هو مَصدَرُ لَاعَنَ لِعانًا، إذا فَعَلَ ما ذُكِرَ، أوْ لَعَنَ كلُّ واحدٍ منهما الآخَرُ، وهو مشتقٌّ من اللَّعْن؛ لأِنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَلعَنُ نفسَه في الخامسة.
وقال القاضي: سُمِّيَ به؛ لأِنَّ أحدَ الزَّوجَينِ لا يَنفَكُّ عن أنْ يكونَ كاذِبًا، فتَحصُلُ اللَّعنةُ عليه، وهي الطَّرْدُ والإبعاد، يقال: لَعَنَه اللهُ؛ أيْ: باعَدَه، والْتَعَنَ الرَّجلُ: إذا لَعَنَ نفسَه مِنْ قِبَلِ نَفْسِه.
واللِّعانُ لا يكونُ إلاَّ من اثنَينِ، يُقالُ: لاعَنَ امرأتَه لِعانًا، ومُلاعَنَةً، وتَلاعَنَا بمَعْنًى، ولَاعَنَ الإمامُ بَينَهما، ورَجُلٌ لُعَنَة، بوَزْنِ هُمَزَةٍ: إذا كان يَلعَنُ النَّاسَ كثيرًا، ولُعْنةً، بسكون العَين: إذا كان يَلعَنُه النَّاسُ.
وشَرْعًا: شهادات (^١) مؤكَّدات بأيمان (^٢) من الجانِبَينِ، مقرونةٌ باللَّعن والغضب، قائمةٌ مَقامَ حدِّ قَذْفٍ (^٣) في جانبه، وحدِّ زِنًى في جانِبها.
والأصلُ فيه: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ … (٦)﴾ الآياتِ [النُّور: ٦]، نَزَلَتْ سنة (^٤) تِسْعٍ، مُنصَرَفُه ﵇ مِنْ تَبوكَ، في عُوَيمرٍ العجلاني أوْ هلال بن أميَّةَ (^٥)، ويَحتَمِلُ أنَّها نَزَلَتْ فيهما، ولم يَقَعْ بعدَها بالمدينة إلاَّ في
_________________
(١) في (م): بشهادات.
(٢) في (ظ): أيمان.
(٣) كتب على هامش (ظ): (لأن الله تعالى سماه شهادات).
(٤) قوله: (سنة) سقط من (م).
(٥) أخرجه الدارقطني (٣٧٠٩)، من حديث عبد الله بن جعفر ﵄، وفي سنده: الواقدي وهو متروك، وذكر جمع من الأئمة أن اللعان كان في شعبان سنة تسع، منهم: الطبري وابن حبان وغير واحد من المتأخرين، ورجح ابن حجر من خلال مجموع من الأدلة أنها في شعبان سنة عشر لا تسع، ومن أظهرها أن سهل بن سعد ﵁ شهد الواقعة، وفي البخاري (٦٨٥٤)، قال: «شهدتُ المتلاعنين وأنا ابن خمس عشرة سنة»، وتوفي رسول الله ﷺ وعمره خمس عشرة سنة، قال ابن حجر: (فهذا يدل على أن قصة اللعان كانت في السنة الأخيرة من زمان النبي ﷺ. ينظر: شرح النووي على مسلم ١٠/ ١٢٠، تفسير القرطبي ١٢/ ١٨٤، التوضيح لابن الملقن ١٦/ ٦٣٣، الفتح ٩/ ٤٤٧.
[ ٨ / ٤٧٧ ]
زمَنِ عمرَ بنِ عبدِ العزيز، والسُّنَّةُ شهيرةٌ بذلك.
ولأِنَّ الزَّوجَ يُبْتَلَى بقذفِ امرأته لنَفْيِ العار والنَّسب الفاسدِ، ويَتعذَّر عليه إقامةُ البيِّنة، فجُعِلَ اللِّعانُ بيِّنةً له، ولهذا لَمَّا نَزَلَتْ آيةُ اللِّعان قال النَّبيُّ ﷺ: «أبْشِرْ يا هلالُ؛ فقد جَعَلَ اللهُ لك فَرَجًا ومَخرَجًا» (^١).
(وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ) العاقِلُ (امْرَأَتَهُ بِالزِّنَى)، ولو (^٢) في طُهْرٍ وَطِئَ فيه، في قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ، فكذَّبَتْه؛ لَزِمَه ما يَلزَمُ بقَذْفِ أجنبيَّةٍ من (^٣) إيجابِ الحدِّ عليه (^٤)، وحُكِم بفسقه وردِّ شهادته، إلاَّ أنْ يأتيَ ببيِّنةٍ أوْ يلاعِن (^٥)، ولهذا أعْقَبَه بقَوله: (فَلَهُ إِسْقَاطُ الْحَدِّ بِاللِّعَانِ)؛ لقَوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ …﴾، الآية [النُّور: ٢٣]، وهو عامٌّ في الزَّوج وغيرِه، وإنَّما خُصَّ الزَّوجُ بأنْ أقامَ لعانَه مَقامَ الشَّهادة في نَفْيِ الحدِّ والفِسْقِ، وردِّ الشَّهادة، ويَدُلُّ عليه قَولُه ﷺ لهلالٍ: «البيِّنةُ، وإلاَّ حَدٌّ في ظَهْرِكَ» (^٦)، ولأِنَّه قاذِفٌ؛ فلَزِمَه الحدُّ؛ كما لو أكْذَبَ نفسَه، وكالأجنبيِّ.
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (٢٧٨٩)، وأحمد (٢١٣١)، وأبو داود (٢٢٥٦)، والبيهقي في الكبرى (١٥٢٩٢)، وفي سنده: عباد بن منصور الناجي، وثقه يحيى القطان، وضعفه ابن سعد وأبو حاتم والنسائي، وقال ابن حجر: (صدوق رمي بالقدر وكان يدلس وتغير بأخرة)، وقد وقع تصريحه بالسماع عند الطيالسي، وأصله في الصحيح بدون هذه اللفظة. ينظر: تهذيب التهذيب ٥/ ١٠٥.
(٢) في (ظ): وكذا. والمثبت موافق للفروع.
(٣) في (م): في.
(٤) قوله: (عليه) سقط من (م).
(٥) في (ظ): تلاعن.
(٦) أخرجه البخاري (٢٦٧١)، ومسلم (١٤٩٧)، من حديث ابن عباس ﵄، واللفظ للبخاري.
[ ٨ / ٤٧٨ ]
وله إسْقاطُه بلِعانه ولو بَقِيَ سوطٌ (^١) واحدٌ، ولو زَنَتْ قبلَ الحدِّ، ويَسقُطُ بلعانه وَحدَه، ذَكَرَه في «المغني» و«التَّرغيب».
(وَصِفَتُهُ: أَنْ يَبْدَأَ الزَّوْجُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ امْرَأَتِي هَذِهِ مِنَ الزِّنَى، وَيُشِيرُ إِلَيْهَا)، ولا يَحتاجُ مع الحضور والإشارة إلى تسميةٍ ونَسَبٍ، كما لا يَحتاجُ إلى ذلك في سائر العقود.
(وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً سمَّاهَا (^٢) وَنَسَبَهَا)، حتَّى تَنتَفِيَ المشارَكةُ بَينَها وبَينَ غيرها، قلتُ: ولا يَبعُدُ أنْ يقومَ وصفُها (^٣) بما هي مشهورةٌ به مَقامَ الرَّفع في نَسَبِها.
(حَتَّى يُكَمِّلَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولَ فِي الْخَامِسَةِ: وَأَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَى).
وقِيلَ: لا يُشترَطُ أنْ يذكُرَ الرَّميَ بالزِّنى، قاله في «الرِعاية».
(ثُمَّ تَقُولَ هِيَ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَى)، وتُشيرُ إليه إنْ كان حاضرًا، وإنْ كان غائبًا أسْمَتْه ونسَبَتْه، (ثُمَّ تَقُولَ فِي الْخَامِسَةِ: وَأَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَماَنِي بِهِ مِنَ الزِّنَى)؛ للآية والأخبار، وإنَّما خُصَّتْ هي في الخامسة بالغضب؛ لأِنَّ النِّساءَ يُكثِرْنَ اللَّعن (^٤) كما وَرَدَ (^٥).
