الماء المطهر من الأحداث والأنجاس هو المطلق الباقي على أصل خلقته فإن خالطه طاهر يمكن صونه عنه فغيره زالت طهوريته وعنه لا تزول إلا أن يطبخ فيه أو يغلب على أجزائه واختار الخرقي العفو عن يسير الرائحة خاصة فإن غيره مالا يمازجه كالدهن وقطع الكافور فعلى وجهين ولا بأس بما تغير بمقره أو بملح مائي يكون كطحلب وورق الشجر ونحوهما مما يشق صونه عنه فإن وضعا فيه قصدا زال تطهيره ولا يكره المشمس ولا المسخن بطاهر إلا إذا اشتد حره وفي كراهية المسخن بالنجاسة روايتان.
فإذا استعمل مادون القلتين في رفع حدث فهو طاهر غير مطهر وعنه أنه مطهر وعنه أنه نجس.
فأما المستعمل في طهر مستحب وكماء غمس قائم من نوم الليل يده فيه قبل غسلها ثلاثا فمطهر وعنه ليس بمطهر ولا يرتفع حدث الرجل بماء خلت بالطهارة منه امرأة وعنه ترتفع وله إزالة النجاسة به في أصح الوجهين.
وإذا لاقت نجاسة قلتي ماء فصاعدا ولم تغيره لم ينجس وعنه ينجس بالبول والعذرة الرطبة من الآدمي خاصة إلا ما يشق نزحه لكثرته وما دون القلتين ينجس بملاقاة النجاسة وعنه لا ينجس حتى يتغير كالقلتين وهما خمسمائة رطل بالعراقي تقريبا وقيل: عنه تحديدا وعنه أنهما أربعمائة وما نجس بالتغير لم يطهر إلا بزواله إما بنفسه أو بإضافة قلتين إليه أو بنزح يبقى بعده
[ ١ / ٢ ]
قلتان ولا يطهر مادون القلتين إلا بإضافة قلتين إليه مع زوال تغيره ويتخرج التطهير بإضافة مادون القلتين فيهما.
_________________
(١) كتاب الطهارة قوله في المحرر: "ويتخرج التطهير بإضافة ما دون القلتين فيهما" يعنى إذا كان الماء النجس قليلا أو كثيرا فأضيف المطهر إلى كثير نجس فأكثر الأصحاب على أنه لا يطهر وذكر بعضهم تحريجا وبعضهم وجها وبعضهم في بعض مصنفاته وجها وفي بعضها تخريجا وأيا ما كان فأصله مسألة زوال التغير بنفسه وقطع في المستوعب بهذا القول وعلله بأنه لو زال بطول المكث طهر فأولى أن يطهر بزواله بمخالطته لما دون القلتين فخالف في هذه الصورة أكثر الأصحاب كما أنه قطع في الصورة الثانية بما قطع به أكثر الأصحاب في أنه لا يطهر وإن أضيف القليل المطهر إلى قليل نجس وبلغ المجموع قلتين فأكثر الأصحاب أو كثير منهم لم يحك في هذه الصورة خلافا في أنه لا يطهر وأظن منهم الشيخ مجد الدين صاحب المحرر في شرح الهداية وذكر بعضهم لما حال١ وقوع النجاسة في الصورة الأولى فقد حكى في عموم خبر القلتين بخلاف هذه الصورة وجها وبعضهم تخريجا أنه يطهر إلحاقا وجعلا لكثير بالانضمام كالكثير من غير انضمام وحرروه قياسا فقالوا لأنه ماء كثير غير متغير بالنجاسة فكان طاهرا كما لو وقعت فيه ابتداء وهو كثير ولم تغيره أو زال تغيره بنفسه واحتجوا بخبر القلتين وعلى هذا قد يخرج طهارة قلة نجسة إلى مثلها وقد يفرق بينهما وأظن بعض الأصحاب صرح به والذي نص عليه الإمام أحمد ﵀ أنه لا تطهر قله نجسة إلى مثلها وذكر في الكافي تخريج طهارة قلة نجسة إلى مثلها.
(٢) كذا في الأصل. ولعل الصواب "كحال".
[ ١ / ٣ ]
_________________
(١) قال لما ذكرناه وإنما ذكر الخلاف في القليل المطهر إذا أضيف إلى كثير نجس وهذا فيه نظر واحتج الأصحاب للراجح في المذهب والجواب عن خبر القلتين والاحتجاج به هنا يطول ذكره فليطلب في كلامهم فأما إن لم يبلغ المجموع قلتين فهو نجس وكذا في المحرر فيه إطلاق فإن كان مراده وبلغ المجموع قلتين وردت هذه الصورة على كلامه وإن كان مراده أن التخريج يجري في هذه الصورة أيضا فقال بعضهم يكون التخريج من رواية إن الماء لا ينجس إلا بالتغيير وفيه نظر لأن التفريع إنما هو على المذهب فأما على رواية إن الماء لا ينجس إلا بالتغيير فلا إشكال والقليل كالكثير فتطهيره بزوال تغيره على أي وجه كان وإضافة ماء إليه قل أو كثر. ويحتمل أن يكون المراد أن الماء مطهر للماء النجس وإن لم يبلغ هذا القدر المخصوص إذا غمره لأنه عين للماء أثر في تطهيرها فأثر وإن لم يبلغ القدر المخصوص كسائر المحال وهذا للماء طهر المحل وأزال النجاسة من غير انفصال فيكون حكمه حكم ما انفصل غير متغير بعد زوال النجاسة لا فارق بينهما إلا الانفصال ولا أثر له هنا لعدم اعتباره كما نقول في الماء الكثير أو في نجاسة الأرض فإنه لا يعتبر في تطهيرها الانفصال. وقولهم "ماء لا يدفع النجاسة عن نفسه فعن غيره أولى" إن أرادوا:
[ ١ / ٤ ]
_________________
(١) لا يدفعها عن نفسه فيما إذا كانت واردة عليه فمسلم وعليه يدل خبر القلتين لكن لا يحصل المقصود وإن أرادوا مطلقا فممنوع ولا يقولون به وحمل كلام صاحب المحرر على هذا أو ما أشبهه أولى لكن يستبعد هذا من جهة أني لم أجد أحدا ذكره فينبغي أن يتأمل هذا وينظر هل قال به أحد أم لا فإن كان قد قيل به فقد لا يبعد حمل كلامه عليه وإن كان هو لم يصرح به. فإن أضيف إلى الماء النجس غير الماء فهل يطهره كلام الأصحاب فيه مشهور وسيأتي كلامه في المحرر في الماء وأنه الذي يطهر الماء النجس لا غيره وأظن أنه لم يحك في إضافة غيره خلافا في شرح الهداية في أنه لا يطهر وهذا ظاهر كلام جماعة من الأصحاب كابن عقيل وهذا متوجه فيما إذا كان الماء النجس قليلا أما إذا كان كثيرا فلا فرق إذا كان لا يستر النجاسة ولا يغير رائحتها وقطع في المستوعب بأن غير الماء لا يطهر الماء النجس.
