ذهب الأئمة الثلاثة -﵏- إلى القول بحجية مذهب الصحابي وجعلوه أصلًا من أصولهم، وإن اختلفت مرتبة هذا الأصل عند كل واحد منهم، أو قدَّموا بعض الأدلة عليه.
أولًا: رأي الإمام أبي حنيفة -﵀- وأصحابه في مذهب الصحابي
ورد عن أبي حنيفة -﵀- في ذلك أنه قال: (آخذ بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله -ﷺ-، فإن لم
_________________
(١) «روضة الناظر»، (١/ ٤٦٦)
(٢) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى»، (١/ ٣٣٩) رقم (١٠٥٤) وصحح إسناده عقب ذكره للأثر. قال ابن عمر -﵁-: «يتيمم لكل صلاة وإن لم يُحْدِث»
(٣) انظر: «إعلام الموقعين»، (٦/ ١٧)
[ ٤٧ ]
أجد في كتاب الله وسنة رسول الله -ﷺ-، آخذ بقول أصحابه، ثم آخذ بقول من شئت منهم، وأدع قول من شئت منهم، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم). ثم ذكر أنه إذا انتهى الأمر إلى التابعين، (فقوم اجتهدوا وأنا أجتهد كما اجتهدوا). (^١)
وللحنفية في هذا الأصل قولان:
القول الأول: أن قول الواحد من الصحابة مقدَّم على القياس، يترك القياس بقوله. (^٢) فهو: حجة وتقليده واجب يترك به-أي بقوله -القياس، وهذا قول أبي سعيد البردعي (^٣) وأبي بكر الرازي (^٤) في بعض الروايات، وجماعة من أصحاب الحنفية. (^٥)
القول الثاني: لأبي الحسن الكرخي. (^٦) وجماعة من أصحابه لا يجب تقليده، إلا فيما لا يدرك بالقياس. (^٧)
والراجح عند الحنفية هو: القول بحجية مذهب الصحابي، ودلالة ذلك أخذهم به في الفروع
_________________
(١) «مختصر المؤمل» لأبي شامة، (ص: ٦٣)
(٢) «أصول السرخسي»، (٢/ ١٠٥)
(٣) هو: أحمد بن الحسين البردعي، أبو سعيد، أخذ عن: أبي علي الدقاق، وإسماعيل بن حماد، وعنه: أبو الحسين الكرخي وأبو طاهر الدباس، له كتاب «الحيض»، من كبار الفقهاء المتقدمين ببغداد، خرج إلى الحج فقُتِلَ في وقعة القرامطة مع الحجاج سنة (٣١٧ هـ)، «الجواهر المضية في طبقات الحنفية» لعبد القادر الحنفي (١/ ٦٦)، و«الفوائد البهية في تراجم الحنفية» لمحمد الهندي (ص ١٩)
(٤) هو: أحمد بن علي الرازي المعروف بالجصاص، أبو بكر، ولد سنة (٣٠٥ هـ)، أخذ عن: علي الزجاج وأبي الحسين الكرخي، وعنه: أحمد الخوارزمي، ومحمد بن يحيى، من أشهر مؤلفاته «أحكام القران» و«شرح مختصر الكرخي»، كان إمام أصحاب أبي حنيفة في وقته، مات سنة (٣٧٠ هـ). «الجواهر المضية في طبقات الحنفية» (١/ ٨٤)، «الفوائد البهية في تراجم الحنفية» (ص ٢٧)
(٥) انظر: «كشف الأسرار»، لعبد العزيز البخاري، (٣/ ٢١٧)، و«شرح التلويح»، للتفتازاني، (٢/ ٣٧، ٣٦) و«فواتح الرحموت»، لعبد العلي الأنصاري، (٢/ ٢٣٢، ٢٣١).
(٦) هو: عبيد الله بن الحسين بن دلال الكرخي، أبو الحسن، ولد سنة (٢٦٠ هـ)، أخذ عن: أبي سعيد البردعي، وإسماعيل القاضي، وعنه: أبو بكر الرازي وأبو علي الشاشي، من أشهر مؤلفاته: «أصول الكرخي» و«الجامع الصغير»، كان كثير الصيام والصلاة، مات سنة (٣٤٠ هـ). انظر: «الجواهر المضية في طبقات الحنفية»، (١/ ٣٣٧) و«الفوائد البهية في تراجم الحنفية» (ص ١٠٨).
(٧) «كشف الأسرار» (٣/ ٢١٧)، و«شرح التلويح»، (٢/ ٣٦)، و«فواتح الرحموت»، (٢/ ٢٣٢، ٢٣١).
