَمْلِكَهُ؛ كَالْإِمَامِ)، هذا (^٦) رِوايَةٌ، واخْتارَها القاضِي؛ لأِنَّ وِلايَةَ الإمامِ للحَدِّ أقْوَى مِنْ وِلايَةِ السَّيِّد؛ لكونها (^٧) مُتَّفَقًا عليها، فإذا لم يَثْبُت الحَدُّ بالعِلْم فهُنا أَوْلَى، ولأِنَّ الحاكِمَ متَّهم (^٨).
(وَلَا يُقِيمُ الْإِمَامُ الْحَدَّ بِعِلْمِهِ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٥]، ثُمَّ قال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ
_________________
(١) في (م): غيره.
(٢) كذا في النسخ الخطية، ولعل صوابها: ويَلِي. ينظر: الممتع ٤/ ٢١٨، وشرح المنتهى ٣/ ٣٣٦.
(٣) في (م): يثبت.
(٤) ينظر: زاد المسافر ٤/ ٣٢٩.
(٥) في (م): لعلمه.
(٦) قوله: (هنا، ويحتمل ألا يملكه كالإمام هذا) ضرب عليه في (م).
(٧) في (م): لكونه.
(٨) في (م) و(ن): منهم. وفي المغني ٩/ ٥٣، والشرح الكبير ٢٦/ ١٨٢ جعلا قوله: (لأن الحاكم متهم) تابع للرواية الأولى في أن السيد له أن يقيمه بعلمه، فقالا عن السيد: (ويفارق الحاكم؛ لأن الحاكم متهم، ولا يملك محل إقامته، وهذا بخلافه). أو تكون عبارة (لأن الحاكم متهم) زائدة لأنها سوف تذكر في المسألة التي بعدها.
[ ٩ / ٤١٧ ]
الْكَاذِبُونَ﴾ [النُّور: ١٣]، ولأِنَّه متهم (^١) في حُكمِه بِعِلْمِه، وذلك شِبْهةٌ يُدْرَأُ بها (^٢) الحَدُّ.
مسألةٌ: نَقَلَ المَيمُونِيُّ: وُجوبَ بَيعَ رقيقٍ زَنَى في رابعة (^٣).
قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (^٤): إنْ عَصَى الرَّقيقُ عَلانِيَةً أقام السَّيِّدُ عَلَيهِ الحَدَّ، وإنْ عَصَى سِرًّا فيَنبَغِي ألاَّ يَجِبَ عليه إقامتُه، بل يتخيَّر (^٥) بَينَ سَتْرِه واستتابته بحَسَبِ المصلحة في ذلك، كما تُخيَّرُ الشُّهودُ على إقامةِ الحَدِّ بَينَ إقامَتِها عِنْدَ الإمامِ وبَينَ السَّتْر على المشْهودِ عَلَيهِ واسْتِتَابَتِه بحَسَبِ المصلحة (^٦)، فإنْ تَرجَّحَ عِندَه أنَّه يَتُوبُ؛ ستروه (^٧)، وإنْ كان في ترك (^٨) إقامةِ الحَدِّ عَلَيهِ ضَرَرٌ للنَّاس؛ كان الرَّاجِحُ رَفْعَه إلى الإمام.
(وَلَا تُقَامُ (^٩) الْحُدُودُ فِي الْمسَاجِدِ)، جَلْدًا كان أوْ غَيرَه؛ لِمَا رَوَى حَكِيمُ ابنُ حِزامٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى أنْ تُقامَ الحُدودُ في المساجِدِ» (^١٠)، رُوِيَ: أنَّ
_________________
(١) في (م): منهم.
(٢) في (م): يدرأها.
(٣) ينظر: زاد المسافر ٤/ ٣٢٩.
(٤) ينظر: الفروع ١٠/ ٣١.
(٥) في (م): يجير.
(٦) قوله: (في ذلك، كما تخير الشهود …) إلى هنا سقط من (م).
(٧) في (م): نهروه.
(٨) قوله: (ترك) سقط من (م).
(٩) في (م): ولا تقاد.
(١٠) أخرجه أحمد (١٥٥٨٠)، وأبو داود (٤٤٩٠)، والطبراني في الكبير (٣١٣٠)، والدارقطني (٣١٠١)، من طريق زفر بن وثيمة، عن حكيم بن حزام ﵁ مرفوعًا، وهو منقطع، فإن زُفَرَ لم يدرك حكيمًا. وأخرجه أحمد (١٥٥٧٩)، والدارقطني (٣١٠٣)، من طريق العباس بن عبد الرحمن المكي، عن حكيم بن حزام ﵁ مرفوعًا، والعباس مجهول، وقال ابن حجر: (لا بأس بإسناده)، وحسنه الألباني، وله شواهد أخرى منها: ما أخرجه الترمذي (١٤٠١)، وابن ماجه (٢٥٩٩)، وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف، وما أخرجه البزار (٣٤٥٣)، من حديث جبير بن مطعم ﵁، وفيه الواقدي وهو متروك، وقال البزار: (وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ في إسناد متصل عنه من وجه صحيح الإسناد). ينظر: التلخيص الحبير ٤/ ٢١٢، الإرواء ٧/ ٣٦١.
[ ٩ / ٤١٨ ]
عمرَ أُتي برجل (^١) زَنَى، فقال: «أخْرِجُوهُ من المسجِدِ، واضْرِبُوهُ» (^٢)، وعن عليٍّ: «أنَّه أُتِيَ بِسارِقٍ، فأخْرَجَه من المسْجِدِ، وقَطَعَ يَدَه» (^٣)، ولأِنَّه لا يُؤمَنُ أنْ يُحدِثَ فيه، فينجِّسه (^٤) ويُؤْذِيَه.
وفي «المذهب»: يَنبَغِي تَنزِيهُ المسْجِدِ عنه.
ورُوِيَ عن الشَّعْبِيِّ: أنَّه أقامَ الحدَّ على ذِمِّيٍّ في المسْجِدِ.
(وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي الْحَدِّ قَائِمًا)، في الأَشْهَرِ، وقاله (^٥) عليٌّ (^٦)، ونَصَرَه المؤلِّفُ؛ لأِنَّ قيامَه وسيلةٌ إلى إعْطاءِ كلِّ عُضْوٍ حَظَّه من الضَّرْب.
