الرّضاعُ: بفَتْحِ الرَّاء وكَسْرِها، مَصدَرُ رَضعَ الثَّدْيَ إذا مَصَّه، بفَتح الضَّاد وكَسْرِها، قال ابنُ الأعرابيِّ: الكَسْرُ أفْصَحُ، وله سَبْعُ مَصادِرَ.
وقال المُطَرِّزِيُّ في «شرحه» (^١): امرأةٌ مُرضِعٌ إذا كانَتْ تُرضِعُ ولدَها ساعةً بَعْدَ ساعةٍ، وامرأةٌ مُرضِعةٌ إذا كان (^٢) ثَديها في (^٣) فِيْ وَلَدِها، قال ثَعلَبٌ: ويَدُلُّ عليه قَولُه تعالى: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾ (^٤).
وقِيلَ: المرْضِعةُ الأُمُّ، والمُرْضِعُ: التي معها صبيٌّ تُرضِعُه، والوَلَدُ: رَضِيعٌ وراضِعٌ.
وشَرعًا: وُصولُ لَبَنِ آدَمِيَّةٍ إلى جَوفِ صغيرٍ حيٍّ.
وأَوْلَى منه: مصُّ (^٥) لَبَنٍ ثَابَ مِنْ حَمْلٍ، مِنْ ثَدْيِ امرأةٍ، أوْ شُرْبُه ونحوُه.
وأصلُ التَّحريم ثابِتٌ بالإجْماع (^٦)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]، والأحاديثُ شهيرةٌ بذلك، وقد ثَبَتَ تحريمُ الأمِّ والأُخْت بالنَّصِّ، وتَحريمُ البِنْت وغَيرِها ثَبَتَ بالسُّنَّة، ولأِنَّها إذا حَرُمَت الأُخْتُ؛ فالْبِنْتُ أَوْلَى.
_________________
(١) هو: أبو الفتح، برهان الدين، ناصر بن عبد السيد الخوارزمي، المطرزي، من فقهاء الحنفية، قال الذهبي: (كان رأسًا في فنون الأدب، داعية إلى الاعتزال)، من مصنفاته: الإيضاح، المغرب في ترتيب المعرب، مات سنة ٦١٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ٢٨، الجواهر المضية ١/ ٤١٠.
(٢) قوله: (كان) سقط من (م).
(٣) قوله: (في) سقط من (م).
(٤) ينظر: المطلع ص ٤٢٥، الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي ٣/ ٦٩٨.
(٥) في (م): مضي.
(٦) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٨٢، مراتب الإجماع ص ٦٧.
[ ٨ / ٦٢٩ ]
(وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَسَبِ)، قاله النَّبيُّ ﷺ حِينَ أُرِيدَ على ابْنَةِ حَمْزةَ، فقال: «إنَّها (^١) لا تَحِلُّ لي، إنَّها لَابْنَةُ أخِي من الرَّضاعة، ويَحرُمُ مِنْ الرَّضاعة ما يَحرُمُ من النَّسب» مُتَّفَقٌ عليه مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ (^٢)، وعن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ، قال: «الرّضاعُ يُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الوِلادةُ» مُتَّفَقٌ عليه (^٣).
(وَإِذَا حَمَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ رَجُلٍ ثَبَتَ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْهُ)؛ أيْ: يكونُ لاحِقًا بالواطِئِ، يَحتَرِزُ بذلك: عن (^٤) الوَلَدِ المنفَيِّ باللِّعان ونحوِه؛ (فَثَابَ لَهَا لَبَنٌ)، يُخرِجُ بذلك: ما لو كان لها لَبَنٌ مِنْ غَيرِه، فإنَّه لا يكونُ ولدًا للرَّجل؛ لأِنَّ اللَّبنَ لَيسَ منه، (فَأَرْضَعَتْ (^٥) بِهِ طِفْلًا؛ صَارَ وَلَدًا لَهُمَا)؛ أيْ: للمرأة (^٦) بغَيرِ خِلافٍ (^٧)، وكذا لِمَنْ يُنسَبُ الحَمْلُ إليه، (فِي تَحْرِيمِ النِّكَاحِ)؛ لأِنَّ اللهَ تعالى عَطَفَ الأمَّ من الرَّضاع على المحرَّمات نكاحُهنَّ من النسب (^٨)، (وَإِبَاحَةِ النَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ)؛ لأِنَّ الأمَّ من الرَّضاعِ مُحرَّمةٌ على التَّأْبيد، أشْبَهَت الأمَّ من النَّسَب، (وَثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ)؛ لأِنَّها فَرْعٌ على التَّحريم إذا كان بسببٍ مُباحٍ.
