عمل الشيخ أحمد محمد شاكر -﵀- في "المسند" عملًا علميًا يستحق كل شكر وتقدير أجزل الله له المثوية في العقبى.
وجاءت فكرة عمله في "المسند" في أوائل شبابه لما هُدي إلى حب السنة النبوية المطهرة،
_________________
(١) ذكرت وفاته -﵀- في الصفحة ٢١٢ من نفس الجزء.
[ ١ / ١٤٤ ]
ومالت رغبته إلى الإشتغال بعلومها والتعمق في الفقه في فنونها، والتنقيب عن روائعها ونفائس كتبها. فاطلع في جملة ما اطلع على"المسند" الذي كان من ضمن ما تحتوي عليه مكتبة أبيه، فوجده بحرًا لا ساحل له، ونورًا يستضاء به، لكن لا تنقاد شوارده، ولا تنال فوائده، ولا تلتقط درره المكنونة فيه إلا بعد تعب وعناء، لا يدركه إلا من حفظه واستَظهره على الغيب وهيهات ..
قال:
فشُغفت به وشُغلت، ورأيت أن خير ما تخدم به علوم الحديث أن يوفق رجل لتقريب هذا المسند الأعظم للناس، حتى تعم فائدته، وحتى يكون للناس إمامًا، وتمنيت أن أكون ذلك الرجل (١).
وتتلخص فكرة عمل الشيخ شاكر في المسند بما يلي:
أولًا: وضع فهارس لفظية للكتاب، كفهارس الأعلام، والقبائل، والبلدان، وغير ذلك.
ثانيًا: وضع فهارس علمية للأبواب والمسائل والموضوعات التي تعرف بعناوين مشهورة في كتب الفقه والعقيدة والآداب والأخلاق والسير وغير ذلك.
ولا ريب أن تخريج مثل هذه الفهارس لكتاب مثل "المسند" يستغرق عمرًا طويلًا وجهدًا مضنيًا متواصلًا، وقد فتق الله سبحانه في ذهن الشيخ فكرة العمل بالأرقام، وذلك بأن يقوم بترقيم أحاديث "المسند" من أوله إلى آخره على ما هو عليه، بحيث يصبح كل حديث معروفًا برقم عددي خاص به يكون عَلمًا عليه ويسهل للباحث الرجوع إليه، وتبنى عليه الفهارس كلها مهما تنوعت وتعددت (٢).
وقسم الفهارس اللفظية إلى خمسة أقسام:
الأول: فهوس الصحابة رواة الأحاديث مرتب على حروف العجم. فإن أبهم الصحابي وضع اسم التابعي الراوي عنه على الترتيب نفسه.
الثاني: فهرس الجرح والتعديل. وهو يتناول الرواة الذين تكلم فيهم الإمام أحمد أو
_________________
(١) مفدمة المسندص ٦، ط. مكتبة التراث الإسلامي.
(٢) المصدر السابق ص ٧.
[ ١ / ١٤٥ ]
ابنه عبد الله في "المسند". وهم قليل. بالإضافة إلى الرواة الذين تكلم عليهم الشيخ شاكر في نقد الأحاديث وتمييز صحيحها من سقيمها.
الثالث: فهرس الأعلام الواردة في متون الأحاديث.
الرابع: فهرس الأماكن الواردة في متون الأحاديث.
الخامس: فهرس لغريب الحديث.
وأما الفهارس العلمية فهي الأصل والمقصود من هذا العمل العظيم.
وقد خرّج الشيخ تلك الفهارس من فهارس كتب السنة وكتب الفقه والسير والأخلاق، وصاغ من مجموع ما تحصل عنده عناوين جديدة مقاربة للموضوعات الشرعية المختلفة، وفي ذلك يقول:
وقد قرأت من أجل هذا الفهرس كل فهارس كتب السنة، وكتب الفقه، وكتب السير، وكتب الأخلاق التي يُسِّر لي الحصول عليها، ثم ضممت كل شبْه إلى شبْهه، وكل شَكْل إلى شكله، وتخيرت في ترتييها أقرب الطرق إلى عقل المحدِّث والفقيه. بعد أن قسمتها إلى كنب جاوزت الأريعين، فيها أكثر من ألف باب.
