يتكون المسند من عدد كثير من الأحاديث التي رواها الصحابة عن النبي - ﷺ - (٢)؛ بعضها رواه الإمام أحمد بأسانيده إلى أولئك الصحابة، وهي تشكل معظم المسند، بالإضافة إلى زيادات رواها ابنه عبد الله عن عوالي شيوخه وأدرجها ضمن مسند أبيه، كما توجد زيادات لأبي بكر القطيعي راوي المسند عن عبد الله بن أحمد عن أبيه.
ويتطلب البحث أن نتفحص السند وهو في الوضع الذي كان عليه قبل أن يتصرف فيه عبد الله ابن الإمام بالترتيب والإضافات. ثم نتعرف على عدد أحاديثه إجمالًا وكيفية توزيعها على مسانيد الصحابة، وزوائد عبد الله والقطيعي.
_________________
(١) خصائص المسند: المطبوع في مقدمة طبعة الشيخ شاكر للمسند، ص: ٩. مكتبة التراث الإسلامي.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في "تعجيل المنفعة" ص ٢٣٣: والأصل في المسند الأحمدي إيراد الأحاديث المرفوعة لا أقوال الصحابة فمن بعدهم.
[ ١ / ١٠٩ ]
• المسند في صورته التي تركه عليها أحمد:
يقول ابن الجزري -﵀-:
إن الإمام أحمد شرع في هذا "المسند"، فكتبه في أوراق مفردة وفرقه في أجزاء منفردة، على نحو ما تكون المسوّدة، ثم جاء حلول المنية قبل حصول الأمنية، فبادر بإسماعه لأولاده وأهل بيته، ومات قبل تنقيحه وتهذيبه، فبقي على حاله، ثم إن ابنه عبد الله ألحق به ما يشاكله، وضم إليه من مسموعاته، ما يشابهه ويماثله (١).
وهكذا كان "المسند" في بدايته؛ عبارة عن مجموعة من الأجزاء المنفردة بعضها عن بعض، وكل جزء يحتوي على مجموعة من الأوراق المنفردة هي الأخرى بحيث لا تربطها أرقام ولا يهتدى فيها إلى تسلسل معين.
• المسند بين يدي عبد الله بن أحمد:
وقد رتب عبد الله بن الإمام "المسند" ترتيبًا لم يخرجه في حقيقة الأمر عن الصورة التي كان عليها عند أبيه، وقد وقع فيه خلل في جملة مواضع لا تمس جوهر الكتاب، من مثل إدراج عدد من أحاديث المكثرين في غير مسانيدهم، وتكرار الحديث الواحد بإسناده ومتنه لغير فائدة في إعادته، وتفريق أحاديث الصحابي الواحد في أكثر من موضع، والخلط بين أحاديث الشاميين والمدنيين، وعدم التمييز بين روايات الكوفيين والبصريين، وتداخل بعض أحاديث الرجال بأحاديث النساء، واختلاط مسانيد القبائل بمسانيد أهل البلدان. وقد نبه على ذلك الحافظ ابن عساكر في كتابه: "ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج حديثهم أحمد بن حنبل في المسند". ثم قال: ولست أظن ذلك إن شاء الله وقع من جهة أبي عبد الله -﵀- فإن محله في هذا العلم أوفى، ومثل هذا على مثله لا يخفى، وقد نُراه توفي قبل تهذييه، ونزل به أجله قبل تلفيقه وترتيبه، وإنما قرأه لأهل بيته قبل بذل مجهوده فيه خوفًا من حلول عائق موته دون بلوغ مقصوده فيما يرتضيه (٢).
_________________
(١) المصعد الأحمد المطبوع في مقدمة الشيخ شاكر للمسند ص ١٤.
(٢) مقدمة الطبعة الجديدة للمسند الصادرة عن مؤسسة الرسالة ص: ٦٣. نقلًا عن "ترتيب أسماء =
[ ١ / ١١٠ ]
• عدة أحاديثه:
قال الحافظ أبو موسى المديني -وهو من جملة من وقع له المسند كاملًا عن شيخه ابن الحصين-:
فأما عدد أحاديث "المسند" فلم أزل أسمع من أفواه الناس أنها أربعون ألفًا، إلى أن قرأت على أبي منصور بن زُريق ببغداد، أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: وقال ابن المنادي: لم يكن في الدنيا أحدٌ أروى عن أبيه منه؛ يعني: عبد الله بن أحمد بن حنبل، لأنه سمع "المسند"، وهو ثلاثون ألفًا، والتفسير، وهو مئة ألف وعشرون ألفًا، سمع منه ثمانين ألفًا والباقي وجادةٌ. فلا أدري: هل الذي ذكره ابن المنادي أراد به ما لا مكرر فيه، أو أراد غيره مع المكرر؟ فيصح القولان جميعًا، أو الاعتماد على قول ابن المنادي دون غيره؟ ولو وجدنا فراغًا لعددناه إن شاء الله تعالى (١).
وعلق الشيخ أحمد شاكر -﵀- على ذلك بقوله: "هو على اليقين أكثر من ثلاثين ألفًا، وقد لا يبلغ الأريعين ألفًا. وسيتبين عدده الصحيح عند إتمامه إن شاء الله". اهـ. ولكنه عاجلته المنية قبل تحقيق الأمنية -﵀- وقد عمل في "المسند" نحو الربع، ولو أتمه لكوشف بعين الحقيقة، ولصار اليقين الذي قطع به إلى المراجعة، فقد كشفت الطبعة الجديدة الصادرة عن "مؤسسة الرسالة" في (٥٠) مجلدًا؛ أن عدد أحاديث "المسند" (٢٧٦٤٧) حديثًا، بما في ذلك المكررات وزوائد عبد الله. والله أعلم.
