صورة المسألة.
أن يقول الزوج لعدد من نسائه بكلمة واحدة لفظ الظهار وهو أنتن عليَّ كظهر أمي. فإذا قال ذلك فكم كفارة تجب عليه هل كفارة واحدة؟ أم عدد من الكفارات؟
اختلف فقهاء الحنابلة في ذلك على روايتين:
الرواية المعتمدة: الواجب على من ظاهر من نسائه بكلمة واحدة، كفارة واحدة (كفارة واحدة لكل نسائه).
* قال ابن قدامة -﵀-: (إذا ظاهر من نسائه الأربع بلفظ واحد، فقال: أنتن علي كظهر أمي. فليس عليه أكثر من كفارة. بغير خلاف في المذهب. وهو: قول علي، وعمر) (^٢)
* وقال المرداوي -﵀-: (قوله وإن ظاهر من نسائه بكلمة واحدة، فكفارة واحدة.) (^٣)
* وقال البهوتي -﵀-: (لو ظاهر من نسائه بكلمة كقوله: أنت علي كظهر أمي فلا يلزمه إلا كفارة واحدة. رواه الأثرم عن عمر وعلي ولأنه ظهار واحد.) (^٤)
استدلوا على هذه الرواية بقول الصحابي والمعقول:
أولًا: قول الصحابي:
١. عن ابن المسيب (^٥) «أن عمر -﵁- قال في رجل ظاهر من ثلاث نسوة قال: عليه كفارة واحدة» (^٦)
_________________
(١) الظهار: هو: قول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي، مشتق من الظهر، وخصوا الظهر دون غيره؛ لأنه موضع الركوب. انظر: «المطلع على ألفاظ المقنع» (ص ٤١٨)
(٢) «المغني» (١١/ ٧٨)
(٣) انظر: «الإنصاف» (٢٣/ ٢٧٩)
(٤) «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٥٤٥)
(٥) هو: سعيد بن المسيب بن حزن القرشي، أبو محمد، روى عن: سعد بن أبي وقاص وأبي هريرة -﵂-، وعنه: عمرو بن شعيب، وعمرو بن دينار، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وكان بارزًا في العلم والعمل، مات سنة (٩٣ هـ). وقيل (٩٤ هـ) وسميت سنة الفقهاء؛ لكثرة من مات منهم فيها. وقيل سنة (٩٥ هـ) انظر: «وفيات الأعيان» (٢/ ٣٧٥) «سير أعلام النبلاء» (٤/ ٢١٧)
(٦) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى»، (٧/ ٦٣١) رقم (١٥٢٥٤)، وعبد الرزاق في «مصنفه»، (٦/ ٤٣٨) رقم (١١٥٦٧)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٢/ ٣٩) رقم (١٨٣١)، والدارقطني في «سننه» (٤/ ٤٩٤) رقم (٣٨٦٤)، وصححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٨/ ١٦٠) والبيهقي في الخلافيات (٦/ ٣٣١).
[ ١١٥ ]
وجه الدلالة: جعل عمر بن الخطاب -﵁- كفارة واحدة لمن ظاهر عدد من نسائه كما لو ظاهر واحدة منهن. فالأثر عام في وجوب كفارة واحده ولم يفرق بين من ظاهر عدد من نسائه وبين من ظاهر واحدة. ولا يعرف لهما في الصحابة مخالفًا، فكان إجماعًا. (^١)
٢. عن علي -﵁- قال: «إذا ظاهر مرارًا في مجلس واحد فكفارة واحدة، وإن ظاهر في مقاعد شتى فكفارات شتى، والأيمان كذلك» (^٢)
وجه الدلالة: جعل علي -﵁- الظهار مرارا في مجلس واحد كفارة واحدة.
ثانيا: المعقول:
وذلك أن الزوج إذ ظاهر من زوجاته وقال أنتن عليَّ كظهر أمي ثم خالف هذه الكلمة بأن جامعهن فتجب عليه الكفارة وهذه الكلمة تعددت في مجموعة نسائه فيجب عليه كفارة واحدة، وذلك قياسًا على اليمين فلو أن شخصًا مثلًا حلف لا يأكل، ولا يشرب، ولا يدخل الدار، ولا ينام على الفراش، فهي أيمان أربعة إذا حنث فيها تكون الكفارة الواجبة عليه كفارة واحدة؛ لإن موجبها اليمين، فكذلك الظهار فإنه وقع على نسائه الأربع لكن الكفارة واحدة، والجامع بين الظهار واليمين كلاهما كلمة تجب بمخالفتها الكفارة. (^٣)
الرواية الثانية: من ظاهر من نسائه بكلمة واحدة، فعلية كفارات (لكل امراة كفارة)
* قال المرداوي -﵀-: (وعنه، عليه كفارات مطلقًا.) (^٤)
* قال الزركشي -﵀-: وحكى أبو البركات رواية أخرى أن عليه لكل واحدة كفارة.) (^٥)
_________________
(١) «المغني» (١١/ ٧٩)
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٦/ ٤٣٧)، رقم (١١٥٦٠) ورجال الإسناد: عثمان بن مطر=ضعفه ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ص ٣٨٦)، سعيد بن أبي عروبة= قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة حافظ) (ص ٢٣٩)، قتادة=سبق أنه ثقة ثبت، خِلاسِ بن عمرو=سبق أنه ثقة وكان يرسل.
(٣) انظر: «المغني» (١١/ ٧٩) و«العدة شرح العمدة» (٢/ ٦٩)
(٤) «الإنصاف» (٢٣/ ٢٧٩)
(٥) «شرح الزركشي» (٣/ ٤١٢)
[ ١١٦ ]
واستدلوا بالمعقول:
وذلك أن الظهار والعودة من الزوج لنسائه موجود في كل امرأة منهن، فيجب عليه عن كل واحدة كفارة كما لو أنه ظاهر واحدة منهن وأفردها لوحدها، وبذلك تجب عليه كفارات وليس كفارة واحدة. (^١)
الراجح:
الراجح والله أعلم الرواية الأولى، وأن من ظاهر من نسائه بكلمة واحدة، فالواجب عليه كفارة واحدة وذلك لصحة الأثر عن الصحابي عمر -﵁-، ولأنه لم يعرف له من الصحابة مخالف فكان إجماعًا،
ورجحها عدد من الحنابلة كابن قدامة (^٢) والبهوتي (^٣) وغيرهم (^٤).
* * *