[ ١ / ٥ ]
وإذا تنجست الأرض بولوغ أو غيره فعمت بالماء مرة ولم يبق للنجاسة أثر فالماء والأرض طاهران وإن لم ينفصل الماء ولا يطهر غير الأرض إلا بشرط الانفصال ويكون المنفصل في حال صهارة المحل طاهرا وفي طهوريته وجهان [أحدهما: أن طاهريته إن كان واردا فإن كان متغيرا فهو نجس وإن كان غير متغير فهو طاهر] وقيل: إنه نجس.
ومن خفي عليه موضع النجاسة غسل ما يستيقن به غسلها.
_________________
(١) قوله: "ومن خفي عليه موضع النجاسة غسل ما يستيقن به غسلها" أطلق العبارة كغيره ومراده في غير الصحراء قطع بذلك الأصحاب وعن أحمد ما يدل على التحري في غير الصحراء قال إسماعيل بن سعيد سألت أحمد عن المذي يصيب الثوب ولا يعلم مكانه قال إن علم بمكانه غسله وإن أشكل عليه ذلك نضح المكان الذي يظن أنه أصابه أما الصحراء فلا يمكن حفظها
[ ١ / ٥ ]
ولا تطهر النجاسة بشمس ولا ريح ولا استحالة إلا الخمرة المنقلبة بنفسها فإن خللت لم تطهر وقيل: إن خللت بنقلها من الشمس إلى الفيء أو بالعكس طهرت وإن خللت بما يلقى فيها لم تطهر.
ويطهر بول الغلام الذي لم يأكل الطعام بنضحه ومني الآدمي طاهر وعنه أنه نجس يجزئ فركه من الرجل دون المرأة والمذي نجس وهل يطهر بالنضح؟ على روايتين [إحداهما: لا يطهر إلا بغسله سبع مرات] وعنه أنه طاهر كالمني.
وبلغم المعدة ورطوبة فرج المرأة وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه: طاهر. وعنه النجاسة في الجميع ودم السمك طاهر١. وفي دم البق والبراغيث والقمل والذباب ونحوه: روايتان [إحداهما: أنه طاهر] .
وما لا نفس له سائلة كالذباب والعقرب لا ينجس بالموت وفي نجاسة الآدمي بالموت [وأطرافه بالانفصال روايتان إحداهما: لا ينجس إلا شيء من أطرافه وهو المذهب] .
وعظم الميتة وقرنها وظفرها نجس ويحتمل الطهارة وصوفها وشعرها وريشها طاهر وعنه ما يدل على نجاسته ولبنها وأنفحتها نجس وعنه طاهر ولا يطهر جلد ما لا يؤكل لحمه بالذكاة ولا جلود الميتة بالدباغ وعنه يطهر منها بالدباغ ما نجس بالموت.
_________________
(١) من النجاسة ولا يمكن غسلها إلا بمشقة شديدة وله أن يصلي فيها بلا تحر في ظاهر كلام الأصحاب وصرح به بعضهم وينبغي أن يستحب مبالغة في تحصيل شرط العبادة قال في الرعاية ويجتنب ما ظن نجاسته وهذا صحيح لأنه كالمتلاعب كما لو أقدم على العبادة ظانا عدم دخول الوقت وكالصلاة والصوم في حق من اشتبهت عليه الأشهر وكذا لو دفع الزكاة إلى من يظن عدم استحقاقه فتبين بخلافه.
(٢) بهامش الأصل: أي: إذا كان طاهر في الحياة.
[ ١ / ٦ ]
وما لا يؤكل لحمه من جوارح الطير والبهائم نجس سؤره وعرقه وشعره إلا الهرة وما دونها في الخلقة وعنه أنه طاهر ما عدا الكلب والخنزير.
ولا يعفى عن يسير كل نجاسة إلا الدم والقيح وأثر الاستجمار وبول ما يؤكل لحمه وروثه إن قلنا بنجاستهما فأما المني والمذي وعرق غير المأكول سوى الكلب والخنزير وريقه إذا قلنا بنجاستها والنبيذ وبول الخفاش فهل يعفى عن يسيرها على روايتين [إحداهما: لا يعفى عن يسيرها وهو المذهب] .
ويجب غسل نجاسة أسفل الخف والحذاء وعنه يعفى عنها إذا دلكت بالأرض وقال ابن حامد تطهر بالدلك.
[ ١ / ٧ ]