وفي ذلك إشْعارٌ بأنَّه لا يَصِيرُ وَلَدًا في شَيءٍ مِنْ بقيَّةِ أحْكامِ النَّسَب؛ من النَّفقة، والعِتْق، وردِّ الشَّهادة، وغيرِ ذلك؛ لأِنَّ النَّسَبَ أقْوَى منه، فلا يُقاسُ عليه.
(وَأَوْلَادُهُ وَإِنْ سَفَلُوا أَوْلَادُ وَلَدِهِمَا)؛ لأِنَّهم أوْلادُ الطِّفل، وهو وَلَدُهما.
_________________
(١) في (م): قال: لأنها.
(٢) أخرجه البخاري (٥١٠٠)، ومسلم (١٤٤٧)، واللفظ لمسلم.
(٣) أخرجه البخاري (٣١٠٥)، ومسلم (١٤٤٤)، ولفظهما: «الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة».
(٤) قوله: (عن) سقط من (م).
(٥) في (م): فإن أرضعت.
(٦) في (م): للمرضعة.
(٧) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٨٢، مراتب الإجماع ص ٦٧.
(٨) في (م): بالنسب.
[ ٨ / ٦٣٠ ]
(وَصَارَا أَبَوَيْهِ)؛ لأِنَّه ولدهما (^١)، (وَآبَاؤُهُمَا أَجْدَادَهُ وَجَدَّاتِهِ)، وجميعُ أقارِبهما يُنسَبونَ إلى المرتَضِع، كما يُنسَبونَ إلى وَلَدِهما من النَّسَب؛ لأِنَّ اللَّبَنَ الذي ثابَ للمرأة مَخلوقٌ مِنْ ماءِ الرَّجُل والمرأةِ، فنَشَرَ التَّحريمَ إلَيهِما، ونَشَرَ الحُرْمةَ إلى الرَّجُل وإلى أقاربه، وهو الذي يُسَمَّى لَبَنَ الفَحْلِ؛ لقَولِه ﷺ لِعائشةَ لَمَّا سَأَلَتْه عن أفْلَحَ حِينَ قال لها: أتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وأنا (^٢) عمُّكِ، فقالَتْ: كَيفَ ذلك؟ فقال (^٣): أرْضَعَتْكِ امرأةُ أخِي بلَبَنِ أخي (^٤)، فقال: «صَدَقَ أفْلَحُ، ائْذَنِي له» مُتَّفَقٌ عليه، ولَفْظُه للبُخاريِّ (^٥)، وسُئِلَ ابنُ عبَّاسٍ عن رجلٍ له جارِيَتانِ، فأرْضَعَتْ إحْداهُما جاريةً، والأُخْرَى غُلامًا؛ أيَحِلُّ للغُلامِ أنْ يَتزَوَّجَ الجاريةَ؟ فقال: لا، اللِّقاحُ واحِدٌ» رواهُ مالِكٌ، والتِّرمذي وقال: هذا تَفْسيرُ لَبَنِ الفَحْلِ (^٦).
(وَإِخْوَةُ الْمَرْأَةِ وَأَخَوَاتُهَا؛ أَخْوَالَهُ وَخَالَاتِهِ)؛ لأِنَّه وَلَدُ أخْتِهم، (وَإِخْوَةُ الرَّجُلِ وَأَخَوَاتُهُ؛ أَعْمَامَهُ (^٧) وَعَمَّاتِهِ)؛ لأِنَّه وَلَدُ أَخِيهِم.
(وَتُنْشَرُ (^٨) حُرْمَةُ الرَّضَاعِ مِنَ الْمُرْتَضِعِ إِلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ (^٩) أَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا، فَيَصِيرُونَ أَوْلَادًا لَهُمَا)؛ لأِنَّ الرّضاعَ كالنَّسَب، والتَّحريمُ في النَّسَب
_________________
(١) قوله: (وصارا أبويه لأنه ولدهما) سقط من (م).