[ ٤٨ ]
الفقهية (^١)
ثانيًا: رأي الإمام مالك -﵀- وأصحابه في مذهب الصحابي:
يعتبر الإمام مالك -﵀- قول الصحابي أصلًا من الأصول التي يستند إليها في الأحكام الشرعية. والأدلة على قسمين أدلة مشروعيتها، وأدلة وقوعها ويعتبر قول الصحابي من أدلة مشروعيتها (^٢)
وللمالكية في مذهب الصحابي قولان:
القول الأول: قول الصحابي حجة. اختاره القرافي -﵀- (^٣) في «الذخيرة» (^٤). وابن جزي -﵀- (^٥) في «تقريب الوصول». (^٦)
القول الثاني: قول الصحابي ليس حجة. اختاره الباجي -﵀- (^٧) في «إحكام الفصول» (^٨) وابن الحاجب -﵀- (^٩) في «مختصر المنتهى» (^١٠)
_________________
(١) كما في مسألة مقدار الضمان في الجناية على البهيمة. انظر «الهداية المرغيناني» (٤/ ٤٨٣).
(٢) «شرح تنقيح الفصول»، القرافي، (ص ٤٤٥).
(٣) هو: أحمد بن إدريس المصري، أبو العباس، أخذ عن: العز بن عبد السلام، وشرف الدين الفاكهاني، وعنه: ابن صدقة اللخمي ومحمد البقوري، من أشهر مؤلفاته «الذخيرة» و«نفائس الأصول»، كان إمامًا بارعًا في الفقه والأصول، والعلوم العقلية، مات سنة (٦٨٤ هـ). انظر: «الديباج المذهب» لابن فرحون (١/ ٢٣٦)، و«شجرة النور الزكية»، لمحمد مخلوف (١/ ٢٧٠)
(٤) (١/ ١٤٩)
(٥) هو: محمد بن أحمد الكلبي، أبو القاسم، ولد سنة (٦٩٣ هـ)، أخذ عن: أبي جعفر بن الزبير، وأبي الحسن بن سمعون، وعنه: ابناه محمد، وأبو بكر، من أشهر مؤلفاته: «تقريب الوصول إلى علم الأصول» و«النور المبين في قواعد الدين»، كان فقيهًا حافظًا، مات سنة (٧٤١ هـ.) انظر: «الديباج المذهب»، (٢/ ٢٧٤)، و«شجرة النور الزكية» (١/ ٣٠٦)
(٦) (ص: ١٨٤)
(٧) هو: سليمان بن خلف الباجي، أبو الوليد، ولد سنة (٤٠٣ هـ)، سمع من: أبو الطيب الطبري، وأبو إسحاق الشيرازي، وعنه روى ابن عبد البر وابنه أحمد، من أشهر مؤلفاته «الحدود» و«إحكام الفصول» قال ابن حزم -﵀-: (لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد القاضي عبد الوهاب مثل الباجي) مات سنة (٤٩٤ هـ) «الديباج المذهب»، (١/ ٣٧٧) و«شجرة النور الزكية» (١/ ١٧٨)
(٨) (ص ٣٦٠)
(٩) هو: عثمان بن عمر المصري، ابن الحاجب، ولد سنة ٥٩٠ هـ. أخذ عن: أبي الحسن الأبياري وأبي الحسين بن جبير، وعنه: الشهاب القرافي والقاضي ناصر الدين بن المنير، له: «الجامع بين الأمهات في الفقه» و«منتهى السول والأمل»، كان خاتمة الأئمة المبرزين الأخيار، مات سنة (٦٤٦ هـ) انظر: «الديباج المذهب»، (٢/ ٢٦)، و«شجرة النور الزكية»، (١/ ٢٤١)
(١٠) (٢/ ١١٨٦)
[ ٤٩ ]
والراجح عند المالكية أن قول الصحابي حجة وهو المشهور. قال الشاطبي: (^١) (ولما بالغ مالك في هذا المعنى يقصد -قول الصحابي-بالنسبة إلى الصحابة، أو من اهتدى بهديهم، واستن بسنتهم جعله الله تعالى قدوة لغيره في ذلك، فقد كان المعاصرون لمالك يتبعون آثاره ويقتدون بأفعاله ببركة اتباعه لمن أثنى الله ورسوله عليهم وجعلهم قدوة أو من اتبعهم -﵃- ورضوا عنه، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون؟) (^٢)
ومما يدل على أخذ الإمام مالك -﵀- بأقوال الصحابة -﵃- وجود الآثار بوفرة كبيرة في كتابه الموطأ؛ فدل على حجية مذهب الصحابي عنده.