ونَقَلَ حنبل (^٧): قاعِدًا (^٨)؛ لأِنَّه أسْتَرُ له.
_________________
(١) في (ن): رجل.
(٢) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (٩/ ٦٨)، ووصله عبد الرزاق (١٧٠٦)، وابن أبي شيبة (٢٨٦٤٦)، عن طارق بن شهاب: أن عمر ﵁ أُتي برجل في شيء، فقال: «أخرجاه من المسجد فاضرباه»، وإسناده صحيح، وصححه ابن حزم وابن حجر. ينظر: المحلى ١٢/ ١١، الفتح ١٣/ ١٥٧.
(٣) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة التمريض (٩/ ٦٨)، ووصله ابن أبي شيبة (٢٨٦٤٥)، عن ابن معقل: أن رجلًا جاء إلى علي ﵁ فسارَّه، فقال: «يا قنبر أخرجه من المسجد، فأقم عليه الحد»، وفي سنده: أشعث بن سوار الكندي وهو ضعيف، وابن معقل وهو زهير بن معقل الخثعمي وهو مجهول، وأشار إلى ضعف الأثر ابن حجر بقوله: (وفي سنده من فيه مقال). ينظر: الفتح ١٣/ ١٥٧.
(٤) في (ن): قبيحة.
(٥) في (ن): قاله.
(٦) يأتي لفظه قريبًا.
(٧) قوله: (حنبل) سقط من (م).
(٨) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ص ٥٣٢.
[ ٩ / ٤١٩ ]
(بِسَوْطٍ)، قال في «شرح المهذَّب» (^١) للحنفيَّة: السَّوط فَوقَ القَضِيبِ ودُونَ العَصَا، وفي (^٢) «المختار» لهم (^٣): بسَوطٍ لا ثمرةَ (^٤) له، فتعيَّنَ أنْ يكونَ من غَيرِ الجِلْدِ.
(لَا جَدِيدٍ وَلَا خَلَقٍ)، نَصَّ عَلَيهِ (^٥)، بفَتْحِ اللاَّم، وهو البالِي؛ لخبرٍ رواه مالِكٌ عن زيدِ بنِ أسْلَمَ مُرسَلًا (^٦)، ورُوِيَ عن أبي هُرَيرةَ مُسْنَدًا (^٧)، ورُوِيَ عن عليٍّ (^٨)، ولأِنَّ الغَرَضَ الإيلامُ دُونَ الجَرْح؛ إذ (^٩) الجديدُ يَجرَحُ، والبالِي لا يُؤلِمُ.
فلو كان السَّوطُ مَغْصوبًا؛ أَجْزَأَ، على خِلافِ مقتضى (^١٠) النَّهْي؛
_________________
(١) في (م): الشرح المذهب.
(٢) في (م): ومن.
(٣) ينظر: الاختيار لتعليل المختار ٤/ ٨٥.
(٤) في (م): ثمر.
(٥) ينظر: الفروع ١٠/ ٣٢.
(٦) أخرجه مالك (٢/ ٨٢٥)، والشافعي في الأم (٦/ ١٥٧)، وابن أبي شيبة (٢٨٦٨٥)، والبيهقي في الكبرى (١٧٥٧٤)، عن زيد بن أسلم، أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنى على عهد رسول الله ﷺ، فدعا له رسول الله ﷺ بسوط، فأُتي بسوط مكسور فقال: «فوق هذا»، فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، فقال: «دون هذا»، فأتي بسوط قد ركب به ولان. وضعفه الشافعي بالانقطاع، لكن له شواهد تقويه، منها عند عبد الرزاق (١٣٥١٥)، عن يحيى بن أبي كثير مرسلًا نحوه، وآخر أخرجه ابن حزم في المحلى (١٢/ ٨٤)، من طريق كريبٍ مولى ابن عباس بمعناه مرسلًا، قال ابن حجر: (فهذه المراسيل الثلاثة يشد بعضها بعضًا). ينظر: التلخيص الحبير ٤/ ٢١١.
(٧) لم نقف عليه مسندًا من حديث أبي هريرة ﵁.
(٨) ذكر ابن قدامة لفظه: «ضربٌ بين ضربين، وسوطٌ بين سوطين»، ولم نقف عليه، وذكر ابن حجر والألباني أنهم لم يقفا عليه. ينظر: المغني ٩/ ١٦٨، التلخيص الحبير ٤/ ٢١١، الإرواء ٧/ ٣٦٤.
(٩) في (ن): لأن.
(١٠) في (م): في.
[ ٩ / ٤٢٠ ]
للإجْماعِ، ذَكَرَه في «التَّمْهيدِ» (^١).
(وَلَا يُمَدُّ)، نَصَّ عَلَيهِ (^٢)؛ لأِنَّه محدَثٌ (^٣)، (وَلَا يُرْبَطُ، وَلَا يُجَرَّدُ)؛ لأِنَّه لم يُنقل (^٤)، قال ابنُ مَسْعودٍ: «لَيسَ في دِينِنا مَدٌّ، ولا قَيدٌ، ولا تَجْريدٌ» (^٥).
(بَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ الْقَمِيصُ وَالْقَمِيصَانِ)؛ صِيانَةً له عن التَّجْريد، مع أنَّ ذلك لا يَرُدُّ أَلَمَ الضَّرْب، ولا يَضُرُّ بَقاؤهما عليه، نَقَلَ أبو الحارِثِ والفضل (^٦): عَلَيهِ ثِيابُه (^٧).
وعنه: يَجُوزُ تَجرِيدُه؛ لأِنَّه أبْلَغُ.
فلو كان عَلَيهِ فَرْوٌ، أو (^٨) جُبَّةٌ مَحْشُوَّةٌ؛ نُزِعَتْ؛ لأِنَّه لو تُرِكَ عَلَيهِ ذلك لم يبال (^٩) بالضَّرْب.
(وَلَا يُبَالَغُ فِي ضَرْبِهِ بِحَيْثُ يَشُقُّ الْجِلْدَ)؛ لأِنَّ الغَرَضَ تأْدِيبُه وزَجْرُه عن المعصية، لا قَتْلُه، والمبالَغَةُ تُؤدِّي إلى ذلك.
(وَيُفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَى أَعْضَائِهِ)؛ لأِنَّ تَوَالِيَ الضَّرْبِ على عُضْوٍ واحِدٍ يُؤَدِّي إلى القَتْلِ، وأَوْجَبَه القاضي.
