مذهب الصحابي: هو: ما نُقِلَ إلينا، وثبت لدينا عن أحد أصحاب رسول الله -ﷺ- من فتوى، أو قضاء في حادثة شرعية، لم يرد فيها نص من كتابٍ، أو سنةٍ، ولم يحصل عليها إجماع. (^٥)
_________________
(١) «الإصابة في تمييز الصحابة» (١/ ١٥٨)
(٢) المصدر السابق.
(٣) «نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر» (ص: ١٤١)
(٤) انظر: «الإصابة في تمييز الصحابة» (١/ ١٥٨)
(٥) «أثر الأدلة المختلف فيها»، لمصطفى البغا، (٣٣٩)
[ ٣٣ ]
ومن المهم أن يكون هناك بيانٌ وتوضيح للأقوال الصادرة عن الصحابة -﵃-؛ لأنه قد يكون لها حكم الرفع وتلحق به، وقد تكون لها حكم الوقف؛ وهي كالآتي:
١ - قول الصحابي: (كنا نقول كذا)، أو، (نفعل كذا)، أو، (نرى كذا)، إذا لم يضفه إلى زمن النبي -ﷺ- فهو موقوفٌ عند جمهور المحدثين والأصوليين. (^١)
ومثاله: قول جابر بن عبد الله (^٢) -﵄-: «كنا إذا صعدنا كبَّرنا، وإذا نزلنا سبَّحنا.» (^٣)
وأما إذا أضيف إلى النبي -ﷺ- فالصحيح عند الجمهور من المحدثين والأصوليين أنه مرفوع. (^٤)
ومثاله: قَولُ جابر -﵁- «لقد كنا نعزل على عهد رسول الله -ﷺ-) (^٥)
٢ - إذا كان في القصة تصريح باطلاعه -ﷺ- فمرفوعٌ بالإجماع. (^٦).
ومثاله قول ابن عمر -﵄-: «كنا نقول ورسول الله -ﷺ- حي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، وعمر، وعثمان، ويسمع ذلك النبي -ﷺ-، ولا ينكره.» (^٧)
٣ - قول الصحابي: (كنا لا نرى بأسًا بكذا في حياة رسول الله -ﷺ- أو (وهو فينا) أو، (وهوبين أظهرنا)، أو (كانوا يقولون)، أو (يفعلون)، أو (لا يرون بأسًا بكذا في حياته -ﷺ-. فهذا كله مرفوع. (^٨)
_________________
(١) انظر: «تدريب الراوي»، (١/ ٢٠٤)
(٢) هو: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، أبو عبد الله، شهد العقبة الثانية مع أبيه وهو: صغير، أحد المكثرين عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: جماعة من الصحابة، له ولأبيه صحبة. مات سنة (٧٤ هـ)، وقيل (٧٧ هـ) وقيل (٧٨ هـ). «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (١/ ٢٢٩) و«الإصابة في تمييز الصحابة» (١/ ٥٤٦).
(٣) أخرجه البخاري في «صحيحه»، كتاب الجهاد والسير، باب التسبيح إذا هبط واديًا، (٤/ ٥٧) رقم (٢٩٩٣)
(٤) انظر «تدريب الراوي»، (١/ ٢٠٥)
(٥) متفق عليه. أخرجه البخاري في «صحيحه»، كتاب النكاح، باب العزل، (٧/ ٣٣) رقم (٥٢٠٧)، ومسلم في «صحيحه»، كتاب النكاح، باب حكم العزل (٢/ ١٠٦١) رقم (١٤٣٨)
(٦) انظر: «تدريب الراوي»، (١/ ٢٠٤) و«تيسير التحرير» أمير بادشاه (٣/ ٧١)
(٧) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٢/ ٢٨٥) رقم (١٣١٣٢)، وابن حبان في «صحيحه» (١٦/ ٢٣٦) رقم (٧٢٥٠). وقال الهيثمي «مجمع الزوائد» (٩/ ٥٨) (رجاله وثِقُوا وفيهم خلاف.)
(٨) انظر: «تدريب الراوي»، (١/ ٢٠٤)
[ ٣٤ ]
ومثاله: قول المغيرة بن شعبة -﵁- (^١): «كان أصحاب رسول الله -ﷺ- ليقرعون بابه بالأظافير». (^٢)
٤ - قول الصحابي: (أُمرنا بكذا) أو (نُهينا عن كذا) أو (من السنةِ كذا). فالجمهور على أنه مرفوع. (^٣)
وأمثلة ذلك: قول أم عطية، -﵂- (^٤): «أُمرنا أن نُخْرِج الحيَّض يوم العيدين، وذوات الخُدُور (^٥) فيشهدن جماعة المسلمين، ودعوتهم، ويعتزل الحيَّض عن مصلاهن.» (^٦)
وقولها -﵂-: «نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يُعْزم علينا.» (^٧) وقول علي -﵁-: «من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة» (^٨)
٥ - ما جاء عن الصحابي ومثله لا يقال من قبل الرأي، ولا مجال للاجتهاد فيه، فيحمل على السماع. (^٩) كقول عبد الله بن مسعود -﵁- (^١٠): «من أتى عَرَّافًا (^١١) أو كاهنًا (^١٢) يؤمن بما
_________________
(١) هو: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود، أبو عبد الله، وقيل: أبو عيسى، حدث عن النبي -ﷺ-، وروى عنه أولاده: عروة، وعقار، كان رجلًا طوالًا ذا هيبةٍ أعور، أصيبت عينه يوم اليرموك، أسلم قبل عمرة الحديبية، وشهدها، وبيعة الرضوان، مات سنة (٥٠ هـ) «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (٤/ ١٤٤٥)، «الإصابة في تمييز الصحابة» (٦/ ١٥٦)
(٢) أخرجه البيهقي في «المدخل إلى السنن الكبرى»، (٣٨) رقم (٦٥٩)، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٧/ ١٦٦)، وفيه محمد بن حسان قال عنه البيهقي عقب ذكره للحديث: (عزيز الحديث).
