وإذا عجز المريض عن القيام صلى جالسا كالمتطوع فإن لم يستطع فعلى
_________________
(١) قوله: "وإذا عجز المريض عن القيام صلى جالسا"
[ ١ / ١٢٤ ]
جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة فإن صلى على الأيسر أو على ظهره مستلقيا
_________________
(١) ليس الحكم مختصا بالعجز فلو قدر على القيام لكن خشي زيادة مرض أو ضعف أو تباطؤ برء ونحو ذلك صلى جالسا كما قلنا في الصيام وطهارة الماء على الصحيح قال الغمام أحمد إذا كان قيامه مما يوهنه ويضعفه صلى قاعدا وقال أيضا إذا كانت صلاته قائما توهنه وتضعفه فأحب إلى أن يصلي قاعدا وعن الإمام أحمد لا يجلس إلا إن عجز أن يقوم لدنياه. وإطلاق كلامه في المحرر يقتضي أنه لو قدر على القيام باعتماده على شيء أنه يلزمه وصرح به جماعة وقال ابن عقيل لا يلزمه أن يكتري من يقيمه ويعتمد عليه وإطلاق كلامه أيضا يقتضي أنه إن أمكنه الصلاة قائما منفردا وفي الجماعة جالسا أنه يصلي قائما منفردا وقدمه الشيخ وجيه الدين لأنه ركن متفق عليه والجماعة مختلف في وجوبها وقيل: بل يصلي قاعدا جماعة لأن الصحيح يصلي قاعدا خلف إمام الحي المريض لأجل المتابعة والجماعة والمريض أولى وقيل: بل يخير بين الأمرين قطع به في الكافي وقدمه غير واحد لأنه يفعل في كل واحد منهما واجبا ويترك واجبا ولأن القيام إنما يجب حالة الأداء فإذا أداها في الجماعة فقد عجز عنه حالة الأداء قطع المصنف بهذا في شرح الهداية وذكره عن الشافعي وظاهر قول الحنفية واحتج بأن مصلحة الجماعة أكثر أجرا ومصلحة من القيام لأن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم وتفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بخمس وعشرين ضعفا. وإطلاق كلامه أيضا يقتضي أنه إذا أمكنه القيام في صورة الراكع أنه لا يلزمه وليس كذلك بل يلزمه لأنه قيام مثله بخلاف ما لو كان لغير آفة به كمن في بيت قصير سقفه أو خائف من عدو يعلم به إذا انتصب ويمكنه أن يستوي جالسا فإنه يصلي جالسا على منصوص الإمام أحمد لعدم
[ ١ / ١٢٥ ]
ورجلاه إلى القبلة جاز ويومئ بالسجود أخفض من إيمائه بالركوع فإن عجز أومأ بطرفه واستحضر الأفعال بقلبه.
_________________
(١) الاستطاعة المذكورة في حديث عمران بن حصين ويفارق الذي قبله لأنه إن جلس جلس منحنيا فإذا لم يكن بد من الانحناء فقيامه أولى لأنه الأصل. وإطلاق كلامه أيضا يقتضى أنه لو صام في رمضان صلى قاعدا وإن أفطر صلى قائما أنه يصلي قائما وقطع الشيخ وجيه الدين بأنه يصوم ويصلي قاعدا لما فيه من الجمع بينهما. وإطلاق كلامه أيضا يقتضي أنه لو صلى قائما امتنعت عليه القراءة أو لحقه سلس البول ولو صلى قاعدا امتنع السلس أنه يصلي قائما وقطع الشيخ وجيه الدين بأنه يصلي قاعدا لسقوط القيام في النفل ولا صحة مع ترك القراءة والحدث. والنادر وإن دخل في كلام المكلف فالظاهر عدم إرادته له وهذه الصورة أو بعضها من النوادر. قوله: "فإن عجز أومأ بطرفه واستحضر الأفعال بقلبه". وبهذا قال مالك والشافعي وعن أحمد تسقط وضعفها الخلال وهو قول أبي حنيفة واختاره الشيخ تقي الدين وللقول الأول أدلة ضعيفة يطول ذكرها وبيان ضعفها ولا يخفى ضعفها عند المتأمل وقد اعتبر المصنف في شرح الهداية هذه المسألة بالأسير إذا خافهم على نفسه فصار بحيث لا يمكنه التحريم خوفا منهم وجعلها أصلا لها في عدم سقوط الصلاة لعجزه عن الأفعال في الموضعين وكذلك عندنا وعند مالك والشافعي إن عجز أن يومئ بطرفه وأمكنه أن ينوي ويستحضر أفعال الصلاة بقلبه لزمه ذلك ذكره المصنف في شرح الهداية. ومراده بأفعال الصلاة القولية والفعلية إن عجز عن القولية بلسانه وكذا قطع به الشيخ وجيه الدين قال ابن عقيل إذا كان الرجل أحدب يجدد من قلبه عند قصد الركوع إنما يقصد به الركوع لأنه لا يقدر على فعله كما يفعل المريض الذي
[ ١ / ١٢٦ ]
ولا يؤخر صلاته ما لم يغم عليه ومن أمكنه القيام دون الركوع والسجود صلى قائما وأومأ بالركوع قائما أو بالجلوس جالسا.