(٢) في (م): فأنا.
(٣) قوله: (فقال) سقط من (م).
(٤) قوله: (أخي بلبن أخي) في (م): أختي.
(٥) أخرجه البخاري (٢٦٤٤)، ومسلم (١٤٤٥).
(٦) أخرجه مالك (٢/ ٦٠٢)، ومن طريقه الشافعي كما في المسند (ص ٣٠٦)، وعبد الرزاق (١٣٩٤٢)، وسعيد بن منصور (٩٦٦)، والتِّرمذي (١١٤٩)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٧) في (م): وأعمامه.
(٨) في (ظ): وينشر.
(٩) قوله: (أولاده وأولاد) في (م): أولاد.
[ ٨ / ٦٣١ ]
يَشْمَلُ وَلَدَ الولدِ وإنْ سَفَلَ، فكذا في (^١) الرَّضاع.
(وَلَا يَنْشُرُ إِلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ)؛ أي: المرتَضِع، (مِنْ إِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ)؛ لأِنَّها لا تَنشر (^٢) في النَّسَب، فكذا في الرَّضاع.
(وَلَا مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ؛ مِنْ آبَائِهِ، وَأُمَّهَاتِهِ، وَأَعْمَامِهِ، وَعَمَّاتِهِ، وَأَخْوَالِهِ، وَخَالَاتِهِ)؛ لأِنَّ الحُرْمةَ إذا لم تُنشَر (^٣) إلى مَنْ هُو في الدَّرِجة؛ فلأن لا تُنشَر (^٤) إلى مَنْ هو أعْلَى منه بطَريقِ الأَوْلَى.
(فَلَا تَحْرُمُ الْمُرْضِعَةُ عَلَى أَبِي (^٥) الْمُرْتَضِعِ، وَلَا أَخِيهِ، وَلَا أُمُّ الْمُرْتَضِعِ، وَلَا أُخْتُهُ عَلَى أَبِيهِ مِنَ الرَّضَاعِ، وَلَا أَخِيهِ (^٦)، فيَجوزُ للمُرْضِعةِ نكاحُ أَبِي الطِّفْل المرتَضِع، وأخِيهِ، وعمِّه، وخالِه.
ولا يَحرُمُ على زَوجِ المرضِعة (^٧) نكاحُ أمِّ الطِّفل المرتَضِعِ، ولا أُخْتِه، ولا عَمَّتِه، ولا خالَتِه.
ولا بَأْسَ أنْ يَتزوَّجَ أوْلادُ المرْضِعة وأوَلادُ زَوجِها إخْوةَ الطِّفل المرتَضِعِ وأخَواتِه، قال أحمدُ: (لا بأس (^٨) أنْ يَتزَوَّجَ الرَّجلُ أُخْتَ أخيهِ من الرّضاع، لَيسَ بَينَهما رضاعٌ ولا نَسَبٌ، وإنَّما الرّضاعُ بَينَ الجارِيَةِ وأخِيهِ) (^٩).
وفي «الرَّوضة»: لو ارْتَضَعَ ذَكَرٌ وأُنْثَى من امْرأةٍ؛ صارَتْ أُمًّا لهما (^١٠)،
_________________
(١) قوله: (في) سقط من (م).
(٢) في (م): لا تنتشر.
(٣) في (م): لم تنتشر.
(٤) في (م): لا تنتشر.
(٥) في (م): ابن.
(٦) في (م): ولا أخته.
(٧) في (م): المرتضعة.
(٨) قوله: (أن يتزوج أولاد المرضعة وأولاد …) إلى هنا سقط من (م).
(٩) ينظر: مسائل عبد الله ص ٣٣٦.
(١٠) قوله: (لهما) سقط من (م).