_________________
(١) ينظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب ١/ ٣٧٧.
(٢) ينظر: مسائل ابن منصور ٧/ ٣٤٥٦، زاد المسافر ٤/ ٣٢٧.
(٣) في (م): يحدث.
(٤) في (م): لم يفعل.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٣٥٢٢)، والبيهقي في الكبرى (١٧٥٧٧)، من طريق جويبر، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن مسعود ﵁، وجويبر بن سعيد ضعيف جدًّا، والضحاك لم يدرك ابن مسعود ﵁.
(٦) في (م): والرجل.
(٧) ينظر: الفروع ١٠/ ٣٢.
(٨) في (م): أن.
(٩) في (ن): لم ينال.
[ ٩ / ٤٢١ ]
ولا يُبْدِي إبْطَه في رَفْعِ يَدِه، نَصَّ عَلَيهِ (^١).
(إِلاَّ الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ)؛ لِقَولِ عليٍّ للجَلاَّد: «اضْرِبْ، وأَوْجِعْ، واتَّقِ الرَّأْسَ والوَجْهَ» (^٢)، ولأِنَّهما أجْمَلُ ما في الإنسان، وفي إصابَةِ الضَّرْب لهما خَطَرٌ؛ لأِنَّه ربَّما عَمِيَ أوْ ذهب (^٣) عَقْلُه، أوْ قَتَلَه.
(وَالْفَرْجَ وَمَوْضِعَ (^٤) المَقْتَلِ)؛ لأِنَّ ضَرْبَ ذلك يُؤَدِّي إلى القَتْل، وهو غَيرُ مَأْمورٍ به، بل مأمورٌ بِعَدَمِه.
ويُكْثِر (^٥) منه في مَواضِعِ اللَّحْم؛ كالْأَلْيَتَينِ والفَخِذَينِ.
ولا تُعتَبَرُ الموالاة في الحدِّ (^٦)، ذَكَرَه القاضي وغَيرُه في مُوَالاةِ العُضْوِ (^٧)؛ لزيادةِ العُقوبة، ولسُقوطِه بالشُّبهة، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: فيه نَظَرٌ (^٨).
ولم (^٩) يَعتَبِرُوا نية (^١٠) مَنْ يُقِيمُه أنَّه حَدٌّ، مع أنَّ ظاهِرَ كلامِهم يُقِيمُه الإمامُ أوْ نائِبُه، بدليلِ: أنَّ الإمامَ لو أَمَرَ عَبْدًا أعجميًّا (^١١) يَضرِبُ، لا عِلْمَ له بالنِّيَّةِ؛ أجْزَأَتْ نِيَّتُه، والعَبْدُ كالآلة.
_________________
(١) ينظر: الفروع ١٠/ ٣٣.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٣٥١٧)، وابن أبي شيبة (٢٨٦٧٥)، والبيهقي في الكبرى (١٧٥٨١) بنحوه، وفي سنده محمد بن أبي ليلى وهو صدوق سيئ الحفظ.
(٣) في (م): أعمي أو أذهب.
(٤) في (ن): وهو موضع.
(٥) في (ن): ويكن.
(٦) في (م): الجلد.
(٧) كذا في النسخ الخطية، وفي الفروع ١٠/ ٣٣ والإنصاف ٢٦/ ١٨٨: الوضوء.
(٨) ينظر: الفروع ١٠/ ٣٣.
(٩) في (م): ولا.
(١٠) في (ن): فيه.
(١١) قوله: (أعجميًا) سقط من (م).
[ ٩ / ٤٢٢ ]
ويَحتَمِلُ: أنْ تُعتَبَرَ نِيَّتُهما، كما نقول (^١) في غَسْلِ الميت: تُعتبر (^٢) نِيَّةُ غاسِلِه، واحتجَّ في «مُنتَهَى الغاية» في اعْتِبارِ نِيَّةِ الزَّكاة: بأنَّ الصَّرفَ إلى الفقير له جِهاتٌ، فلا بُدَّ من نِيَّةِ التَّمييز؛ كالجَلْدِ في الحُدودِ.
(وَالْمَرْأَةُ كَذَلِكَ)؛ أي: المرأة كالرَّجُل فِيما ذَكَرْنا؛ عَمَلًا بالأصل السَّالِمِ عنِ المُعارِض، (إِلاَّ أَنَّهَا تُضْرَبُ جَالِسَةً، وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا)، نَصَّ عَلَيهِما (^٣)، (وَتُمْسَكُ يَدَاهَا؛ لِئَلاَّ تَنْكَشِفَ)؛ لقَولِ عليٍّ: «تُضرَبُ المرأةُ جالِسَةً، والرَّجُلُ قائمًا» (^٤)، ولأِنَّ المرأةَ عَورةٌ، وهذا أسْتَرُ لها (^٥)، وهو مَطْلوبٌ في نَظَرِ الشَّرْعِ، بدليلِ أنَّه يُشرَعُ لها في الصَّلاة أنْ تَجمَعَ نَفْسَها في الرُّكوع والسُّجود.
(وَالْجَلْدُ فِي الزِّنَى أَشَدُّ الْجَلْدِ، ثُمَّ جَلْدُ الْقَذْفِ، ثُمَّ الشُّرْبِ)، نَصَّ عَلَيهِ (^٦)، (ثُمَّ التَّعْزِيرِ).
قال مالِكٌ: كلُّها واحِدٌ (^٧)؛ لأِنَّ المقصودَ بها الزَّجْرُ، فيَجِبُ تَساوِيها في الصِّفَة.
وقال أبو حَنِيفةَ (^٨): أشَدُّها التَّعزيرُ، ثُمَّ الزِّنى، ثُمَّ شُرْبُ الخمر، ثُمَّ القَذْف، قال في «الكشاف»: لأِنَّ سَبَبَ عُقُوبَتِه مُحتَمِلٌ للصدق (^٩) والكَذِب،
_________________
(١) في (م): يقول.
(٢) في (م) و(ن): يعتبر.
(٣) ينظر: مسائل ابن منصور ٧/ ٣٤٥٦، زاد المسافر ٤/ ٣٢٧.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٣٥٣٢)، والبيهقي في الكبرى (١٧٥٨٢)، من طريق يحيى الجزار، عن علي ﵁، وهو منقطع بين يحيى وعلي ﵁. ينظر: الإرواء ٧/ ٣٦٥.
