لا ريب أن المعنى العرفي لكلمة "مذهب" لا يحقق لنا الغرض الذي من أجله عقدنا هذه المقدمة، فإن التطور الدلالي أكسب هذا اللفظ مضمونًا اصطلاحيًا شاع بين النحاة والفقهاء الأصوليين والمحدثين وعلماء الأدب، وسائر العلوم، فما من فوع من فروع المعرفة الإنسانية إلا ونجد فيه مذاهب تتقاسمه وتسهم في تكوين بنيانه.
والمذهب بهذا المعنى الاصطلاحي له معنى عام مشترك بين العلوم، ومعنى خاص في نطاق الفقه الإسلامي، وهو الذي يهمنا في بحثنا هذا:
• فأما المعنى العام للمذهب:
فهو مبادئ وآراء متصلة منسقة لعالم أو لمدرسة، ومنه المذاهب الفقهية والأدبية والفنية والعلمية والفلسفية (١).
• وأما المعنى الخاص للمذهب:
فهو جملة الأحكام التي ذهب إليها إمام من أئمة الققه الإسلامي.
فهو بهذا المعنى اسم للمسائل التي يقول بها المجتهد، والتي يستخرجها أتباعه من قواعده (٢).
فمذهب الإمام أحمد بن حنبل، هو جملة الأحكام التي ذهب إليها الإمام أحمد، أو مجموع المسائل الفقهية التي قال بها الإمام أحمد، وما ألحق بذلك مما خرجه أصحابه على قواعده وأصوله.
والجدير بالتنبيه أن الأحكام الفقهية تنقسم قسمين رئيسين:
قسم مقطوع يه ومجمع عليه، ومنصوص من قبل الشارع صراحة، كوجوب الصلوات الخمس والزكاة والصوم، وتحريم الخمر والسرقة، ونحو ذلك. فهذه ليست محلًا للإجتهاد، وبالتالي، لا يظهر فيها تنازع الأنظار بين المجتهدين قط.
وقسم آخر مظنون، تتنازعه الإحتمالات مهما تباينت وتفاوتت في درجاتها، ويذلك كان هذا القسم محلًا لتنازع الأنظار، وموطنا للإختلاف والإتفاق. وهذا النوع من الأحكام هو الذي يدور الإجتهاد والإستنباط في نطاقه.
_________________
(١) الصحاح في اللغة والعلوم، تأليف نديم مرعشلي وأسامة مرعشلي، كلمة (ذهب).
(٢) الإختلاف الفقهي في المذهب المالكي، للخليفي، ص ٤٣. وقد عقد الإمام القرافي بحثًا مطولًا في تحقيق ماهية "المذهب" وشرحه في "السؤال السابع والثلاثين" من كتابه "الإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام".
[ ١ / ١٤ ]
واصطلح المتأخرون من فقهاء المذاهب على أن كلمه "مذهب أحمد" مثلًا إذا أطلقت، فلا يقصد بها دائمًا ما ذهب إليه الإمام نفسه، بل ما استقر عليه القول وجرت به الفتوى، سواء أكان هو قول الإمام نفسه، أم كان قولًا لأصحابه، أم كان قولًا مخرجًا معتمدًا، فيقولون: المذهب في المسألة كذا، ويقصدون هذا المعنى، من باب إطلاق الشيء على جزئه الأهم، كقوله - ﷺ -: "الحج عرفة" (١)، وذلك لأن الأهم عند الفقيه المقلد هو ما به الفتوى دون غيره (٢).
والمذهب بهذا المعنى الأخير لم يكن معروفًا في زمن الأئمة أصحاب المذاهب المتبوعة، فمالك والشافعي وغيرهما لم يكونوا يعرفون معنى المذاهب، وإنما كانوا ينشرون علم السنة، وفقه الصحابة والتابعين، ولذا قيل: إن نسبة المذهب إلى صاحبه لا يخلو من تسامح.
ثم تطورت دلالة هذه الكلمة حتى استقرت على مدلول كبير ومضمون واسع وأصبح إطلاق كلمة "المذهب الحنبلي" مثلًا في الأزمنة المتأخرة إلى يومنا هذا يعني ذلك المجموع المتكامل، والبنيان المتراصف المشيد من فقه وأصول وقواعد وضوابط وفروق واصطلاحات، تولدت وترتبت وهذبت، عبر مدة زمنية غير قليلة، وجهود كوكبة متلاحقة من العلماء، بنى اللاحق فيها على ما انتهى إليه السابق، منذ أن كان المذهب في طي تلك المسائل والفتاوي المتفرقة، والإجتهادات المنثورة في التصانِيف الأولى والأسمعة التي دونها الأصحاب رحمة الله أجمعين.
* * *