وكلما رأيت بابًا فيه شيء من العموم كثرت أرقام أحاديثه، اجتهدت في تقسيمه إلى معان فرعية، ليُحصر أقرب العاني إلكتابعضها في أرقام يسهل على القارئ الرجوع إليها (١).
وقد استفاد الشيخ من منهج الإمام البخاري وصنيعه في "صحيحه"؛ وذلك أن الإمام البخاري يكرر الحديث الواحد أو يُقطِّعه على عدة مواضع بحسب ما يرى فيه من علاقة بين ذلك الحديث وذلك الباب.
ولئن كان الإمام البخاري ينهج نهج التكرار والتقطيع انسجامًا مع زمانه، فإن الشيخ شاكرًا استفاد من الأرقام التي رقم بها الأحاديث بحيث أراحته من كل ذلك؛ من تقطيع الحديث ومن تكراره. رَقْم الحديث يوضع في كل باب، وفي كل معنى يدل عليه، أو يصلح للإستشهاد به فيه، دون تكلف ولا مشقة (٢).
_________________
(١) المصدر السابق ص ٩ - ١٠.
(٢) المصدر السابق ص ٩.
[ ١ / ١٤٦ ]
وكان الشيخ في أول الأمر لا يرى نفسه أهلًا للقيام بنقد الأسانيد، وتمييز الأحاديث وييان درجاتها. ولكنه بعدما واجهته صعوبة اشتباه بعض الأسانيد في بعض الأحاديث، وألجأته إلى مراجعة دواوين الحديث وكتب الرجال، ويعد أن أشار عليه أحد أصدقائه الخُلَّص بأهمية هذا العمل وفائدته، بعد ذلك شرح الله صدره لهذا العمل، فأقدم عليه واستعان بالله.
فجاءت الأحاديث التي عمل فيها مبيَّنة الدرجة؛ فإن كان الحديث صحيحًا ذكره كذلك، وإن كان ضعيفًا بين سبب ضعفه، وإن كان في إسناده رجل مختلف في توثيقه وتضعيفه اجتهد فيه رأيه على ما وسعه علمه، وذكر مارآه (١).
ويعتبر فهرس الجرح والتعديل-وهو الفهرس الثاني من الفهارس اللفظية- كاشفًا بأسماء الرجال الذين تكلم عليهم وهاديًا إلى الموضع الذي يوجد فيه ذلك الكلام، لأن عادته أن لا يتكلم على الرجل الواحد إلا مرة واحدة.
وفي النتائج التي توصل إليها من عمله القيم الجليل قال:
وإني أرجو أن تكون دعوة الذهبي أُجيبت بما صنعت، وأسال الله سبحانه الهدى والسداد، والعصمة والتوفيق.
وما أبغي أن أتمدح بعملي أو أفخر به، ولكني أستطيع أن أقول: إن في بعض ما حققت من الأسانيد قد حللت مشاهل، وبينتُ دقائق، وصححت أخطاء، فاتت على كثير من أئمة الحديث السابقين، لا تقصيرًا منهم، ولا اجتهادًا مني، ولكن هذا الديوان السامي-كما سماه الحافظ الذهبي- وإن مفتاحًا لما أُغلق، ومنارًا يهتدى به في الظلمات، وكان للناس إمامًا، حين وُفق رجل لخدمته، وحين حققت أحاديثه تحقيقًا مفصلًا (٢).
ويُعتبر عمل الشيخ أحمد شاكر -﵀- مقربًا للمسند وميسرًا للإستفادة منه لولا أن المنية عاجلته (ت ١٣٧٧ هـ) قبل تحقيق الأمنية وإتمام المسند، فلم يخرج منه إلا ما يقارب ربع الكناب، كما أنه لم يكمل عمله في سنن الترمذي أيضًا.
_________________
(١) المصدرالسابق ص ١١.
(٢) المصدر السابق ص ١٣.
[ ١ / ١٤٧ ]