اختلف فقهاء الحنابلة في ذلك على روايتين:
الرواية المعتمدة: وجوب المبيت عند الحرة ليلة من أربع ليال.
* قال ابن قدامة -﵀-: (ويجب قسم الابتداء، ومعناه: أنه إذا كانت له امرأة، لزمه المبيت عندها ليلة من كل أربع ليال، ما لم يكن عذر، وإن كان له نساء فلكل واحدة منهن ليلة من كل أربع.) (^١)
* وقال المرداوي -﵀-: (قوله: ولها عليه أن يبيت عندها ليلة من كل أربع ليال. وهومن مفردات المذهب (^٢).) (^٣)
* وقال البهوتي -﵀-: (ويجب عليه أن يبيت في المضجع ليلة من كل أربع ليال عند الحرة لما روى كعب بن سور (^٤) أنه كان جالسا عند عمر بن الخطاب فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين ما رأيت رجلًا قط أفضل من زوجي والله أنه ليبيت ليله قائما ويظل نهاره صائمًا.) (^٥)
استدلوا على هذه الرواية: بالسنة وقول الصحابي والمعقول والمعتمد قول الصحابي.
أولًا: السنة:
قال عبد الله بن عمرو بن العاص (^٦): قال رسول الله -ﷺ-: «يا عبد الله، ألم أُخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا.» (^٧)
_________________
(١) «المغني»، (١٠/ ٢٣٧)
(٢) مفردات المذهب: المسائل الفقهية التي انفرد فيها أحد الأئمة الأربعة بقول مشهور في مذهبه، لم يوافقه فيه أحد من الأئمة الثلاثة الباقين. «مقدمة المنح الشافيات» للبهوتي، (١/ ١٤)، وانظر: «مفاتيح الفقه الحنبلي»، (٢/ ٢٣٩)
(٣) «الإنصاف»، (٢١/ ٤٠٠)
(٤) هو: كعب بن سُور ابن بكر بن عبيد بن ثعلبة الأزدي. روى عنه: يزيد بن عبد اللَّه بن الشّخّير وغيره بعثه عمر بن الخطاب بن قاضيا على البصرة كان مسلمًا على عهد النبي -ﷺ-. معدود في كبار التابعين مات سنة (٣٦ هـ)، «الاستيعاب في معرفة الأصحاب»، (٣/ ١٣٢١)،)، «الإصابة في تمييز الصحابة»، (٥/ ٤٨٠)
(٥) «كشاف القناع» (١٢/ ٨٥)
(٦) هو: عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي، أبو محمد، روى عن النبي -ﷺ- كثيرًا، وعن عمر -﵁- وروى عنه: ابن عمر، وأبو أمامة -﵄- وله قصة مع النبي -ﷺ- في نهيه عن مواظبة قيام الليل وصيام النهار وأمره بصيام يوم بعد يوم، وبقراءة القرآن في كل ثلاث، واختلف في وفاته على أقوال: (٦٥ هـ) وقيل (٦٨ هـ) وقيل غير ذلك انظر: «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (٣/ ٩٥٦) «الإصابة في تمييز الصحابة» (٤/ ١٦٥)
(٧) متفق عليه. أخرجه البخاري في «صحيحه»، كتاب النكاح، باب لزوجك عليك حق (٧/ ٣١) رقم (٥١٩٩) ومسلم في صحيحه كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوت به حقًا (٢/ ٨١٢) رقم (١١٥٩)
[ ٩٣ ]
وجه الدلالة: أخبر -ﷺ- أن للزوجة على زوجها حقًا (^١) ومنها حق المبيت فقال: «ولزوجك عليك حقًّا» فجعل حقها كبقية الحقوق التي فُرِضَت له في جسده وعينه.