_________________
(١) = الصحابة" بتحقيق الدكتور عامر حسن صبري. وقال الحافظ ابن حجر: وكان الإمام أحمد -﵀- لم يرتب مسانيد المقلين فرتبها ولده عبد الله فوقع فيه إغفال كبير من جعل المدني في الشامي ونحو ذلك. اهـ. مقدمة تحقيق "أطراف المسند" ص ٥٥، نقلًا عن "المعجم المفهرس" لإبن حجر.
(٢) خصائص المسند ص ٧.
[ ١ / ١١١ ]
• ترتيب الصحابة في المسند:
لقد توخَّى الإمام أحمد ترتيب الصحابة في مسنده حسب اعتبارات عدة، منها: الأفضلية، والسابقة في الإسلام، والشرافة النسبية، وكثرة الرواية. وذلك أنه بدأ "مسنده" بمسانيد الخلفاء الأربعة، وثنى بمسانيد بقية العشرة المبشرين بالجنة، وثلث بمسند أهل البيت، ثم تلاهم بمسانيد المكثرين من الرواية، كالعبادلة الأربعة: ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عمرو، ثم مسانيد الأمصار: مسند المكيين، ثم المدنيين، ثم الشاميين، ثم الكوفيين، ثم البصريين، ثم مسند الأنصار، ثم مسند النساء (١).
• زوائد المسند:
وتعتبر زوائد عبد الله على أصل "المسند" من جملة آثاره التي أكمل بها عمل أبيه في هذا الديوان العظيم. وذلك أن عبد الله لما تلقى "المسند" عن أبيه على الصفة التي مرت
_________________
(١) يتكون المسند الحنبلي على ما ذكره الحافظ ابن حجر في "أطراف المسند" ١/ ١٧٣ من ثمانية عشر مسندَ صحابي:
(٢) مسند العشرة وما معه.
(٣) مسند أهل البيت، وفيه: مسند العباس وبنيه.
(٤) مسند عبد الله بن عباس.
(٥) مسند ابن مسعود.
(٦) مسند أبي هريرة.
(٧) مسند عبد الله بن عمر.
(٨) مسند عبد الله بن عمرو بن العاص.
(٩) مسند أبي سعيد الخدري.
(١٠) مسند أنس بن مالك الأنصاري.
(١١) مسند جابر بن عبد الله الأنصاري.
(١٢) مسند الأنصار. ١٢ و١٣ - مسند المكيين والمدنيين.
(١٣) مسند الكوفيين.
(١٤) مسند البصرين.
(١٥) مسند الشاميين.
(١٦) مسند عائشة.
(١٧) مسند النساء.
[ ١ / ١١٢ ]
آنفًا، قام بعد ذلك بترتيبه وتهذيبه، وفي ذلك يقول الذهبي: وهذا كتاب "المسند" لم يصنفه هو -يعني الإمام أحمد- ولا رتبه، ولا اعتنى بتهذيبه، بل كان يرويه لولده نسخًا وأجزاء، ويأمره أن: ضع هذا في مسند فلان، وهذا في مسند فلان (١) اهـ. فالمسند بالصورة الحالية من عمل عبد الله، وإلى جانب العمل الفني في الترتيب والتهذيب أضاف عددًا غير قليل من الأحاديث بأسانيده عن شيوخ أُخَر غير أبيه، قال الذهبي: وله زيادات كثيرة في "مسند" والده واضحة عن عوالي شيوخه (٢) اهـ.
وجملة الشيوخ الذين روى عنهم الإمام أحمد في "المسند" (٢٨٣) شيخًا، وجملة شيوخ عبد الله في زوائده (١٧٣) شيخًا، وذلك على ما أحصاه ابن الجزري (٣).
وأما زيادات أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي (ت ٣٦٨ هـ) فقد صرح بوجودها أكثر من واحد من العلماء (٤). فقد قال ابن الجزري في سياق إسناده في تلقي "المسند": فأخبرني به كذلك مع الزيادات فيه لعبد الله بن أحمد وأبي بكر القطيعي الشيخ الصالح الأصيل رحلة البلاد وجامع لواء الإسناد وملحق الأحفاد بالأجداد اللإمام صلاح الدين أبو عبد الله وأبو عمر محمد بن الشيخ الصالح العالم تقي الدين أبي العباس أحمد بن الشيخ عز الدين إلى أن قال: أخبرك بجميع مسند الإمام أحمد من رواية ابنه عبد الله، وبما فيه من زيادات ابنه عبد الله عن غير أبيه، وبزيادات القطيعي أيضًا، وهي في مسند الأنصار - ﵃ - (٥). اهـ
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الزيادات: ثم زاد ابن أحمد زيادات، وزاد أبو بكر القطيعي زيادات، وفي زيادات القطيعي أحاديث كثيرة موضوعة (٦). اهـ.
_________________
(١) السير: ١٣/ ٥٢٢.
(٢) السير: ١٣/ ٥٢٤.
(٣) المصعد الأحمد ص ١٨.
(٤) وفي مقدمة تحقيق "أطراف المسند" ص ٦١ ذكر المحقق أمثلة من أربعة أحاديث مما خرجه من زيادات القطيعي في "المسند".
(٥) المصعد الأحمد ص: ١٣.
(٦) منهاج السنة النبوية ٤/ ٢٧.
[ ١ / ١١٣ ]