روى الناس عن اللإمام أحمد الحديث بسنده، ورووا عنه الفقه الذي نُسج منه مذهبه وتألف فيما بعد. وكان إذ ذاك في صورة مسائل أجاب عنها، ثم دوَّنها الأصحاب من بعده وجمعوها، وصارت هي أم المذهب.
• فأما الحديث:
فهو الإمام فيه، والمفتاح لخزائن كنوزه، والجهبذ في معرفة علله ورجاله، وصحيحه وسقيمه، بل يعتبر فقهه وليدًا من حديثه، لا يكاد يسأل عن مسألة إلا ويجيب فيها بحديث مسند، أو أثر لصحابي، أو فتوى لتابعي. قال عبد الوهاب الوراق:
"ما رأيت مثل أحمد بن حنبل. قالوا له: وأيش الذي بأن لك من علمه وفضله على سائر من رأيت؟ قال: رجل سئل عن ستين ألف مسألة، فأجاب فيها بأن قال: "أخبرنا" و"حدثنا" (١).
وقد روى عنه الناس في مسانيد الصحابة، وخرجوا أحاديثه في مصنفاتهم، ورووا عنه في علل الأحاديث، كلما رووا عنه في معرفة الرجال فيما يتعلق بأسمائهم، وكناهم، وألقابهم، وجرحهم وتعديلهم، وغير ذلك.
وحدث عنه جماعة من مشايخه ومن الأكابر منهم، قد استوفاهم ابن الجوزي بأسمائهم، فذكر منهم (١٩) شيخًا؛ كإسماعيل ابن علية، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن إدريس الشافعي، وتقدم أنه يذكره في مروياته بوصفه لا باسمه، فيقول: حدثني الثقة (٢).
وحدث عنه من تلامذته جماعة لا يحصون كثرة، جرد ابن الجوزي أسماءهم في "المناقب" والمزي في "تهذيب الكمال".
_________________
(١) طبقات الحنابلة، لإبن أبي يعلى ١/ ٦.
(٢) "المناقب": ص ١١٦، و"السير" ١١/ ١٨٣.
[ ١ / ٩٦ ]
• أحمد في الكتب الستة:
ومن جملة تلاميذه المباشرين وبواسطة، أصحاب الأصول الستة.
قال الذهبي: "حدث عنه البخاري حديثًا، وعن أحمد بن الحسن عنه حديثًا آخر في المغازي، وحدث عنه مسلم، وأبو داود بجملة وافرة، وروى أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه عن رجل عنه" (١).
وإليك ذلك الحديث المذكور في مغازي "الجامع الصحيح":
"حدثني أحمد بن الحسن، حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال، حدثنا معتمر بن سليمان، عن كهمس، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: غزا مع رسول الله - ﷺ - ست عشرة غزوة" (٢).
وأما الحديث الثاني، فهو موقوف على ابن عبَّاس في كتاب النكاح. قال البخاري: وقال لنا أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني حبيب، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس: حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع. ثم قرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية. وذكر الآثار بطولها (٣).
• قلة أحاديث أحمد في صحيح البخاري وسببها:
ذكر الحافظ ابن حجر سبب إقلال البخاري من التخريج للإمام أحمد في "صحيحه"، فقال:
وليس للمصنف في هذا الكتاب رواية عن أحمد إلا في هذا الموضع -إشارة إلى الحديث السابق- وأخرج عنه في آخر المغازي حديثا بواسطة -وقد أوردناه آنفا- وكأنه لم يكثر عنه، لأنه في رحلته القديمة لقي كثيرًا من مشايخ أحمد فاستغنى بهم، وفي رحلته الأخيرة كان أحمد قطع التحديث، فكان لا يحدث إلا نادرًا، فمن ثَمّ أكثر البخاري عن علي بن المديني دون أحمد (٤).
_________________
(١) السير ١١/ ١٨١.
(٢) الحديث رقم ٤٤٧٣، آخر كتاب المغازي. قال الحافظ في "الفتح" (٨/ ١٥٣): وهو أحد الأحاديث الأربعة التي أخرجها مسلم عن شيوخ أخرج البخاري تلك الأحاديث بعينها عن أولئك الشيوخ بواسطة.
(٣) الحديث رقم ٥١٠٥، في باب: ما يحل من النساء وما يحرم، من كتاب النكاح.
