* قال المرداوي -﵀-: (نقل حنبل (^١) فيمن أريد قتله قودًا (^٢)، فقال رجل آخر: أنا القاتل، لا هذا. أنه لا قود، والدية على المقر.) (^٣)
* وقال البهوتي -﵀-: (ومن أريد قتله قودًا ببينة بالقتل لا بإقراره فقال شخص: أنا القاتل لا هذا فلا قود على واحد منهما، وعلى مقر الدية لقول علي: أحيا نفسًا ولزوم الدية له لصحة بذلها منه) (^٤)
واستدلوا بقول الصحابي والمعقول:
أولًا: قول الصحابي:
ما ذكره ابن القيم -﵀- في أقضية علي -﵁- حينما سأل علي -﵁- رجلًا فقال: «فكيف كان حديثك؟ قال: إني رجل قصاب (^٥)، خرجت إلى حانوتي (^٦) في الغلس (^٧)، فذبحت بقرة وسلختها، فبينما أنا أسلخها والسكين في يدي أخذني البول، فأتيت خَرِبة (^٨) كانت بقربي فدخلتها، فقضيت حاجتي، وعدت أريد حانوتي، فإذا أنا بهذا المقتول يتشحط (^٩) في دمه فراعني أمره، فوقفت أنظر إليه والسكين في يدي، فلم أشعر إلا بأصحابك قد وقفوا علي، فأخذوني، فقال الناس: هذا قتل هذا، ما له قاتل سواه. فأيقنت أنك لا تترك قولهم لقولي، فاعترفت بما لم أجْنِه، فقال علي للمقر الثاني: فأنت كيف كانت قصتك؟ فقال:
_________________
(١) هو: حنبل بن إسحاق بن حنبل أبو علي الشيباني، ابن عم الامام أحمد، سمع: الإمام أحمد وأبا نعيم، حدث عنه: أبو بكر الخلال وعبدالله البغوي، جاء عن أحمد بمسائل أجاد فيها الرواية وأغرب بغير شيء وإذا نظرت في مسائله شبهتها في حسنها وإشباعها وجودتها بمسائل الأثرم، مات بواسط سنة (٢٧٣ هـ)، «طبقات الحنابلة» (١/ ١٤٣)، «المقصد الارشد»، (١/ ٣٦٥)
(٢) القود: القصاص وقتل القاتل بدل القتيل. «النهاية في غريب الحديث والأثر»، مادة (قود) (٤/ ١١٩)
(٣) «الإنصاف» (٢٥/ ١٣٧)
(٤) «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ١٧)
(٥) القصب: القطع. والمقصود: بالقصاب: الجزار وقصب الجزار الشاة أي: قطعها. انظر: «لسان العرب» (١/ ٦٧٥)
(٦) الحانوت: تطلق على بيوت الخمارين الحوانيت، وأهل العراق يسمونها المواخير، واحدها حانوت وماخور. انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» (١/ ٤٤٨)، مادة (حنت)
(٧) الغلس: هي ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح. انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» (٣/ ٣٧٧) مادة (غلس).
(٨) الخراب: ضد العمارة. ويقال: خرب المكان خرابًا. وخراب الأرض هو: فسادها لفقد العمارة. انظر: «جمهرة اللغة» للأزدي (١/ ٢٨٨)، «الفائق في غريب الحديث» للزمخشري (١/ ١٧٣)
(٩) يتشحط: يتخبط فيه، ويضطرب ويتمرغ. «النهاية في غريب الحديث والأثر» (٢/ ٤٤٩)، مادة (شحط).
[ ١٣٠ ]
اعتراني فلس (^١)، فقتلت الرجل طمعًا في ماله، ثم سمعت حس العسس (^٢)، فخرجت من الخَرِبة، واستقبلت هذا القصاب على الحال التي وصف، فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس، فأخذوه وأتوك به. فلما أمرت بقتله علمت أني أبوء بدمه أيضا فاعترفت بالحق. فقال علي للحسن -﵄- (^٣): ما الحكم في هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن كان قد قتل نفسًا فقد أحيا نفسًا، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (^٤)، فخلى علي -﵁- عنهما، وأخرج دية القتيل من بيت المال». (^٥)
وجه الدلالة: أن عليَّا -﵁- أسقط القصاص عن القاتل وعن المتهم بالقتل بعد استشارة ابنه الحسن -﵁- وقوله: إن كان قد قتل نفسًا فقد أحيا نفسًا، وأخرج دية القتيل من بيت المال فهو: قضاء الحسن ﵇ بين يدي أبيه -﵄-.