[ ٨ / ٦٣٢ ]
فلا يَجوزُ لأِحَدِهما أنْ يَتزَوَّجَ بالآخَرِ، ولا بأخَواتِه الحادِثاتِ بعده (^١)، ولا بَأْسَ بتَزويجِ أخَواتِه الحادِثاتِ قَبْلَه، ولِكُلٍّ مِنْهُما أنْ يَتزوَّجَ أُخْتَ الآخَرِ.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِ وَلَدِهَا مِنَ الزِّنَى طِفْلًا؛ صَارَ وَلَدًا لَهَا)؛ لأِنَّه رَضَعَ مِنْ لَبَنِها حقيقةً، (وَحَرُمَ عَلَى الزَّانِي تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ)، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه وَلَدُ مَوطُوءَتِه من الوَطْءِ الحرامِ، وهو كالحلال (^٢)، (وَلَمْ تَثْبُتْ حُرْمةُ الرَّضَاعِ فِي حَقِّهِ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ)، واخْتارَه ابنُ حامِدٍ؛ لأِنَّ مِنْ شَرْطِ ثُبوتِ المحْرَمِيَّةِ بَينَ المرتَضِعِ وبَينَ الرَّجل الذي ثَابَ اللَّبَنُ بِوَطْئِه: أنْ يكونَ لَبَنُ حَمْلٍ يُنْسَبُ إلى الواطئ (^٣)، فأمَّا وَلَدُ الزِّنى ونَحوِه فلا.
(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَثْبُتُ)؛ أيْ: ينشر (^٤) الحُرمةَ بَينَهما؛ أيْ: بَينَه وبَينَ الواطِئِ؛ لأنه (^٥) مَعْنًى ينشر (^٦) الحرمة، فاسْتَوَى مُباحُه ومَحظُورُه؛ كالوطء، ولأِنَّه رضاعٌ يَنشُر الحُرْمةَ إلى المرضِعة، فنَشَرَها إلى الواطِئ؛ كصُورةِ الإجْماع.
وفي مَسائِلِ صالِحٍ: حدَّثنا أبي، عن سُفْيانَ، عن عَمْرٍو، عن أبي الشَّعْثاء، عن عِكْرَمةَ، في رجُلٍ فَجَرَ بامرأةٍ، فرآها (^٧) تُرضِعُ جاريةً؛ هل تَحِلُّ له أمْ لا؟ قال: لا (^٨)، قال أبي: وبهذا (^٩) أَقُولُ أنا (^١٠).
_________________
(١) في (م): بعد.
(٢) في (م): الحلال.
(٣) في (م): الوطء.
(٤) في (م): تنشر.
(٥) قوله: (بينه وبين الواطئ؛ لأنه) في (م): بين الوطء؛ لأن.
(٦) في (م): تنشر.
(٧) في (م): فرماها.
(٨) قوله: (لا، قال: لا) سقط من (م).
(٩) في (م): ولهذا.
(١٠) ينظر: مسائل صالح ١/ ٣٥٢. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٠٦).
[ ٨ / ٦٣٣ ]
والأوَّل أَوْلَى، ويُفرَّقُ بَينَها (^١) وبَينَ ابْنَتِه من الزِّنى، فإنَّها من (^٢) نُطْفَتِه حقيقةً، ويُفارِقُ تحريمَ المصاهَرَة، فإنَّ التَّحريمَ لا يَقِفُ على ثبوت النَّسَب، ولهذا تَحرُمُ أُمُّ زَوجَتِه وابْنتُها مِنْ غَيرِ نَسَبٍ، وتحريمُ الرّضاع مَبْنِيٌّ على النسب (^٣) بقوله ﵇: «يَحرُمُ من الرَّضاع ما يَحرُمُ من النَّسَب» (^٤).
(قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَكَذَلِكَ الْوَلَدُ الْمَنْفِيُّ بِاللِّعَانِ)، هذا هو المذْهَبُ؛ أيْ: حُكْمُه حكمُ ولدِ الزِّنى؛ لاِشْتِراكِهما في ارْتِضاعِهما لَبَنَ امرأةِ الرَّجل، وعَدَمِ ثُبوتِ نَسَبِهما منه، فيكونُ فيه الخِلافُ السَّابِقُ.
(وَيَحْتَمِلُ: أَلاَّ يَثْبُتَ حُكْمُ الرَّضَاعِ فِي حَقِّ الْمُلَاعِنِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَبَنِهِ حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا)، بخِلافِ وَلَدِ الزِّنى؛ لأِنَّ الولدَ مِنْ الزاني (^٥) حقيقةً، فكان اللَّبَنُ منه، واللَّبَنُ لم يَثبُتْ من المُلاعِنِ حقيقةً ولا حُكْمًا.