(٥) في (م): لهما.
(٦) ينظر: مسائل ابن منصور ٧/ ٣٦٣٢، زاد المسافر ٤/ ٣٢٧.
(٧) ينظر: التلقين ٢/ ١٩٩.
(٨) ينظر: الاختيار لتعليل المختار ٤/ ٩٢.
(٩) في (ن): الصدق.
[ ٩ / ٤٢٣ ]
إلاَّ أنَّه عُوقِبَ صِيانَةً لِلأْعْراضِ، ورَدْعًا بمن (^١) هَتَكَها (^٢).
وجَوابُه: أنَّ اللهَ تعالى خَصَّ الزِّنى بمَزيِدِ التَّأْكيدِ، بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النُّور: ٢]، ولأِنَّ ما دُونَه أخفُّ منه عَدَدًا، فلا يَجُوزُ أنْ يَزِيدَ في (^٣) إيلامه (^٤) وَوَجَعِه، ولأِنَّ ما خَفَّ في عَدَدِه كان أخفَّ في صِفَتِه، وحدُّ القَذْفِ حقُّ آدمي (^٥)، وحَدُّ الشُّرْب مَحْضُ حقِّ الله تعالى، والتَّعْزيرُ لا يُبلَغُ به الحَدُّ.
وقِيلَ: أخَفُّها حَدُّ الشُّرب إنْ قُلْنا: هو أرْبَعونَ جَلْدة، ثُمَّ حد (^٦) القَذْفِ.
(وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ) أوْ نائبُه (الضَّرْبَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ؛ فَلَهُ ذَلِكَ)؛ لأِنَّه ﵇ أُتِيَ بِشارِبٍ، فقال: «اضْرِبُوهُ»، فضُرِبَ (^٧) بالأَيْدِي والنِّعال وأطْرافِ الثِّيابِ وحَثوا عَلَيهِ التُّرابَ (^٨).
_________________
(١) في (م): عن.
(٢) ينظر: الكشاف للزمخشري ٣/ ٢١٣.
(٣) قوله: (في) سقط من (م).
(٤) في (ظ): إتلافه.
(٥) في (م): الآدمي.
(٦) قوله: (حد) سقط من (ن).
(٧) قوله: (فضرب) سقط من (ظ).
(٨) أخرجه الشافعي كما في المسند (ص ٢٨٥)، وأبو داود (٤٤٨٧)، والطبراني في الكبير (١٠٠٣)، والدارقطني (٣٣٢٥)، والبيهقي في الكبرى (١٧٥٣٧)، من طريق الزهري، عن عبد الرحمن بن أزهر قال: رأيت النبي ﷺ عام حنين سأل عن رحل خالد بن الوليد، فجريت بين يديه أسأل عن رحل خالد بن الوليد، حتى أتاه جريحًا، وأُتي النبي ﷺ بشارب فقال: «اضربوه»، فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب وحثوا عليه من التراب. وهو منقطع، قال أبو زرعة وأبو حاتم: (إن الزهري لم يسمع من عبد الرحمن)، ويشهد له ما أخرجه البخاري (٦٧٧٦)، ومسلم (١٧٠٦)، من حديث أنس ﵁: «جلد النبي ﷺ في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين». ينظر: علل ابن أبي حاتم ٤/ ١٧٢، البدر المنير ٨/ ٧١٥.
[ ٩ / ٤٢٤ ]
وفي «المُذهب» و«البلغة»: وأيْدٍ (^١)؛ للخبر.
وفي «الوسيلة»: يستوفى بالسَّوط في ظاهر (^٢) كلامِ أحمدَ والخِرَقِيِّ.
وفي «الموجز» (^٣): لا يُجزِئُ بِيَدٍ وَطَرَفِ ثَوبٍ.
وفي «التبصرة»: لا يُجزِئُ بطَرَفِ ثَوبٍ ونَعْلٍ.
ويُؤخَّرُ سَكْرانُ حتَّى يَصْحُوَ، نَصَّ عليه، فلو خالَفَ وفَعَلَ؛ احْتَمَلَ السُّقوطَ، وهو أَوْلَى، واحْتَمَلَ عَدَمَه.
فرعٌ: يحرم (^٤) حبسه (^٥) بَعْدَ حَدٍّ، نَصَّ عليه (^٦)، وأذاه بكلامٍ؛ كالتَّعْيير على كلامِ القاضي وابنِ الجَوزِيِّ؛ لِنَسْخِه بِشَرْعِ (^٧) الحدِّ (^٨)؛ كنَسْخِ حَبْسِ المرأة.
(قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُؤَخَّرُ الْحَدُّ لِلْمَرَضِ)، وقالَهُ في «الوجيز» وزاد: والضَّعف؛ لأِنَّه لا فائدةَ فيه إذا كان قَتْلُه مُتَحَتِّمًا، وكذا إنْ كان (^٩) جَلْدًا عِنْدَ أكثر (^١٠) الأصْحابِ، وقالَهُ إسْحاقُ وأبو ثَورٍ؛ لأِنَّ «عُمَرَ أقام الحَدَّ على قدامة (^١١) بنِ مَظْعونٍ في مَرَضِه ولم يُؤخِّرْه» (^١٢)، وانتشر ذلك في الصَّحابة ولم
_________________
(١) في (م): زائد.
(٢) قوله: (في ظاهر) في (ن): وظاهر.
(٣) في (ن): «الوجيز».
(٤) في (ن): ويحرم.
(٥) في (م): حسبه.
(٦) ينظر: الفروع ١٠/ ٣٥.
(٧) في (م): نسخه يتشرع.
(٨) قوله: (الحد) سقط من (م) و(ن).
(٩) قوله: (وكذا إن كان) في (م): وكان.
(١٠) قوله: (أكثر) سقط من (م).
(١١) في (ن): قرابة.
(١٢) أخرجه عبد الرزاق (١٧٠٧٦)، وابن شبة في تاريخ المدينة (٣/ ٨٤٢)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه البيهقي في الكبرى (١٧٥١٦)، في خبر طويل، قال ابن حجر في الفتح ١٣/ ١٤١: (سندها صحيح).
[ ٩ / ٤٢٥ ]
يُنكَرْ، فكان كالإجماع، ولأِنَّ الحَدَّ واجِبٌ على الفَور، ولا يُؤخَّرُ ما أوْجَبَه اللهُ تعالى بغَيرِ حُجَّةٍ.