(فَإِنْ)؛ هذا شروعٌ في بيان شروطه وهي ستَّةٌ:
أحدها: اسْتِعْمال الألفاظ الخمسة، فإنْ (نَقَصَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْأَلْفَاظِ
_________________
(١) في (م): شرط.
(٢) في (م): أسماها.
(٣) في (م): وضعها.
(٤) قوله: (اللعن) سقط من (م).
(٥) أخرجه البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٧٩)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٨ / ٤٧٩ ]
الْخَمْسَةِ شَيْئًا)، ولو قلَّ؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّ الله تعالى علَّق الحكمَ عليها، ولأِنَّها بيِّنةٌ، فلم يَجُزْ النَّقصُ من عددها؛ كالشَّهادة.
(أَوْ بَدَأَتْ بِاللِّعَانِ قَبْلَهُ)؛ لم يُعتَدَّ به؛ لأِنَّه خلافُ المشروع، وكذا إنْ قدَّم الرَّجلُ اللَّعنةَ على شيءٍ من الألفاظ الأربعة، أوْ قدَّمَتْ هي الغَضَبَ عليها؛ لأِنَّ لِعانَ الرَّجل بيِّنةٌ لإثبات (^١)، ولعانَها بيِّنةٌ لإنكار (^٢)، فلم يَجُزْ تقديمُ الإنكار على الإثبات (^٣).
(أَوْ تَلَاعَنَا بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْحَاكِمِ، أَوْ نَائِبِهِ؛ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ)؛ لأِنَّه يمينٌ في دعوَى (^٤)، فاعتُبِرَ فيه أمرُ الحاكِم؛ كسائر الدَّعاوَى.
الرَّابعُ: أنْ يأتيَ كلُّ واحدٍ منهما باللِّعان بعدَ إلْقائه عليه، فإنْ بادر قبلَ أنْ يُلقِيَه الإمامُ أوْ نائبُه؛ لم يصحَّ؛ كما لو حلف قبلَ أنْ يحلِّفَه الحاكمُ.
الخامسُ: الإشارةُ من كلٍّ منهما إلى صاحبه إنْ كان حاضِرًا، أوْ يسمِّيه ويَنسُبُه إنْ كان غائبًا.
ولا يُشترَطُ حضورُهما معًا، بل لو كان أحدُهما غائبًا عن صاحبه؛ مثلَ أنْ يكونَ الرَّجلُ في المسجد، والمرأةُ على بابه لعُذْرٍ؛ جاز.
(وَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظَةَ أَشْهَدُ بِأُقْسِمُ، أَوْ أَحْلِفُ، أَوْ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بِالْإِبْعَادِ، أَوِ الْغَضَبِ (^٥) بِالسُّخْطِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ)، هذا هو الشَّرطُ السَّادِسُ لصحَّةِ اللِّعان، وهو أنْ يأتيَ بالألفاظ على صورةِ (^٦) ما وَرَدَ الشرع به (^٧)؛ لأِنَّ اتباع لفظ
_________________
(١) في (م): بنية الإثبات.
(٢) في (م): بنية الإنكار.
(٣) في (م): الإثبات على الإنكار.
(٤) قوله: (في دعوى) سقط من (م).
(٥) في (م): والغضب.
(٦) في (م): صور.
(٧) قوله: (به) سقط من (ظ).
[ ٨ / ٤٨٠ ]
النَّصِّ أَوْلَى، ولأنَّه (^١) مَوضِعٌ وَرَدَ الشَّرعُ فيه بلفظ الشَّهادة، أشْبَهَ الشَّهادةَ في الحقوق، وهذا أظْهَرُ الوَجْهَينِ، قاله في «المستوعب»، وصحَّحه المؤلِّفُ وغيرُه.
