إذا علق الزوج طلاق زوجته على مشيئة الله بأن قال: أنت طالق إن شاء الله. فهل يقع الطلاق بذلك أو لايقع؟
اختلف فقهاء الحنابلة في ذلك على ثلاث روايات:
الرواية المعتمدة: وقوع الطلاق إذا تعلق بمشيئة الله.
* قال ابن قدامة -﵀-: (فإن قال: أنت طالق إن شاء الله تعالى. طلقت.، نص عليه أحمد). (^٥)
* وقال المرداوي -﵀-: (قوله: وإن قال: أنت طالق إن شاء الله. طلقت، وكذا لو قام الشرط. وهذا المذهب، نص عليه وعليه جماهير الأصحاب). (^٦)
* وقال البهوتي -﵀-: (وكذا لو قدم الشرط بأن قال إن شاء الله أو إن لم يشأ الله أو ما لم يشأ الله فأنت طالق لما روى أبو حمزة قال سمعت ابن عباس يقول: (إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن
_________________
(١) انظر: «شرح الزركشي» (٣/ ٣٦٢).
(٢) «المغني» (١٠/ ٣٧٩)
(٣) «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣٩٩)
(٤) «شرح الزركشي» (٣/ ٣٦٢)
(٥) «المغني»، (١٠/ ٤٧٢)
(٦) انظر: «الإنصاف» (٢٢/ ٥٦٢)
[ ١٠٤ ]
شاء الله فهي طالق) رواه أبو حفص وعن ابن عمر وأبي سعيد قال: (كنا معشر أصحاب النبي -ﷺ- نرى الاستثناء جائزا في كل شيء إلا في الطلاق والعتاق) ولأنه استثناء حكم في محل فلم يرتفع بالاستثناء كالبيع والنكاح). (^١)
استدلوا على هذه الرواية بقول الصحابي والمعقول:
أولًا: قول الصحابي:
١ - قال أبو حمزة (^٢): سمعت ابن عباس يقول: «إذا قال لامرأته: أنت طالقٌ إن شاء الله، فهي طالقٌ.» (^٣)
وجه الدلالة: دل قول ابن عباس -﵁- على: أن طلاق الزوج لزوجته إذا تعلق بمشيئة الله فانه يقع ولا تأثير للاستثناء على ذلك.
٢ - وعن أبي سعيد الخدري وابن عمر -﵄- قالا: «كنا معاشر أصحاب رسول الله -ﷺ- نرى الاستثناء جائزًا في كل شيء، إلا في الطلاق والعَتَاق». (^٤)
_________________
(١) انظر: «كشاف القناع»، (١٢/ ٣٥٠)
(٢) أبو حمزة، عمران بن أبي عطاء الواسطي. روى عن: أنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وروى عنه: سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج. وهو: قليل الحديث، صدوق. «تهذيب الكمال» (٢٢/ ٣٤٢) و«سير أعلام النبلاء» (٥/ ٣٨٧)
(٣) أخرجه ابن حزم في «المحلى» (ص ٤٨٥). من طريق أبي عبيد نا سعيد بن عفير حدثني الفضل بن المختار عن أبي حمزة ، وابن القيم في «إعلام الموقعين»، (٥/ ٤٧٣)، أبو عبيد القاسم بن سلام = قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة فاضل) (ص ٤٥٠)، سعيد بن كثير عفير =قال ابن حجر -﵀- «التقريب» (صدوق عالم بالأنساب وغيرها) (ص ٢٤٠)، الفضل بن المختار = قال ابن أبي حاتم -﵀- في «الجرح والتعديل» (أحاديثه منكرة، يحدث بالأباطيل) (٧/ ٦٩)، أبو حمزة عمران بن أبي عطاء=قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (صدوق له أوهام) (ص ٤٣٠)
(٤) أخرجه ابن القيم في «إعلام الموقعين»، (٥/ ٤٧٣) من طريق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: حدثنا خالد بن يزيد بن أسد القسري: ثنا جميع بن عبد الحميد الجعفي، عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري وابن عمر -﵄- …، إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني= قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة حافظ رمي بالنصب) (ص ٩٥)، خالد بن يزيد بن أسد القسري= قال ابن أبي حاتم -﵀- في «الجرح والتعديل» (ليس بقوي) (٣/ ٣٩٥)، جميع بن عبد الحميد الجعفي= لم أقف على ترجمته، عطية العوفي= قال ابن حجر في «التقريب»: (صدوق يخطئ كثيرا وكان شيعيًا مدلسًا) (٣٩٣)
[ ١٠٥ ]