فعلى الأوَّلِ: إنْ أرْضَعَتْ أُنْثى حَرُمَتْ عليهما بالصِّهْريَّة؛ لأِنَّها بنتُ مَوطُوءةِ الزَّاني وربيبةُ المُلاعِن، وإنْ أرْضَعَتْ ذَكَرًا حَرُمَ عليه بِنتْاهُما وأوْلادُهما، وتَحرُمُ بِنْتُه وبِنتُها عليهما، وقِيلَ: لَا.
(وَإِنْ وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، فَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِهِ طِفْلًا؛ صَارَ ابْنًا لِمَنْ ثَبَتَ نَسَبُ الْمَوْلُودِ مِنْهُ)؛ لأِنَّ تحريمَ الرّضاع فَرْعٌ على ثُبوتِ النَّسَب، وظاهِرُه: لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَثْبُتَ بِقائِفةٍ أوْ غيرِها، ذَكَرَه في «الشَّرح»، واقْتَصَرَ في «الفروع» على الأوَّل.
(وَإِنْ أُلْحِقَ بِهِمَا)، قال (^٦) في «التَّرغيب» وغَيرِه: أوْ ماتَ ولم يَثبُتْ نسَبُه؛
_________________
(١) في (م): بينهما.
(٢) في (م): في.
(٣) قوله: (ولهذا تحرم أم زوجته وابنتها …) إلى هنا سقط من (م).
(٤) أخرجه البخاري (٥١٠٠)، ومسلم (١٤٤٧)، من حديث ابن عباس ﵄.
(٥) في (م): الزنى.
(٦) في (م): قاله.
[ ٨ / ٦٣٤ ]
(كَانَ الْمُرْتَضِعُ (^١) ابْنًا لَهُمَا)؛ لأِنَّ المرتَضِعَ في كلِّ مَوضِعٍ تَبَعٌ للمُناسِب، فمَتَى لَحِقَ المُناسِب شخصًا؛ فالمرتَضِعُ مِثْلُه.
وإنْ أشْكَلَ أمْرُه؛ فَقِيلَ: كنَسَبٍ، وقِيلَ: هو لأِحدِهما مبهمًا (^٢)، فيَحرُم عليهما، وجَزَمَ به في «المغْنِي» فِيما لم يَثْبُتْ نَسَبُه.
(وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ ثَبَتَ التَّحْرِيمُ بِالرَّضَاعِ فِي حَقِّهِمَا)؛ تغليبًا للحَظْر، كما لو اخْتَلَطَتْ أختُه بأجنبيَّاتٍ.
وإن انْتَفَى عنهما جميعًا؛ بأنْ تأتيَ به لِدُونِ ستَّةِ أشْهُرٍ مِنْ وَطْئِها، أوْ لأِكثرَ من أربعِ سِنِينَ مِنْ (^٣) وطْءِ الآخَرِ؛ انْتَفَى المرتَضِع عنهما (^٤).
فإنْ كان المرتَضِعُ أنثى؛ حرُمَتْ عليهما تحريمَ المصاهَرَة، ويَحرُمُ أولادُها عليهما أيضًا؛ لأنَّها (^٥) ابْنَةُ مَوطُوءَتِهما.
(وَإِنْ ثَابِ لاِمْرَأَةٍ لَبَنٌ مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ تَقَدَّمَ)، قال جماعةٌ: أو وَطْءٍ؛ (لَمْ يَنْشُرِ الْحُرْمَةَ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي لَبَنِ الْبِكْرِ (^٦)، وهو (^٧) ظاهِرُ المذهَبُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه نادِرٌ لم تَجْرِ العادةُ به لِتَغذِيَة الأطفال، أشْبَهَ لَبَنَ الرَّجل والبهيمة.
وقال جماعةٌ: لأِنَّه لَيسَ بلَبَنٍ حقيقةً، بل رُطوبةٌ متوَلِّدةٌ؛ لأِنَّ اللَّبَنَ ما أنشز (^٨) العَظْمَ وأنْبَتَ اللَّحْمَ، وهذا لَيسَ كذلك.