وقال القاضي: ظاهِرُ قَولِ الخِرَقِيِّ له تأخيرُه، وهو قَولُ الأَكْثَرِ؛ لحديثِ عليٍّ في التي هي حديثةُ عَهْدٍ بنِفاسٍ (^١)، ولأِنَّ في تأخيره (^٢) إقامة الحَدِّ على الكمال مِنْ غَيرِ إتْلافٍ، فكان أَوْلَى، ومَرَضُ قُدامَةَ؛ يَحتَمِلُ أنَّه كان خفيفًا لا يَمنَعُ مِنْ إقامةِ الحَدِّ على الكمال، ثُمَّ إنَّ فِعْلَ النَّبيِّ ﷺ يُقدَّم على فِعْلِ عمرَ، مع أنَّه اخْتِيارُ عليٍّ وفِعْلُهُ.
وكذا الحكم في تأخيره لِحَرٍّ أوْ بَرْدٍ مُفرِطٍ.
(فَإِنْ (^٣) كَانَ جَلْدًا، وَخُشِيَ (^٤) عَلَيْهِ مِنَ السَّوْطِ)؛ لم يتعيَّنْ على الأصحِّ؛ (أُقِيمَ بِأَطْرَافِ الثِّيَابِ وَالْعُثْكُولِ (^٥)؛ لِمَا رَوَى أبو أمامةَ بنُ سَهْلٍ، عن سعد (^٦) ابنِ عُبادةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَهُم أنْ يَأخُذُوا شِمْراخًا (^٧)، فيضربوه (^٨) بها
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧٠٥)، عن علي ﵁: أن أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فقال: «أحسنت».
(٢) في (م): خيره.
(٣) في (م): وإن.
(٤) في (م): أو خشي.
(٥) قال في المطلع ص ٤٥٢: (العثكول بوزن عصفور، والعثكال بوزن مفتاح: كلاهما: الشمراخ، وهو في النخل بمنزلة العنقود في الكرم).
(٦) قوله: (عن سعد) سقط من (م).
(٧) كتب في هامش (ن): (لعله عثكالًا، فيه مائة).
(٨) في (ن): فتضربوه.
[ ٩ / ٤٢٦ ]
ضَرْبَةً» رواه أحمدُ وابنُ ماجَهْ، ورواه أبو داودَ والنَّسائيُّ بإسْنادٍ حَسَنٍ عن أبي (^١) أمامةَ، عن بعضِ الصَّحابة من الأنصار، ورواه سعيدٌ، عن سُفيانَ، عن أبي الزِّناد ويحيى بن سعيدٍ سَمِعَا أبا أُمامَةَ مُرسَلًا، قال (^٢) ابنُ المنذِر: في إسْنادِهِ مَقالٌ (^٣)، ولأِنَّه لا يَجُوزُ تَرْكُه بالكُلِّيَّة؛ لأِنَّه يُخالِفُ الكتابَ والسُّنَّةَ، ولا جَلْدُه تامًّا؛ لأِنَّه يُفْضِي إلى إتْلافِه، فتعيَّن ما ذَكَرْنا.
(وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يُؤَخَّرَ فِي الْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ زَوَالُهُ)؛ لأِنَّ في تأخيرِه اسْتِيفاءَ الحدِّ على وجْهِ الكمال مِنْ غَيرِ خوف (^٤) فَواتِه، وبه فارَقَ المريضَ الذي لا يُرجَى زوالُه؛ لأِنَّه يُخافُ فَواتُ الحَدِّ.
فرعٌ: ذَكَرَ الخرَقِيُّ أنَّ العبد (^٥) يُضرَبُ بدونِ سَوطِ الحُرِّ؛ لأِنَّ حَدَّه أقلُّ عددًا، فيكونُ أخفَّ سَوطًا.
والظَّاهِرُ التَّسْوِيَةُ بَينَهما فيه؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النِّسَاء: ٢٥]، ولا يُتحقَّقُ التَّنصيف (^٦) إذا نَصَّفْنا العددَ إلاَّ مع
_________________
(١) قوله: (أبي) سقط من (م).
(٢) في (ن): فقال.
(٣) أخرجه أحمد (٢١٩٣٥)، وابن ماجه (٢٥٧٤)، من طريق أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: كان بين أبياتنا رجل مخدج ضعيف، فلم يرع إلا وهو على أمة من إماء الدار يخبث بها، فرفع شأنه سعد بن عبادة إلى رسول الله ﷺ فقال: «اجلدوه ضرب مائة سوط» قالوا: يا نبي الله، هو أضعف من ذلك، لو ضربناه مائة سوط مات، قال «فخذوا له عثكالًا فيه مائة شمراخ فاضربوه ضربة واحدة». وأخرجه أبو داود (٤٤٧٢)، والنسائي في الكبرى (٧٢٦٧)، وابن الجارود (٨١٧)، وهذا الحديث اختلف في وصله وإرساله، ورجح إرساله الدارقطني والبيهقي، وقواه ابن القطان وقال: (الخلاف لا يضر) وكذا قال ابن الملقن، وحسن إسناده ابن حجر. ينظر: بيان الوهم ٥/ ٤٦٠، البدر المنير ٨/ ٦٢٦، البلوغ (١٢١٥)، الصحيحة (٢٩٨٦).
(٤) في (م): فوت.
(٥) في (م): السيد.
(٦) في (م): التنقيص.
[ ٩ / ٤٢٧ ]
تَساوِي السَّوطين (^١).
(وَإِذَا مَاتَ الْمَحْدُودُ فِي الْجَلْدِ)، ولو حدَّ خمرٍ، نَصَّ عليه (^٢)، أوْ تأديبٍ أوْ تعزيرٍ، ولم يَلزَمْ تأخيرُه؛ (فَالْحَقُّ قَتَلَهُ)، ولا ضَمانَ على أحدٍ، جَلْدًا كان أوْ غيره (^٣)؛ لأِنَّه حدٌّ وجب (^٤) لله تعالى، فلم يَجِبْ فيه شَيءٌ؛ كالقَطْع في السَّرِقة.
وهذا إذا أَتَى به (^٥) على الوَجْه المَشْروعِ مِنْ غَيرِ زيادةٍ؛ لأِنَّه نائِبٌ عن الله تعالى، فكان التَّلَفُ مَنسوبًا إليه.