_________________
(١) لا يطيق الحركة يجدد لكل فعل وركن قصدا بقلبه انتهى كلامه. وقطع بعضهم بأنه إذا عجز عن الصلاة مستلقيا أنه يومئء بطرفه وينوي بقلبه. فلعل مراده أن ينوي الصلاة بقلبه ويستحضرها في ذهنه إلى آخرها كما ذكره غيره واقتصاره على هذا يوهم أنه إذا عجز عن الإيماء بطرفه تسقط الصلاة مع ثبات عقله وليس كذلك لأنه قال وينوي بقلبه ومن عجز عن بعض المطلوب أتى بالبعض الآخر. وذكر في المستوعب أنه يومئء بطرفه أو بقلبه وظاهره الاكتفاء بعمل القلب ولا يجب الإيماء بالطرف وليس ببعيد ولعل مراده أو بقلبه أن عجز عن الإيماء بطرفه. وقال في المقنع فإن عجز أومأ بطرفه ولا تسقط الصلاة وكذا في الكافي وزاد ما دام عقله ثابتا فيحتمل أنه أراد إذا عجز عن الإيماء بطرفه سقطت الصلاة ويكون قوله "ولا تسقط الصلاة ما دام عقله ثابتا" يعني على الوجه المذكور وهو قدرته على الإيماء بطرفه وهذا قول الحسن بن زياد الحنفي. ويدل على هذا أن الظاهر أنه ينوي بقلبه مع الإيماء بطرفه ولم يذكرها وقد يدل على هذا الاحتمال الثاني وهو أنه إذا عجز عن الإيماء بطرفه نوى بقلبه كما ذكره غيره واستحضر أفعال الصلاة بقلبه. قوله: "ولا يؤخر الصلاة ما لم يغم عليه". يعني ويقضي على أصلنا وقال جماعة ولا تسقط الصلاة ما دام عقله ثابتا ومرادهم بالسقوط التأخير.
[ ١ / ١٢٧ ]
ويجوز لمن به رمد أن يصلى مستلقيا إذا قال ثقات الطب إنه ينفعه ومن أمكنه في أثناء صلاته القعود أو القيام انتقل إليه وبنى.
_________________
(١) قوله: "ويجوز لمن به رمد أن يصلي مستلقيا إذا قال ثقات الطب إنه ينفعه". ليس حكم المسألة مختصا بمن به رمد بل من في معناه حكمه حكمه فإذا قيل له إن صليت مستلقيا زال مرضك أو أمكن مداواتك فله ذلك واحتج على هذا بأنه فرض للصلاة فإذا خاف الضرر منه أو رجى البرء بتركه سقط كالطهارة بالماء في حق المريض ولأنه يباح له الفطر في رمضان لأجل ذلك إذا خشى الضرر بالصوم ففي ركن الصلاة أولى ولأنه يجوز ترك الجمعة والصلاة على الراحلة لخوف تأذيه بالمطر والطين في بدنه أو ثيابه فترك القيام لدفع ضرر ينفعه البصر١ أو غيره أولى. ويعرف من أصول هذه الأقيسة أن المسألة يخرج فيها خلاف في المذهب وفاقا لمالك والشافعي في عدم الجواز لأن أصولها أو أكثرها فيه خلاف مرجوح في المذهب فوقع الكلام فيها على الراجح المقطوع به عند غير واحد. وذكر في الكافي المسألة في الرمد كما ذكرها هنا واحتج بما ذكره غيره من أنه روى أن أم سلمة تركت السجود لرمد بها ولأنه يخاف منه الضرر أشبه المرض كذا قال. وقوله: "إذا قال ثقات الطب" لا يعتبر قول ثقات الطب كلهم ولم أجد تصريحا باعتبار قول ثلاثة بل هو ظاهر كلام جماعة قال الشيخ زين الدين بن منجا وليس بمراد لأن قول الاثنين كاف صرح به المصنف وغيره يعني بالمصنف الشيخ موفق الدين وقدم في الرعاية أنه يقبل قول واحد وقد قال أبو الخطاب
(٢) كذا بالأصل. ولعله "يخشاه على البصرة".
[ ١ / ١٢٨ ]
_________________
(١) في الانتصار في بحث مسألة التيمم لخوف زيادة المرض قال المعتبر بالظاهر وغلبة الظن إذا اتفق جماعة من الأطباء على أنه بترك الماء يأمن زيادة المرض والشين المقبح صار ذلك عذرا في الترك كالمتيقن انتهى كلامه. وثقات الطب يعطي اعتبار إسلامهم وهو مصرح به ويعطى العلم به ويعطى أيضا العدالة لأن الفاسق ليس بثقة ولا مؤتمن وينبغي أن يكتفي بمستور الحال. وقد احتج من قال بالمنع في المسألة بما ذكره ابن المنذر وغيره عن ابن عباس "أنه لما كف بصره أتاه رجل فقال لو صبرت على سبعة أيام لم تصل إلا مستلقيا رجوت أن تبرأ فأرسل إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من أصحاب النبي ﷺ فكلهم قال أرأيت إن مت في هذه السبعة ما الذي تصنع بالصلاة فترك معالجة عينيه". وأجاب في المغني بأنه إن صح فيحتمل أن المخبر لم يخبر بخبر عن يقين وإنما قال أرجو وأنه لم يقبل خبره لكونه واحدا أو مجهول الحال بخلاف مسألتنا وهذا يدل على أنه لا يكفي قول واحد ولا مجهول الحال وظاهره سواء جهلت عدالته أو علم وأنه لا بد من جزم الطبيب بذلك. وقال المصنف: الظاهر أنهم يئسوا من عود بصره بعد ذهابه ولم يثقوا بقول المخبر لقصوره أو للجهل بحاله أو لغير ذلك. وقال الشيخ وجيه الدين: وأما ابن عباس فكان المخبر واحدا والبصر مكفوف فطلب عودته لم يخف زيادة مرض ولا تباطؤ برء.
[ ١ / ١٢٩ ]