والآخَرُ: يُعتَدُّ به؛ لأِنَّه أتى بالمعنى، أشبه ما لو أبدل: (إنِّي لمن الصَّادقِينَ) بقوله: (لقد زَنَتْ)، قال الخِرَقيُّ: يقولُ الرَّجلُ: (أشْهَدُ بالله لقد زَنَتْ)، وليس هذا لفظَ النَّصِّ، فدلَّ على أنَّه لم يُشترَطْ ذكرُ اللَّفظ، ولكِنْ نقلَ ابنُ منصورٍ: (على ما في كتاب الله تعالى) (^٢).
وإنْ أبدلت لفظة الغضب باللَّعنة؛ لم يَجُزْ؛ لأِنَّ الغَضَبَ أبْلَغُ، ولهذا اختصَّتِ المرأةُ به؛ لأِنَّ إثْمَها أعظمُ، والمعيَّرةُ (^٣) بزِناها أقبحُ.
وإنْ أبدلتها (^٤) بالسُّخط؛ خُرِّجَ على الوجهَينِ فيما إذا أبدل لفظة اللَّعنة بالإبعاد.
وإنْ أبْدَلَ لفظة (^٥) اللَّعنة بالغضب؛ فاحتمالانِ: الجَوازُ؛ لأِنَّه أبلغُ. وعدمُه؛ لمخالفة المنصوص.
ولا يَصِحُّ تعليقُه على شرطٍ، قاله ابنُ عقيلٍ وغيرُه.
وفي «الترغيب»: تُشترَطُ موالاةُ الكلمات.
وأوْمَأَ في روايةِ ابنِ منصورٍ: أنَّ الخامِسةَ لا تشترط، تنفيذ (^٦) حكمه، لا على الأولى، قاله في «الانتصار».
_________________
(١) قوله: (أولى ولأنه) في (م): أو لأنه.
(٢) ينظر: مسائل ابن منصور ٤/ ١٦٥٨.
(٣) كذا في النسخ الخطية، وفي المغني ٨/ ٧٨: المعرَّة.
(٤) في (ظ): أبدلها.
(٥) في (م): لفظ.
(٦) كذا في النسخ الخطية، وفي الفروع ٩/ ٢٠٥: فينفَّذ. وينظر: مسائل ابن منصور ٤/ ١٦٦٠.
[ ٨ / ٤٨١ ]
(وَمَنْ قَدَرَ عَلَى اللِّعَانِ بِالْعَرَبِيَّةِ؛ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ إِلاَّ بِهَا)؛ لأِنَّ الشَّرعَ وَرَدَ بالعربيَّة، فلم يصحَّ بغيرها؛ كأذكار (^١) الصَّلاة.
(فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا؛ لَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)؛ لأِنَّه منصوصٌ عليه، فلَزِمَه تعلُّمها؛ كالفاتحة.
(وَفِي الآخَرِ (^٢): يَصِحُّ بِلِسَانِهِ)، في ظاهِرِ المذهب، قاله في «الواضح»، وصحَّحه في «الشَّرح»، وجَزَمَ به في «الكافي» و«الوجيز»؛ لأِنَّه مَوضِعُ حاجةٍ، وكالنكاح (^٣).
فإن كان الحاكِمُ يُحسِنُ لسانَهما؛ أجْزَأَ ذلك، ويُستحَبُّ أنْ يَحضُرَ معه أربعةٌ يُحسِنونَ لسانهما (^٤)، فإنْ كان الحاكِمُ لا يُحسِنُ؛ فلا بدَّ من ترجمان (^٥)، ولا يُجزِئُ فيها أقلُّ من عدلَينِ على المذهب.
(وَإِذَا فُهِمَتْ إِشَارَةُ الْأَخْرَسِ، أَوْ كِتَابَتُهُ؛ صَحَّ لِعَانُهُ بِهَا (^٦)، قاله القاضي وأبو الخَطَّاب، وذكره في «المستوعب» و«الرِّعاية»، وقدَّمه في «الفروع»، وجزم به في «الوجيز»؛ كطلاقه.