ثالثًا: رأي الإمام الشافعي -﵀- وأصحابه في مذهب الصحابي (^٣)
للإمام الشافعي -﵀- عدة أقوال ذكرها أصحابه عنه، وهي كالآتي:
القول الأول: قول الصحابي حجة يقدم على القياس. وهو قوله في المذهب القديم. (^٤)
قال الغزالى -﵀-: (^٥) (واختلف قول الشافعي -﵀- في تقليد الصحابة فقال في القديم: يجوز تقليد الصحابي
_________________
(١) هو: إبراهيم بن موسى الشهير بالشاطبي، أبو إسحاق، أخذ عن: ابن الفخار البيري، وأبو عبد الله البلنسي، وعنه: أبو بكر بن عاصم، وعبد الله البياني، من أشهر مؤلفاته: «الموافقات» و«الاعتصام»، كان فقهيًا أصوليًا، مفسرًا محدثًا، مات سنة (٧٩٠ هـ) انظر: «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٤٨) و«شجرة النور الزكية»، (١/ ٣٣٢)،
(٢) انظر: «الموافقات» للشاطبي (٤/ ٨٠)
(٣) للاستزادة: يُرَجَع لرسالة ماجستير في الفقه وأصوله بعنوان «مدى انسجام آراء الإمام الشافعي، مع آراء الصحابة -﵃- في العبادات في كتاب الأم» للطالب: محمد علي الهواملة، بكلية الشريعة بجامعة مؤته في الأردن، نوقشت عام (١٤٢٦ هـ -٢٠٠٦ م)، ورسالة دكتوراه بعنوان «حجية مذهب الصحابي عند الشافعية دراسة أصولية تطبيقية»، للطالب محمود سند المسلم بجامعة العلوم الإسلامية العالمية بالأردن، نوقشت عام (١٤٣٨ هـ - ٢٠١٦ م.)
(٤) انظر: «الحاوي الكبير» للماوردي (١/ ٣١)، و«المجموع شرح المهذب» (١/ ٥٨) و«البحر المحيط» (٤/ ٣٥٩)
(٥) هو: محمد بن محمد الغزالي، أبو حامد، ولد سنة (٤٥٠ هـ)، أخذ عن: الجويني، وأحمد الراذكاني، وعنه: أبو نصر البهوني، وأبو سعيد النيسابوري، من أشهر مؤلفاته «الوجيز» و«المستصفى»، حجة الإسلام، ومحجة الدين التي يتوصل بها إلى دار السلام، مات سنة (٥٠٥ هـ). انظر: «طبقات الشافعية»، للسبكي (٦/ ١٩١)، (٦/ ٢٠) (٧/ ٢٥)، «طبقات الشافعيين»، لابن كثير، (ص ٥٣٣)
[ ٥٠ ]
إذا قال قولًا وانتشر قوله ولم يخالف، وقال في موضع آخر يقلد وإن لم ينتشر). (^١)
القول الثاني: قول الصحابي ليس حجة مطلقًا، وهوقوله في المذهب الجديد. (^٢)
قال الشيرازي -﵀- (^٣) (إذا قال الصحابي قولًا، ولم ينتشر لم يكن ذلك حجة، ويقدم القياس عليه في قوله الجديد) (^٤)
القول الثالث: قول الصحابي حجة إن خالف القياس. (^٥)
قال الزركشي -﵀-: (لأنه لا محمل له إلا التوقف، وذلك أن القياس والتحكم في دين الله باطل، فيعلم أنه ما قاله إلا توقيفًا.) (^٦)
القول الرابع: قول الصحابي حجة إذا انضم إليه قياس. (^٧)
قال الإمام الشافعي -﵀- حينما سئل: (إلى أي شيء صرتَ من هذا؟ قال: إلى اتباع قولِ واحدٍ، إذا لم أجد كتابًا ولا سنةً، ولا إجماعًا ولا شيئًا في معناه ُيحكم له بحكمه، أو وُجد معه قياس.) (^٨)
القول الخامس: قول أبي بكر وعمر -﵄- حجة فقط (^٩)
القول السادس: الحجة في قول الخلفاء الراشدين الأربعة إذا اتفقوا (^١٠)
_________________
(١) «المستصفى»، (١/ ٤٠٤)
(٢) «البحر المحيط»، (٤/ ٣٥٨)
(٣) هو: إبراهيم بن علي الشيرازي، ولد سنة (٣٩٣ هـ)، أبو إسحاق، أخذ عن: أبي عبد الله البيضاوي وابن رامين، وعنه: الخطيب وأبي عبد الله الحميدي، من أشهر مؤلفاته «المهذب» و«اللمع» وهو شيخ الإسلام، علمًا، وعملًا، وورعًا، وزهدًا وتصنيفًا، مات سنة (٤٧٦ هـ) «طبقات الشافعية» للسبكي، (٤/ ٢١٥) و«طبقات الشافعية»، لابن شهبه (١/ ٢٨٣)
(٤) «التبصرة» (ص: ٣٩٥)
(٥) «المستصفى» (١/ ٤٠٠)
(٦) «البحر المحيط» (٤/ ٣٦٣)
(٧) «المصدر السابق» (٤/ ٣٦١)
(٨) انظر: «الرسالة» (١/ ٥٩٦)
(٩) انظر: «المستصفى»، (١/ ٤٠٠)
(١٠) المستصفى (١/ ٤٠٠)
[ ٥١ ]
والصحيح عند الشافعية أن قول الصحابي -﵃- حجة. قال الإمام الشافعي -﵀- حينما سئل: (أرأيت أقاويل أصحاب رسول الله إذا تفرقوا فيها؟ فقال: نصير منها إلى ما وافق الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو كان أصحَّ في القياس). (^١)
* * *