ثالثًا: قول الصحابي:
عن الشعبي قال: «جاءت امرأة إلى عمر -﵁- فقالت: زوجي خير الناس، يقوم الليل، ويصوم النهار، فقال عمر: لقد أحسنت الثناء على زوجك. فقال كعب بن سَور: لقد اشتكت فأعرضت الشكية. فقال عمر: اخرج مما قلت. قال: أرى أن تنزله بمنزلة رجل له أربع نسوة، له ثلاثة أيام ولياليهن، ولها يوم وليلة.» (^٢)
وجه الدلالة: أقر عمر -﵁- قضاء كعب بن سور في المرأة بيوم وليلة من كل أربع ليال. وهذه قضية انتشرت فلم تنكر، فكانت إجماعًا. (^٣)
_________________
(١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٣٧) و«شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣١٢)
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه»، (٧/ ١٤٨) رقم (١٢٥٨٦) من طريق الثوري، عن جابر، ومالك بن مغول، عن الشعبي قال ، قال أبو زرعة: (الشعبي عن عمر مرسل) «جامع التحصيل في أحكام المراسيل» (ص ٢٠٤) فالشعبي وإن كان ثقة كما في التقريب (٢٨٧) لكن روايته عن عمر -﵁- مرسلة. سفيان الثوري =تقدم أنه ثقة، جابر بن يزيد= قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ضعيف) (ص ١٣٧)، مالك بن مغول = قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة ثبت) (ص: ٥١٨)، الشعبي عامر بن شراحيل =قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة مشهور فقيه فاضل) (ص: ٢٨٧)
(٣) «المغني» (١٠/ ٢٣٧)
[ ٩٤ ]
رابعًا: المعقول، وذلك من وجهين:
الأول: أنه لو لم يكن المبيت عندها ليلة من كل أربع ليال حقًا، لم تستحق فسخ النكاح؛ لتعذره بالجبَّ (^١) والعنَّة (^٢)، وامتناعه بالإيلاء. (^٣)
الثاني: أنه لو لم يكن المبيت ليلة من كل أربع ليال حقًا للمرأة، لَمَلَكَ الزوج تخصيص إحدى زوجاته به، كالزيادة في النفقة على قدر الواجب. (^٤)
الرواية الثانية: عدم لزوم المبيت إن لم يقصد الإضرار.
* قال ابن قدامة -﵀-: (قال القاضي: لا يجب المبيت ولا الوطء ابتداء إذا لم يقصد الإضرار بتركه) (^٥)
* وقال المرداوي -﵀-: (وعنه لا يلزم المبيت إن لم يقصد بتركه ضررًا) (^٦)
واستدلوا بالمعقول:
وذلك أن المبيت حق يجوز للزوج تركه كما أن الشخص يترك الدار المستأجرة فله أن يترك حق المبيت ليلة من كل أربع ليال. (^٧)
الراجح:
الراجح والله أعلم الرواية الأولى، وأن للحرة المبيت ليلة من كل أربع ليال، وهي المذهب عند الحنابلة ورجحها ابن قدامة (^٨) والبهوتي (^٩)، ورجحه الشيخ ابن عثيمين -﵀- قال: (الظاهر ماجرت به
_________________
(١) الجبَّ: أن يكون جميع ذكَره مقطوعا أو لم يَبْقَ منه إلا ما لا يمكن الجماع به. «الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي»، (٣/ ٦٣٩)
(٢) العُنة: بالضم: العجز عن الجماع. «المطلع على ألفاظ المقنع»، (ص: ٣٨٧)
(٣) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٣٨)
(٤) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٣٨) «كشاف القناع» (١٢/ ٨٦) «الممتع في شرح المقنع» (٣/ ٧٢٤)
(٥) «الكافي» (٣/ ٨٥)
(٦) الإنصاف» (٢١/ ٤٠٠)
(٧) «الكافي» (٣/ ٨٥)
(٨) المغني (١٠/ ٢٣٧)
(٩) شرح منتهى الإرادات (٥/ ٣١٢)
[ ٩٥ ]
العادة يكون قريب مما قضاه كعب بن سور وذلك عند التنازع.) (^١)
_________________
(١) «الشرح الممتع» (١٢/ ٤٠٩)
[ ٩٦ ]