وقِيلَ: يَضمَنُ المؤدِّبُ.
(وَإِنْ زَادَ سَوْطًا)، أَوْ في السَّوط، (أَوْ أَكْثَرَ، فَتَلِفَ؛ ضَمِنَهُ (^٦)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (^٧)؛ لأِنَّه تَلِفَ بِعُدْوانِه، أشْبَهَ ما لو ضربه (^٨) في غَيرِ الحَدِّ.
(وَهَلْ يَضْمَنُ جَمِيعَهُ، أَوْ نِصْفَ الدِّيَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ):
أحدُهما، وهُو رِوايَةٌ: أنَّه تجب الدِّيَةُ كلُّها، ذَكَرَ القاضِي في الخِلاف: أنَّه أشْبَهُ بالمذْهَبِ، وقدَّمه في «الرِّعاية» و«الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه قَتْلٌ حَصَلَ من جِهَةِ الله تعالى وعُدْوانِ الضَّارِب، فكان الضَّمان على القادر (^٩)؛ كما لو ضَرَبَ مريضًا سَوطًا فَقَتَلَه، وكما لو ضَرَبَه بسَوطٍ لا يَحتَمِلُه.
_________________
(١) في (ظ): الشرطين.
(٢) ينظر: مسائل ابن منصور ٧/ ٣٤٩٨.
(٣) قوله: (كان أو غيره) في (م): وغيره.
(٤) في (م): واجب.
(٥) قوله: (أتى به) في (ن): ضربه.
(٦) قوله: (فتلف ضمنه) ضرب عليه في (م).
(٧) ينظر: المغني ٩/ ١٦٥.
(٨) قوله: (ضربه) في (ظ): رضي به.
(٩) قوله: (القادر) مكانه بياض في (م). وفي المغني ٩/ ١٦٥ والشرح الكبير ٢٦/ ٢٠١: العادي، وفي الكشاف: الضارب.
[ ٩ / ٤٢٨ ]
والثَّاني: نصفُ الدِّيَة، وقاله الأكْثَرُ؛ لأِنَّه تَلِفَ بفِعْلٍ مَضْمونٍ وغَيرِه، فَوَجَبَ نصفُها، كما لو جَرَحَ نفسه (^١)، أوْ جَرَحَه غَيرُه فمات، وسَواءٌ زاد خَطَأً أوْ عَمْدًا؛ لأِنَّه يَضمَنُ كالعمد.
وكذا إنْ قال له الإمامُ: اضْرِبْ ما شِئْتَ.
وقِيلَ: دِيَتُه على الأَسْواطِ إنْ زاد على الأربعين.
وفي «واضِحِ ابنِ عَقِيلٍ»: إنْ وَضَعَ في سفينةٍ كذا (^٢)، فلم تغرق (^٣)، ثُمَّ وَضَعَ قَفِيزًا فغَرِقَتْ؛ فغَرَقُها بهما (^٤) في أقْوَى الوَجْهَينِ. والثَّاني: بالقَفِيز.
وكذا الشِّبَعُ والرِّيُّ، والسَّيرُ (^٥) بالدَّابَّة فَراسِخَ، والسُّكر (^٦) بالقَدَح أو الأَقْداح، كما يَنْشَأُ (^٧) الغَضَبُ بكَلِمةٍ بَعْدَ أخرى، ويمتلئ (^٨) الإناءُ بقطْرةٍ بعْدَ قطْرةٍ، ويَحصُلُ العلمُ (^٩) بواحدٍ بَعْدَ واحِدٍ.
فرعٌ: إذا أُمِرَ بزيادةٍ، فزاد جَهْلًا؛ ضَمِنَه الآمِرُ، وإلاَّ فَوجْهانِ، وإنْ تعمَّده العادُّ فقط أوْ أخْطَأَ، وادَّعى الضَّارِبُ الجَهْلَ؛ ضَمِنَه العادُّ.
وتَعمُّدُ الإمامِ الزِّيادة؛ شِبْهُ عمدٍ تَحمِلُه العاقِلة، وقِيلَ: كخطأ (^١٠)، فيه الرِّوايَتانِ.
_________________
(١) في (م): نصفه.
(٢) كذا في النسخ الخطية، وسقط من (م)، والذي في الفروع ١٠/ ٣٧: كُرًّا.
(٣) في (م): فلم يغرق.
(٤) في (م): بينهما.
(٥) قوله: (والسير) سقط من (ن).
(٦) في (م): والمنكر.
(٧) في (م): يبنى، وفي (ن): ينبني.
(٨) في (ن): ويمثل.
(٩) قوله: (العلم) سقط من (م).
(١٠) في (م): خطأ.
[ ٩ / ٤٢٩ ]
(وَإِنْ (^١) كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا؛ لَمْ يُحْفَرْ لَهُ، رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، نَصَّ عليه (^٢)؛ لأِنَّه ﵇ لم يَحفِرْ لِمَاعِزٍ، قال أبو سعيدٍ: «لمَّا أَمَرَ رسولُ الله ﷺ بِرَجْمِ ماعِزٍ خرجْنا به إلى البقيع، فواللهِ ما حفرنا له، ولا أَوْثَقْناهُ، ولكِنْ قامَ لنا» رواه أحمدُ ومُسلِمٌ (^٣).
والمرأةُ كذلك، نَصَرَه في «المغْنِي»، وقدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ أكثرَ الأحاديثِ على تَرْكِ الحَفْرِ.
(وَفِي الآْخَرِ: إِنْ ثَبَتَ عَلَى الْمَرْأَةِ بِإِقْرَارِهَا؛ لَمْ يُحْفَرْ لَهَا، وَإِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ؛ حُفِرَ لَهَا إِلَى الصَّدْرِ (^٤)، اختاره في «الهداية» (^٥) و«الفصول» و«التَّبصرة»، وصحَّحه أبو الخَطَّاب؛ لِمَا رَوَى أبو بكرٍ (^٦): «أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَجَمَ امرأةً، فَحَفَرَ لها إلى الصَّدر» رواهُ أبو داودَ (^٧)، ولأِنَّ الحَفْرَ أسْتَرُ لها، ولا حاجةَ إلى تَمْكينِها من الهَرَب، بخِلافِ مَنْ أقرَّتْ؛ لأِنَّ رُجوعَها عن الإقرار مَقْبولٌ، والحفرُ يَمنَعُها من الهَرَبِ الذي هو (^٨) في مَعْنَى الرُّجوعِ قَولًا.