قال ابن القيم -﵀- عقب ذكره الأثر: (وهذا إن وقع صلحًا برضى الأولياء فلا إشكال، وإن كان بغير رضاهم فالمعروف من أقوال الفقهاء: أن القصاص لا يسقط بذلك؛ لأن الجاني قد اعترف بما يوجبه، ولم يوجد ما يسقطه، فيتعين استيفاؤه. وبعد فَلِحُكْم أمير المؤمنين وجه قوي، وقد وقع نظير هذه القصة في زمن رسول الله (^٦) إلا أنها ليست في القتل ثم ذكر ذلك). (^٧)
_________________
(١) فلس: أفلس الرجل أي إذا لم يبق له مال. انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» (٣/ ٤٧٠) مادة (فلس)
(٢) العسس: هو: الذي يطوف للسلطان بالليل. ومنه حديث عمر -﵁-: أنه كان يعس بالمدينة، أي يطوف بالليل يحرس الناس ويكشف أهل الريبة. انظر: «معجم مقاييس اللغة» (٤/ ٤٢) «لسان العرب» (٦/ ١٣٩)، مادة (عسس).
(٣) هو: الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو محمد، ولد سنة (٣ هـ) على الأثبت سبط رسول الله -ﷺ- وريحانته، روى عن النبي -ﷺ- وعن أبيه، اختلف في وفاته قيل (٤٤ هـ) وقيل (٤٩ هـ) وقيل (٥٠ هـ) وقيل غير ذلك. انظر: «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (١/ ٣٨٣) «الإصابة في تمييز الصحابة» (٢/ ٦٠)
(٤) [سورة المائدة: ٣٢].
(٥) أورده ابن القيم بلا سند في «الطرق الحكمية»، (١/ ١٤٠) ولم أقف عليه مسندأ.
(٦) القصة ذكرها النسائي فقال: عن علقمة بن وائل، عن أبيه، زعم أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد عكورة على نفسها فاستغاثت برجل مر عليها، وفر صاحبها ثم مر عليها ذوو عدد فاستغاثت بهم فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه وسبقهم الآخر فجاءوا به يقودونه إليها، فقال لها: أنا الذي أغثتك وقد ذهب الآخر قال: فأتوا به النبي -ﷺ- فأخبرته أنه وقع عليها وأخبر القوم أنهم أدركوه يشتد فقال: إنما كنت أغيثها على صاحبها فأدركوني هؤلاء فأخذوني قالت: كذب هو الذي وقع علي فقال رسول الله -ﷺ-: «انطلقوا به فارجموه» فقام الرجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني فأنا الذي فعلت بها الفعل فاعترف فاجتمع ثلاثة عند رسول الله -ﷺ-، الذي وقع عليها والذي أغاثها والمرأة فقال: أما أنت فقد غفر لك وقال للذي أغاثها قولًا حسنًا، فقال عمر: أرجم الذي اعترف بالزنى؟ فأبى رسول الله -ﷺ- قال: «لا إنه قد تاب إلى الله»، «السنن الكبرى»، كتاب الرجم، الضرير في خلقته يصيب الحد، ذكر الاختلاف على يعقوب بن عبد الله بن الأشج فيه، (٦/ ٤٧٧) رقم (٧٢٧٠)
(٧) «الطرق الحكمية» (١/ ١٤٢)
[ ١٣١ ]
ثانيًا: المعقول
وذلك أن الدعوى على الأول شبهة في درء القصاص عن الثاني؛ فتجب الدية عليه؛ لإقراره بالقتل الموجب لها. (^١)
* * *