_________________
(١) قوله: (كان المرتضع) في (م): كالمرتضع.
(٢) في (م): منهما.
(٣) في (م): في.
(٤) في (م): منها.
(٥) في (م): لأنهما.
(٦) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ص ٤٩١.
(٧) في (م): في.
(٨) في (م): انتشر.
[ ٨ / ٦٣٥ ]
(وَعَنْهُ: يَنْشُرُهَا، ذَكَرَهَا (^١) ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ)، وصحَّحه في «الشَّرح»، وقالَهُ أكْثَرُ العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]، ولأِنَّه لَبَنُ امرأةٍ، فتعلَّقَ به التَّحريمُ، كما لو ثاب (^٢) بِوَطْءٍ، ولأِنَّ لَبَنَ المرأة خُلِقَ لِغَذاءِ الطفل، وإنْ كانَ هذا نادِرًا، فجنسه (^٣) مُعْتادٌ.
(وَلَا (^٤) يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ غَيْرُ لَبَنِ الْمَرْأَةِ، فَلَوِ ارْتَضَعَ طِفْلَانِ مِنْ بَهِيمَةٍ)؛ لم يَنشُر الحُرْمةَ، ولم يَصِيرَا أخَوَينِ في قَولِ عامَّتهم؛ لأِنَّه لَيسَ بمنصوصٍ عليه، ولا هو في مَعْناهُ.
وقال بعضُ السَّلَف: يَصِيرانِ أخَوَينِ.
ورُدَّ: بأنَّ الأُخُوَّةَ فرعٌ عن (^٥) الأُمومة، ولا تَثْبُتُ الأُمومةُ بهذا الرّضاعِ، فالأُخُوَّةُ أَوْلَى، ولأِنَّه لم يُخلَقْ لِغِذاءِ المولود الآدَمِيِّ، أشبه (^٦) الطَّعامَ.
(أَوْ رَجُلٍ)، فكذلك في قَولِ الجمهور؛ لِمَا ذَكَرْنا.
وقال الكَرَابِيسي (^٧): يَتعلَّقُ به التَّحريمُ؛ لأِنَّه لَبَنُ آدَمِيٍّ أشْبَهَ المرأةَ.
(أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٍ؛ لَمْ يَنْشُرِ (^٨) الْحُرْمَةَ) على المذْهَبِ؛ لأِنَّه لم يَثْبُتْ كَونُه
_________________
(١) في (م): ذكره.
(٢) في (م): ثبت.
(٣) في (م): بجنسه.
(٤) في (م): فلا.
(٥) في (ظ): على.
(٦) في (م): يشبه.
(٧) ينظر: الحاوي ١١/ ٤١٢، المهذب ٣/ ١٤٤. وهو: الحسين بن علي بن يزيد البغدادي الشَّافعي، أبو علي الكرابيسي، فقيه بغداد، من كبار حفاظ الحديث، أخذ الفقه عن الشافعي، وكان أولًا على مذهب أهل الرأي، توفي سنة ٢٤٨ هـ. ينظر: طبقات الشافعية للسبكي ٢/ ١١٧، طبقات الشافعيين ص ١٣٢.
(٨) في (م): لم تنتشر.
[ ٨ / ٦٣٦ ]
امرأةً، فلا يَثْبُتُ التَّحريمُ مع الشَّكِّ.
(وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُوقَفُ أَمْرُ الْخُنْثَى حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ)، فعلى هذا: يَثبُتُ التَّحريمُ إلى أنْ يتبيَّنَ كَونُه رجلًا؛ لأِنَّه لا يُؤمَنُ كَونُه مُحَرِّمًا؛ كما لو اختَلَطَتْ أختُه بأجانِبَ.
وقِيلَ: إنْ حَرَّمَ لَبَنٌ بغيرِ حملٍ ولا وَطْءٍ، ففي الخنثى المشْكِلِ وجْهانِ، وإنْ يُئِسَ من انْكِشافِ حالِه بمَوتٍ أوْ غَيرِه؛ فالأصْلُ الحِلُّ.
[ ٨ / ٦٣٧ ]