* قال ابن قدامة -﵀-: (وإذا قوتلوا لم يتبع لهم مدبر (^١) ولم يجز على جريح ولم يقتل لهم أسير (^٢) ولم يغنم لهم مال ولم يسبَ (^٣) لهم ذرية). (^٤)
* وقال المرداوي -﵀-: (قوله: ولا يتبع لهم مدبر، ولا يجاز على جريح. اعلم أنه يحرم قتل مدبرهم وجريحهم. بلا نزاع). (^٥)
* وقال البهوتي -﵀-: (وحرم اتباع وقتل مدبرهم وقتل جريحهم لما روى مروان قال صرخ صارخ لعلي يوم الجمل لا يقتل مدبر ولا يذفف على جريح (^٦)، ومن أغلق بابه فهو: آمن ومن ألقى السلاح فهو: آمن رواه سعيد وعن عمار نحوه كالصائل.) (^٧)
واستدلوا بالسنة وقول الصحابي والمعقول:
أولا: السنة:
عن ابن عمر -﵂- قال: قال رسول الله -ﷺ- لعبد الله بن مسعود: «يا ابن مسعود، أتدري ما حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟. قال ابن مسعود: الله ورسوله أعلم. قال: " فإن حكم الله فيهم أن لا يتبع مدبرهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يذفف على جريحهم» (^٨)
وجه الدلالة: الحديث صرح بأن المدبر لايتبع والأسير لايقتل والجريح لايذفف.
_________________
(١) المدبر: هو من ولى دبره وهرب. انظر: «الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي» (ص ٧٤١)
(٢) الأسير: هو من أُخذ من الأعداء سالمًا. انظر: «الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي» (ص ٧٤٢)
(٣) السبي: أخذ النساء والصبيان. «الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي» (ص ٧٤٢)
(٤) «الكافي» (٤/ ١٤٨)
(٥) «الإنصاف» (٢٧/ ٧٥)
(٦) تذفيف الجريح: الإجهاز عليه وتحرير قتله. «النهاية في غريب الحديث والأثر» (٢/ ١٦٢)، مادة (ذفف).
(٧) «كشاف القناع» (١٤/ ٢١٨)
(٨) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ١٨٢) رقم (١٦٨٥٤) وقال تفرد به كوثر بن حكيم وهو: ضعيف. والحاكم في «مستدركه» (٢/ ١٥٥) رقم (٢٦٧٧) والبزار في «مسنده» (١٢/ ٢٣١) رقم (٥٩٥٤) وأورده ابن حجر في «المطالب العالية» (١٨/ ١٠٦) رقم (٤٣٩٥)
[ ١٨٧ ]
ثانيا: قول الصحابي:
١ - عن جعفر بن محمد (^١)، عن أبيه قال «أمر علي -﵁- مناديه فنادى يوم البصرة: لا يُتبَعُ مدبر، ولا يُذَففُ على جريح، ولا يُقتَلُ أسير، ومن أغلق بابه فهو: آمن، ومن ألقى سلاحه فهو: آمن، ولم يأخذ من متاعهم شيئا.» (^٢)
وجه الدلالة: فتوى عليٍّ تحريم قتل المدبر والجريح.
٢ - وعن أبي أمامة -﵁- (^٣) قال: «شهدت صفين (^٤) فكانوا لا يجهزون على جريح، ولا يقتلون مُوَلِّيًا،
_________________
(١) هو: جعفر بن محمد بن علي القرشي، أبو عبد الله، ولد: سنة (٨٠ هـ).، حدث عن: عروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، حدث عنه: ابنه وسفيان بن عيينة، من سادات أهل البيت وعباد أتباع التابعين وعلماء أهل المدينة، توفي سنة (١٤٨ هـ) - «مشاهير علماء الأمصار» لابن حبان (٢٠٦). «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٢٥٥)
(٢) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى»، (٨/ ٣١٤) رقم (١٦٧٤٧)، من طريق أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو الوليد الفقيه، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، وعبد الرزاق في «مصنفه»، (١٠/ ١٢٣) رقم (١٨٥٩٠)، وسعيد بن منصور في «سننه»، (٢/ ٣٨٩) رقم (٢٩٤٧)،، وابن أبي شيبة «مصنفه»، (٦/ ٤٩٨) رقم (٣٣٢٧٧)، أبو عبد الله الحافظ هو: الحاكم = تقدم، أبو الوليد الفقيه = قال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (الإمام الأوحد الحافظ المفتي) (١٥/ ٤٩٢)، الحسن بن سفيان = قال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (الإمام الحافظ الثبت) (١٤/ ١٥٧)، أبو بكر بن أبي شيبة = قال ابن حجر في «التقريب» (ثقة حافظ، صاحب تصانيف) (ص ٣٢٠)، حفص بن غياث = قال ابن حجر في «التقريب» (ثقة فقيه تغير حفظه قليل في الآخر) (ص ١٧٣)، جعفر بن محمد = قال ابن حجر في «التقريب» (صدوق فقيه إمام) (ص ١٤١)، أبيه هو: محمد بن علي= قال ابن حجر في «التقريب» (ثقة فاضل) (٤٩٧)
(٣) هو: صُدَّيُّ بالتّصغير، ابن عجلان بن الحارث. ويقال ابن وهب، ويقال ابن عمرو بن وهب، أبو أمامة. مشهو: ر بكنيته، روى عن: النبي -ﷺ- وعن عمر -﵁-، روى عنه: أبو سلام الأسود، ومحمد بن زياد، وكان من المكثرين في الرواية عن رسول الله -ﷺ-، وأكثر حديثه عند الشاميين، سكن مصر، ثم انتقل منها إلى حمص فسكنها، ومات بها سنة (٨٦ هـ) «الاستيعاب في معرفة الاصحاب» (٤/ ١٦٠٢) «الإصابة في تمييز الصحابة» (٣/ ٣٣٩)
(٤) صفين: قرية قديمة بناها الروم، وهي بالقرب من الرّقّة على شاطئ الفرات من الجانب الغربي بين الرّقّة وبالس وبها الوقعة المعروفة والتي كانت بين عليّ ومعاوية -﵄- في سنة ٣٧ هـ وقتل فيها سبعون ألفا، قد أكثرت الشعراء من وصفها في أشعارهم. انظر: «معجم البلدان» (٣/ ٤١٤) «آثار البلاد وأخبار العباد» (ص ٢١٤)
[ ١٨٨ ]
ولا يسلبون قتيلًا» (^١)
وجه الدلالة: أن الجريح لايجهز عليه والمولي لايقتل والقتيل لايسلب كما هو صريح الأثر.
ثانيا: المعقول.
أما كونهم لا يغنم لهم مال؛ فلأنهم لم يكفروا ببغيهم وقتالهم، وعصمة الأموال تابعة لدينهم. بدليل قوله رسول الله -ﷺ-: «لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك الجماعة.» (^٢) وليس القتال والبغي واحدًا منها.
وأما كونهم لا يسبى لهم ذرية فلأن الذراري تبع لهم، وهم لا يجوز سبيهم لبقائهم على الإسلام. فالذين هم تبع لهم بطريق الأولى. ولأن الذراري لم يحصل منهم شيء أصلًا. بخلاف أهل البغي فإنهم وجد منهم البغي والقتال (^٣)
* * *