(٣) «تدريب الراوي»، (١/ ٢٠٨)
(٤) هي: نسبية بنت الحارث وقيل نسيبة بنت كعب، روت عن النبي -ﷺ-، وروى عنها: أنس بن مالك، ومحمد بن سيرين، كانت من كبار نساء الصحابة، لها غزوات كثيرًا مع رسول الله -ﷺ- وأحاديثها عليها العمل عند الفقهاء. انظر: «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (٤/ ١٩٤٧)، و«الإصابة في تمييز الصحابة» (٨/ ٤٣٧)
(٥) الخدر: هو ناحية في البيت يترك عليها ستر فتكون فيه الجارية البكر. انظر: «النهاية في غريب الحديث» (٢/ ١٣)
(٦) متفق عليه. أخرجه البخاري في «صحيحه»، كتاب الصلاة، باب وجوب الصلاة في الثياب، (١/ ٨٠) رقم (٣٢٤)، ومسلم في «صحيحه»، كتاب صلاة العيدين، باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى، وشهود الخطبة مفارقات للرجال (٢/ ٦٠٥) رقم (٨٩٠)
(٧) متفق عليه. أخرجه البخاري في «صحيحه»، كتاب الجنائز، باب اتباع النساء الجنائز، (٢/ ٧٨) رقم (١٢٧٨)، ومسلم في «صحيحه»، كتاب الجنائز، باب نهي النساء عَنْ اتباع الجنائز، (٢/ ٦٤٦) رقم (٩٣٨)
(٨) أخرجه أبو داود في «سننه»، كتاب الصلاة، باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، (٢/ ٦٩) رقم (٧٥٦)، وأحمد في «مسنده»، (٢/ ٢٢٢) رقم (٨٧٥). وضعفه الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (ص ٦٢)
(٩) «تدريب الراوي»، (١/ ٢١٢)
(١٠) هو: عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، أبو عبد الرحمن، حدث عن: النبي -ﷺ- وعن عمر -﵁-، روى عنه: علقمة، وأبو الأسود، أسلم قديمًا وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد بعدها، ولازم النبي -ﷺ-، وكان صاحب نعليه. مات سنة (٣٢ هـ) «أسد الغابة في معرفة الصحابة» (٣/ ٣٨١) و«الإصابة في تمييز الصحابة» (٤/ ١٩٩)
(١١) العراف: قال البغوي: هو: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة، ونحو ذلك. انظر: «التوحيد» لابن عبد الوهاب (ص ٧٧)
(١٢) الكاهن: هو: الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. المصدر السابق، (ص ٧٧)
[ ٣٥ ]
يقول فقد كفر بما أنزل على محمد -ﷺ-) (^١)
٦ - تفسير الصحابي له حكم الرفع (إذا كان فيما يتعلق بسبب نزول آية) (^٢). كقول جابر -﵁-: «كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٣). (^٤)
ونحو ذلك مما لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبي -ﷺ- ولا مجال للرأي فيه، أما غيره فموقوف. (^٥)
وضابط ما يفسره الصحابي: إذا كان مما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا منقولًا عن لسان العرب، فحكمه الرفع وإلا فلا. كالإخبار عن الأمور الماضية … وعن الأمور الآتية، والإخبار عن عمل له ثواب مخصوص، أو عقاب. (^٦)
وجدير بالذكر؛ أن هذا المصطلح (مذهب الصحابي) اختلفت مسمياته عند الأصوليين على أسماء عدةٍ وهي: قول الصحابي (^٧) أو مذهب الصحابي (^٨) أو رأي الصحابي (^٩)، أو فتوى الصحابي. (^١٠)
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٠/ ٩٣) رقم (١٠٠٠٥)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٥/ ٤٢) رقم (٢٣٥٢٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ٢٣٣) رقم (١٦٤٩٧) وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣/ ١٧٢).
(٢) «تدريب الراوي»، (١/ ٢١٦)
(٣) [سورة البقرة: ٢٢٣]
(٤) متفق عليه. أخرجه البخاري في «صحيحه»، كتاب تفسير القران، باب ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم﴾ [البقرة: ٢٢٣] الآية، (٦/ ٢٩) رقم (٤٥٢٨)، ومسلم في «صحيحه»، كتاب النكاح، باب جواز جماعه امرأته فِي قبلها من قدامها ومن ورائها من غير تعرض للدبر، (٢/ ١٠٥٨) رقم (١٤٣٥)
(٥) انظر «تدريب الراوي»، (١/ ٢١٦)
(٦) انظر «النكت على كتاب ابن الصلاح»، لابن حجر، (١/ ٨٦)
(٧) «روضة الناظر»، (١/ ٤٦٦)
(٨) «الأحكام»، للآمدي، (٤/ ١٤٩)
(٩) «نشر البنود»، للشنقيطي، (٢/ ٢٦٣)
(١٠) «أصول السرخسي» (٢/ ١٠٨)
[ ٣٦ ]