_________________
(١) في (م): وإذا، وفي (ظ): فإن.
(٢) ينظر: مسائل أبي داود ص ٣٠٤.
(٣) أخرجه أحمد (١١٥٨٩)، ومسلم (١٦٩٤)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، ولفظ المصنف عند أحمد.
(٤) قوله: (وفي الآخر ) إلى هنا هو في (م): وفي الآخر إن ثبت ببينة لها إلى الصدر.
(٥) في (م): «الهدي».
(٦) كذا في النسخ الخطية، وصوابه أبو بكرة كما في المصادر الحديثية وتحفة الأشراف ٩/ ٥١.
(٧) أخرجه أحمد (٢٠٣٧٨)، وأبو داود (٤٤٤٣)، والنسائي في الكبرى (٧١٥٨)، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في الكبرى (١٦٩٦٧)، من طريق زكريا أبي عمران، قال: سمعت شيخًا يحدث عن ابن أبي بكرة، عن أبيه: «أن النبي ﷺ رجم امرأة، فحفر لها إلى الثندوة»، وشيخ زكريا مبهم، وزكريا هو ابن سليم وهو مقبول، لكن للحديث شاهد عند مسلم (١٦٩٥) من حديث بريدة بن الحصيب ﵁، في قصة الغامدية وفيه: «ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها».
(٨) قوله: (هو) سقط من (ن).
[ ٩ / ٤٣٠ ]
وأطْلَقَ في «عُيونِ المسائل» وابنُ رَزينٍ: يُحفَرُ لها، فهو سِتْرٌ، بخِلافِ الرَّجُل.
وإذا ثَبَتَ ذلك؛ شُدَّ عَلَيها ثِيابُها؛ لِئَلاَّ تنكشف (^١)؛ لأِمْرِه ﷺ بذلك، رواهُ أبو داودَ مِنْ حديثِ عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ (^٢).
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ (^٣) الشُّهُودُ بِالرَّجْمِ)؛ أيْ: إذا ثَبَتَ بها.
ويَجِبُ حضورُ الإمام أوْ نائبِه.
وقال أبو بكرٍ عن قَولِ ماعِزٍ: «رُدُّونِي إلى النَّبيِّ ﷺ، فإنَّ قَومِي غَرُّونِي (^٤)» (^٥): يَدُلُّ على أنَّه ﵇ لم يَحضُرْ رجمَه (^٦)، فبهذا أَقُولُ.
وحُضورُ طائِفةٍ، ولو واحِدًا، ذَكَرَه أصْحابُنا، وهو قَولُ ابنِ عبَّاسٍ، رواهُ ابنُ أبي طَلْحةَ، وهو مُنقَطِعٌ (^٧).
_________________
(١) في (ن): ينكشف.
(٢) أخرجه مسلم (١٦٩٦)، وأبو داود (٤٤٤٠)، وفيه: «أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها»، ففعل، فأمر بها نبي الله ﷺ، فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت. الحديث.
(٣) في (ن): تبدأ.
(٤) في (م): عيروني.
(٥) أخرج هذه اللفظة أحمد (١٥٠٨٩)، وأبو داود (٤٤٢٠)، من طريق ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن الحسن بن محمد بن علي، عن جابر ﵁، وصرح ابن إسحاق بسماعه عند أبي داود، قال الألباني: (وهذا إسناد جيد)، وأخرجه النسائي في الكبرى (٧١٦٨)، من طريق ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم، عن أبي عثمان بن نصر بن دهر الأسلمي، عن أبيه، وأبو عثمان مقبول. ينظر: الإرواء ٧/ ٣٥٤.
(٦) قوله: (لم يحضر رجمه) في (م): لم ويحضر رحله، وقوله: (رجمه) في (ن): وجه.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (١٤١٠٩)، من طريق معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: «الطائفة الرجل فما فوق»، وعلقه ابن المنذر في الإشراف (٧/ ٢٥٩)، وابن حزم في المحلى (١٢/ ٢١٧)، وعلي بن طلحة لم يسمع من ابن عباس، إلا أن روايته عنه صحيفة معتبرة عند جماعة من أهل العلم؛ لكونه أخذها عن مجاهد وعكرمة. ينظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٧٥، المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٤٠.
[ ٩ / ٤٣١ ]
واختار في «البلغة»: اثْنانِ؛ لأِنَّ الطَّائفةَ الجَماعةُ، وأقَلُّها اثنانِ، نَقَلَ أبو داودَ: تجيء (^١) النَّاسُ صُفوفًا لا يَختَلِطونَ، ثُمَّ يَمْضُونَ صفًّا صفًّا (^٢).
وذكَرَ أبو المعالي: أنَّ الطَّائفةَ تُطلَقُ على الأربعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النُّور: ٢] لأنَّه أوَّلُ شهود الزِّنى.
وإنْ ثَبَتَ بإقْرارٍ؛ سُنَّ بَدْأَةُ إمامٍ (^٣) به، أوْ مَنْ يُقِيمُه.
(وَمَتَى رَجَعَ الْمُقِرُّ بِالْحَدِّ)؛ أيْ: بحَدِّ زِنًى أوْ سَرِقَةٍ أوْ شُرْبٍ، (عَنْ إِقْرَارِهِ؛ قُبِلَ مِنْهُ)؛ أيْ: يُشتَرَطُ لإقامةِ الحَدِّ بالإقرار: البقاءُ عليه إلى تمامِ الحَدِّ، فإنْ رَجَعَ قَبْلَه؛ كُفَّ عنه، وهو قَولُ أكثرِ العلماء، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (ثَبَتَ مِنْ حديثِ أبي هُرَيرةَ، وجابِرٍ، ونُعَيمٍ، ونَصْرِ بنِ دارهم (^٤)، وغيرِهم: أنَّ ماعِزًا لَمَّا هَرَبَ وقال لهم: رُدُّونِي إلى رسولِ الله ﷺ، قال: «فهلاَّ تَرَكْتُموهُ يَتُوبُ فيَتُوبَ اللهُ عَلَيهِ» (^٥) (^٦)؛ ولأِنَّ رُجوعَه شبهة (^٧)، وكالبينة (^٨) إذا
_________________
(١) في (م): يجيء.