(٤) فتح الباري ٩/ ١٥٤.
[ ١ / ٩٧ ]
وقد خلف لنا الإمام أحمد ذلك الديوان العظيم المسمى: "المسند"، وقد صُنِّف في جمع السنة ما يزيد على المائة مسند (١)، فكان لابد من قرن اسم المصنِّف بالمسند الذي صنفه كـ"مسند عبد بن حميد" و"مسند أبي يعلى الموصلي" .. حتى يتميز عن غيره، ولكن لشهرة مسند أحمد، وتفوقه على غيره أصبح هذا الإسم المجرد -أعني "المسند"- علمًا عليه بالغلبة، فإذا أطلق فهو المقصود به حصرًا، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في ذكر المؤلفات في الحديث.
• وأما الفقه:
فقد روي عنه -﵀- في صيغة أسئلة وأجولة على غرار الفتاوي المسموعة، ولم يدوّن كتابًا في ذلك قط، لأنه كان يكره حتى التعليقات المكتوبة بإزاء السنن والآثار، كما هو صنيع مالك في "الموطأ"، بَلْهَ الفقه المجرد الذي ليس فيه إلا الإجتهاد الخالص.
فيكون المذهب الحنبلي قد ولد أول ما ولد في صورة أسمعة كتبها الأصحاب، بعضها في حياته وبعضها بعد وفاته، فكان بهذا شبيهًا بالمذهب المالكي. فقد تَكوَّن هو الآخر بهذه الطريقة، وبزغ فجره في كتاب "الموطأ" وأسمعة الأصحاب لمسائل الفقه التي أجاب عنها، فعبد الرحمن بن القاسم له سماع من مالك بلغ عشرين كتابًا، وأبو محمد عبد الله بن وهب له سماع من مالك بلغ ثلاثين كتابًا، وأشهب بن عبد العزيز له سماع من مالك يقول عنه سحنون: حدثني المتحري في سماعه: اْشهب وكان ورعًا في سماعه. وعدد كتب سماعه عشرون كتابًا. وأبو محمد عبد الله بن عبد الحكم كان له سماع من مالك، "الموطأ" نحو ثلاثة أجزاء. وصنف كتبًا اختصر فيها أسمعته (٢).
وكذلك الإمام أحمد دون أصحابه مذهبه في مرحلته المبكرة، فيما عرف واشتهر بـ "المسائل".
_________________
(١) "الرسالة المستطرفة"، لمحمد بن جعفر الكتاني.
(٢) الإختلاف الفقهي، ص ٨١، نقلًا عن "ترتيب المدارك" و"الديباج" وغيرها من تراجم علماء المالكية.
[ ١ / ٩٨ ]
قال الذهبي:
"وقد دوّن عنه كبار تلامذته مسائل وافرة في عدة مجلدات، كالمرّوذي، والأثرم، وحرب، وابن هانئ، والكوسج، وأبي طالب، وفوران، ويدر المغَارلي، وأبي يحيى الناقد .. " وسرد نحوًا من خمسين راوية، ثم قال: "وخلق سوى هؤلاء، سماهم الخلال في أصحاب أبي عبد الله، نقلوا المسائل الكثيرة والقليلة" (١).
وجرد ابن أبي يعلى في مقدمة "الطبقات" عددًا من نقلة الفقه عن الإمام أحمد، ثم قال: وهم مائة ونيف وعشرون نفسًا. ويتميز هذا الكتاب -يعني كتاب الطبقات- بالعناية برواية المترجمين عن الإمام أحمد وذكر مصنفاتهم (٢).
ويعتبر جرد العلامة علاء الدين المرداوي (ت ٨٨٥ هـ) أحسن جرد في هذا الموضوع، فقد عقد في آخر كتاب "الإنصاف" فصلًا في ذكر أسماء نقلة الفقه عن الإمام أحمد، ورتبهم على حروف المعجم، وعرَّف بكل واحد منهم تعريفًا موجزًا مبينًا ما لكل واحد منهم من الرواية على وجه الإجمال، فتارة يقول: "نقل مسائل كثيرة جدًا حسانًا" وتارة يقول: "نقل مسائل كثيرة" وتارة يقول: "نقل مسائل" وتارة يقول: "نقل أشياء" .. فأحصى نيفًا وثلاثين رجلًا.