وعنه: لا يَصِحُّ، اختاره المؤلِّفُ، قال أحمدُ: إذا كانت المرأةُ خَرْساءَ لم تُلاعِنْ (^٧)؛ لأِنَّه لا تُعلم مطالَبتها، ولأِنَّ اللِّعانَ يَفتَقِرُ إلى الشَّهادة، أشْبَهَ الشَّهادةَ الحقيقيَّة، ولأِنَّ الحَدَّ يُدرأُ بالشُّبهة، والإشارة ليستْ صريحةً كالنُّطق، ولا يَخْلُو من احتمالٍ وتردُّدٍ.
_________________
(١) في (م): كأركان.
(٢) في (م): الأخرى.
(٣) في (م): كالنكاح.
(٤) زيد في (م): أجزأ ذلك.
(٥) في (م): بوحها.
(٦) في (م): لها.
(٧) ينظر: مسائل ابن منصور ٤/ ١٦٦٠.
[ ٨ / ٤٨٢ ]
وجوابه: أنَّ الشَّهادةَ يُمكِنُ حصولُها من غيره، فلم تَدْعُ الحاجة إليه فيها، واللِّعانُ لا يَحصُلُ إلاَّ منه؛ فدعت (^١) الحاجة إلى قَبوله منه؛ كالطَّلاق.
قال المؤلِّفُ: وقَولُنا أحْسَنُ؛ إذ الشَّهادةُ قد لا تَحصُلُ إلا (^٢) منه؛ لاِخْتِصاصه برؤيةِ المشْهودِ عليه، أوْ سماعه إيَّاه.
وجوابُه: بأنَّ مُوجِبَ القَذْفِ وُجوبُ الحَدِّ، وهو يدرأ بالشُّبهة، ومَقصودُ اللِّعان نفيُ النَّسب، وهو يَثبُتُ بالإمْكان مع ظهور انتفائه.
(وَإِلاَّ فَلَا)؛ أيْ: إذا كان غيرَ معلومي الإشارة والكتابة؛ لم يصح (^٣).
فرعٌ: إذا قَذَفَ الأخرسُ ولَاعَنَ، ثمَّ تكلَّم فأنكرهما؛ لم يُقبَلْ إنكارُه للقذف؛ لأِنَّه قد يتعلَّقُ به حقٌّ لغيره بحكم الظَّاهر، ويُقبَلُ إنكارُه للِّعان (^٤) فيما عليه، فيُطالَبُ بالحدِّ، ويَلحَقُه النَّسبُ، ولا تَعودُ الزَّوجةُ.
فإنْ قال: أنا أُلَاعِنُ لسُقوطِ الحدِّ ونفيِ النَّسَبِ؛ كان له ذلك.
وإنِ اعْتَرَفَ بالزِّنى، ثُمَّ أنْكَرَ؛ فكاللعان (^٥).
(وَهَلْ يَصِحُّ لِعَانُ مَنِ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ، وَأُيِسَ مِنْ نُطْقِهِ بِالْإِشَارَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر» و«الفروع»:
أحدُهما، وجَزَمَ به في «الوجيز»: يصحَّ (^٦)؛ كالأخْرَس الأصليِّ.
والثَّاني: لا؛ لأِنَّه عَجَزَ عن النُّطق لعارِضٍ، أشبهَ غير المأْيُوس.
فإنْ قال: لم أُرِدْ قذْفًا ولِعانًا؛ قُبِلَ في لعانٍ في حدٍّ ونسبٍ فقط، ويُلاعِنُ لهما.
_________________
(١) في (م): فدعته.
(٢) قوله: (إلا) سقط من (م).
(٣) قوله: (يصح) سقط من (م).
(٤) في (م): اللعان.
(٥) في (م): فكان كاللعان.
(٦) في (ظ): فصح.
[ ٨ / ٤٨٣ ]
فإنْ رجِيَ نطقُه انْتُظِرَ، وفي «الترغيب»: ثلاثةَ أيَّامٍ.
وفائدتُه: صحَّةُ قذفِ الأخرس ولِعانه؛ لأِنَّا لا نأمُرُه باللِّعان، ونَحبِسُه إذا نَكَلَ حتَّى يُلاعِنَ، ذَكَرَه في «عيون المسائل»، وكلامُ غيرِه يَقتَضِي أنَّه يُحَدُّ.
[ ٨ / ٤٨٤ ]