(٢) في (م): ثم يصفوا صفًا. وينظر: مسائل أبي داود ص ٣٠٤.
(٣) في (ن): الإمام.
(٤) في (م): دراهم. والصواب كما في المصادر الحديثية: دهر.
(٥) سبق تخريج أحاديثهم، إلا من حديث نعيم بن هَزَّال ﵁ فأخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٧٦٧)، وأحمد (٢١٨٩٠)، وأبو داود (٤٤١٩)، من طريق هشام بن سعد، أخبرني يزيد بن نعيم بن هزال، عن أبيه … الحديث، قال ابن عبد الهادي: (هذا الإسناد صالح، وهشام بن سعد: روى له مسلم، وقد تكلم فيه من قبل حفظه … وأبوه: نعيم بن هزال مختلف في صحبته، فإن لم تثبت صحبته فآخر هذا الحديث مرسل)، وأخرجه النسائي في الكبرى (٧٢٣٩)، من أوجه أخر وفيها اختلاف حكاه، وحسن إسناده ابن حجر والألباني. ينظر: تنقيح التحقيق ٤/ ٥٣٥، التلخيص الحبير ٤/ ١٦٤، الإرواء ٧/ ٣٥٨.
(٦) ينظر: التمهيد ١٢/ ١١٣.
(٧) في (م): شبه.
(٨) في (م): كالبيت، وفي (ن): كالبينة.
[ ٩ / ٤٣٢ ]
رَجَعَتْ قَبْلَ إقامةِ الحَدِّ عليه (^١).
وقِيلَ: يُقبَلُ رُجوعُه في الزِّنى فَقْطَ، وقِيلَ: يُقبَلُ رُجوعُ مُقِرٍّ بمالٍ.
وعلى الأوَّل: إذا تمَّم (^٢)؛ ضَمِنَ الرَّاجِعَ بالمال لا الهارِبَ، ولا قَوَدَ؛ للاخْتِلاف في صحَّةِ الرُّجوع، فكان شُبهةً.
(وَإِنْ رَجَعَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِّ؛ لَمْ يُتَمَّمْ)؛ لأِنَّ جميعَه يَسقُطُ بالرُّجوع، فلأن (^٣) يسقُط تمامُه بطَريقِ الأولى (^٤).
(وَإِنْ رُجِمَ بِبَيِّنَةٍ، فَهَرَبَ؛ لَمْ يُتْرَكْ)؛ لأِنَّه ثَبَتَ على وَجْهٍ لا يَبطُلُ برُجوعه، أشْبَهَ سائرَ الأحكام.
(وَإِنْ كَانَ بِإِقْرَارٍ؛ تُرِكَ (^٥)؛ لقوله ﵇: «هلاَّ (^٦) تَرَكْتُمُوهُ»، فإنْ لَمْ يُترَكْ، وقُتِل (^٧)؛ فلا ضَمانَ؛ لِقِصَّةِ ماعِزٍ، ولأِنَّ ذلك لَيسَ بصريحٍ في رُجوعِه.
فإنْ قال: ردُّوني إلى (^٨) الحاكِمِ؛ وَجَبَ ردُّه، ولم يَجُزْ إتمامُ الحدِّ، فإنْ أُتِمَّ؛ فلا ضَمانَ؛ لِمَا ذُكِر (^٩) في هَرَبِه.
مسائلُ:
إذا أَتَى حَدًّا؛ سَتَرَ نَفْسَه، نَقَلَ مُهَنَّى: رجلٌ زَنَى يَذهَبُ يُقِرُّ؟ قال: بل (^١٠)
_________________
(١) في (م): علة.
(٢) زيد في (م): رجع.
(٣) في (م): فالآن.
(٤) في (م): أولى.
(٥) قله: (بإقرار ترك) في (م): باق أو ترك.
(٦) في (م): لا.
(٧) في (ظ): وقيل.
(٨) قوله: (إلى) سقط من (ن).
(٩) في (م): ذكره.
(١٠) قوله: (بل) سقط من (ظ) و(م).
[ ٩ / ٤٣٣ ]
يَستُرُ نَفْسَه (^١)، واسْتَحَبَّ القاضي - إن شاع (^٢) -؛ رَفْعَه إلى حاكمٍ (^٣) لِيُقِيمَه عليه.
وقال ابنُ حامِدٍ: إن تعلَّقت التَّوبةُ بظاهرٍ (^٤)؛ كصلاةٍ وزكاةٍ، أظْهَرَها، وإلاَّ أسرَّ (^٥).
وإنْ قال لإمامٍ (^٦): أصبتُ حَدًّا؛ لم يَلزَمْه شَيءٌ ما لم يبيِّنه (^٧)، نَقَلَه الأثْرَمُ (^٨).
ويُحَدُّ مَنْ زَنَى هَزِيلًا، ولو بعد (^٩) سِمَنِه، كذا عقوبةُ الآخِرة؛ كَمَنْ قُطعت (^١٠) يَدُهُ ثُمَّ زَنَى، أُعِيدَتْ بَعْدَ بَعْثه وعُوقِبَ، ذَكَرَه في «الفنون»، فالحدُّ (^١١) كفَّارةٌ لذلك الذَّنْب؛ للخبر (^١٢)، نَصَّ عليه (^١٣).
_________________
(١) ينظر: زاد المسافر ٤/ ٣٤٧.
(٢) في (ظ) و(م): ساغ. والمثبت موافق للفروع ١٠/ ٤٠.
(٣) في (م): الحاكم.
(٤) في (م): به بظاهره.
(٥) في (م): استتر.
(٦) في (م): للإمام، وفي (ظ): الإمام.
(٧) في (م): ما لم يعينه، وفي (ن): ما لم يثبته.
(٨) ينظر: الفروع ١٠/ ٤٠.
(٩) في (م): نور.
(١٠) في (م): قطع.
(١١) في (م): والحد.
(١٢) قوله: (للخبر) سقط من (م). والمراد بالخبر: ما أخرجه البخاري (٤٨٩٤)، ومسلم (١٧٠٩)، عن عبادة ﵁ مرفوعًا: «ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له».
(١٣) ينظر: زاد المسافر ٤/ ٣٤٦، الفروع ١٠/ ٤٠.
[ ٩ / ٤٣٤ ]