وقال في أوله: "فصل في ذكر من نقل الفقه عن الإمام أحمد، - ﵁ - من أصحابه ونقله عنه إلى من بعده، إلى أن وصلت إلينا، فمنهم المقل، ومنهم المكثر، وهم كثيرون جدًا، لكن نذكر جملة صالحة منهم يحصل المقصود بها إن شاء الله" (٣).
وقال في خاتمته: "وهذا آخر ما قصدنا ذكره من أئمة أصحاب الإمام أحمد - ﵃ -، ممن نقل الفقه عنه، مما لا يستغني عنه طالب العلم. وهم نيف على ثلاثين ومائة نفس. ومن نقل عنه الفقه وغيره جماعة كثيرون جدًا، ذكرهم أبو بكر الخلال، وأبو بكر بن عبد العزيز -يعني غلام الخلال- في "زاد المسافر" والقاضي أبو الحسين بن أبي يعلى في "الطبقات" وقد زادوا فيها على الخمسمائة. وذكر ابن الجوزي بعضهم في "مناقب الإمام أحمد" وغيرهم. فإن من طالع في هذا الكتاب وغيره
_________________
(١) السير ١١/ ٣٣٠ - ٣٣١.
(٢) ذكر في المقدمة (١/ ٢٠) ما يفيد أنه التزم ذكر المصنفات للترجمين.
(٣) الإنصاف ٣٠/ ٣٩٩. ط. دار هجر، ١٩٩٦.
[ ١ / ٩٩ ]
من كتب الأصحاب يحتاج إلى معرفة الناقلين عنه، فإن بعضهم تارة يذكرهم بكناهم، ويعضهم يذكرهم بألقابهم، ويعضهم يذكرهم بأسمائهم. وهم أيضًا متفاوتون في المنزلة عند الإمام أحمد - ﵁ -، والنقل عنه والضبط والحفظ" (١).
وينبغي أن نعلم أن كلمة "فقه" الواردة في مثل هذه المواطن تعني أوسع من مدلولها الإصطلاحي المستقر. فكتب "المسائل" هي عبارة عن دواوين لفقه الدين بمعناه الواسع، فنجد فيها الفقه والاعقاد والتفسير والأصول والزهد ومناحي من الفنون لا تحصى كثرة، يتجلى لنا ذلك في أعمال أبي بكر الخلال (ت ٣١١ هـ). فقد قال عنه ابن الجوزي: "صرت عنايته إلى جمع علوم أحمد بن حنبل، وسافر لأجلها، وكتبها عالية ونازلة، وصنفها كتبًا، منها كتاب "الجامع" نحو من مائتي جزء، ولم يقارب أحد من أصحاب أحمد في ذلك" (٢).
وهو يعد في الطبقة الثانية من الأصحاب، فلذلك يعتبر متلقيًا لعلم الإمام أحمد بواسطة أصحابه، فيكون هو جامع شتات تلك "المسائل" من مدونيها، كما يدل عليه عنوان كتابه الكبير. قال الذهبي:
"وجمع أبو بكر الخلال سائر ما عند هؤلاء من أقوال أحمد وفتاويه وكلامه في العلل والرجال والسنة والفروع حتى حصل عنده من ذلك ما لا يوصف كثرة" (٣). ثم قال:
"وألف كتاب "الجامع" في بضعة عشر مجلدة أو أكثر، وقد قال في كتاب "أخلاف أحمد بن حنبل": لم يكن أحدٌ علمتُ عُنِيَ بمسائل أبي عبد الله قط، ما عُنيت بها أنا".
وقد طبع من هذه المسائل:
رواية ابنيه صالح وعبد الله، وأبي داود السجستاني صاحب "السنن"، وإسحاق ابن هانئ، وعبد الله البغوي المشهور بابن بنت منيع، وإسحاق بن منصور الكوسج، ومسائله ممزوجة بمسائل إسحاق بن راهويه، حقق منه: الطهارة، والصلاة، والصيام، والمعاملات.
_________________
(١) الإنصاف ٣٠/ ٤١٨.
(٢) المناقب، ص ٦١٨.
(٣) السير ١١/ ٣٣١. و"الطبقات" (٢/ ١٢ - ١٣)، و"إعلام الموقعين" (١/ ٣٥) ط. دار الحديث.
[ ١ / ١٠٠ ]