وجه الدلالة: أن ابن عمر وأبا سعيد نقلا الإجماع بقولهما (كنا معاشر أصحاب رسول الله -ﷺ- فدلعلى أن الاستثناء بالمشيئة في الطلاق غير معتبر ويقع به الطلاق. (^١)
ونوقش: بأن هذا القول ليس قول كل الصحابة، وإنما قول لبعضهم كأبي سعيد وابن عمر فلا يكون إجماعًا. (^٢)
وأجيب: بأنه على تقدير أنه قول لبعض الصحابة لكنه انتشر، ولايعلم له مخالف، فيعتبر إجماعًا سكوتي (^٣)
ثانيًا: المعقول، وذلك من عدة أوجه:
الأول: أن تعليق الطلاق بمشيئة الله تعالى يرفع الطلاق كله كما لو قال أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا والاستثناء الذي يرفع الطلاق كله لايصح. (^٤)
الثاني: أن تعليق الطلاق بمشيئة الله تعالى استثناء حكم في محل، فلم يرتفع بالمشيئة، كما لو قال أبيعك هذه السلعة إن شاء الله فيقع البيع أو زوجتك هذه المرأة إن شاء الله فيقع النكاح فكذلك لو قال أنت طالق إن شاء الله لأنه تعليق حكم في محل، فالمحل في البيع السلعة وفي النكاح المرأة وفي الطلاق زوجته المطلقة. (^٥)
الثالث: أن تعليق الطلاق بمشيئة الله تعالى إزالة ملك، فالزوج يزول ملكه عن زوجته وإزالة الملك لايصح أن تتعلق بمشيئة الله وعليه فلا يصح تعليق الطلاق بمشيئة الله لكن يقع الطلاق كما لو قال لمن عنده أبرتك إن شاء الله عن الدَّين الذي لي فهذا لايصح ويقع الإبراء (^٦). فلم يصح تعليقه على مشيئة الله، كما لو قال: أبرأتك إن شاء الله،
الرابع: أن تعليق الطلاق بمشيئة الله تعالى تعليق على شيء لايُعلم إلا بعد وقوع الطلاق فكأنه علقه على أمر مستحيل وهذا لايصح. (^٧)
_________________
(١) انظر: «المغني» (١٠/ ٤٧٣)
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق.
(٥) انظر: «المغني» (١٠/ ٤٧٣) «كشاف القناع»، (٥/ ٣١١)
(٦) انظر: «المغني» (١٠/ ٤٧٣)
(٧) المصدر السابق
[ ١٠٦ ]
الرواية الثانية: عدم وقوع الطلاق إذا تعلق بمشيئة الله
* قال ابن قدامة -﵀-: (وعن أحمد ما يدل على أن الطلاق لا يقع). (^١)
* وقال المرداوي -﵀-:) وعنه، يصح الاستثناء.) (^٢)
واستدلوا بالسنة والمعقول:
أولًا: السنة:
عن أبي هريرة؛ أن رسول الله -ﷺ- قال: «من حلف على يمين فقال إن شاء الله؛ لم يحنث» (^٣) وجه الدلالة: أن الحالف على اليمين إذا علق يمينه واستثنى فقال: إن شاء الله ثم خالف ما قاله من أمر أوترك؛ فلا يحنث. فكذلك من علق طلاق زوجته على مشيئة الله فقال أنت طالق إن شاء الله فلا يقع طلاقه؛ لأنه من الأيمان فيكون داخل في عموم من حلف على يمين فهي تشمل كل يمين. (^٤)
ونوقش: أن قولكم الطلاق داخل في اليمين لا حجة فيه من وجهين:
الأول: أن الطلاق إنشاء في حقيقته وليس يمينًا وتسميته يمينًا هي تسمية مجازية لا تترك الحقيقة وهي الطلاق لأجل المجاز وهي اليمين وعليه فالطلاق غير داخل في عموم الحديث.
الثاني: أن تسمية الطلاق يمينًا مجازًا ليس على الإطلاق في جميع أحوال الطلاق وإنما يسمى مجازًا في حالة إذا كان معلقًا على شرط يمكن فعله وتركه، كما لو قال إن دخلت الدار فأنت طالق فهنا يسمى يمينًا لأنه يمكن فعله وتركه. (^٥)
ثانيًا: المعقول:
_________________
(١) المصدر السابق
(٢) الإنصاف» (٢٢/ ٥٦٢)
(٣) أخرجه الترمذي في «سننه»، أبواب النذور والأيمان عن رسول الله -ﷺ-، باب ما جاء في الاستثناء في اليمين (٤/ ١٠٨) رقم (١٥٣٢) وابن ماجه في «سننه»، أبواب الكفارات، باب الاستثناء في اليمين (٣/ ٢٤٢) رقم (٢١٠٤)، والنسائي في «المجتبى من السنن»، كتاب الأيمان والنذور، باب الاستثناء (٧/ ٣٠) رقم (٣٨٥٥)، وابن حبان في «صحيحه» (١٠/ ١٨٣) رقم (٤٣٤١) وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي»، (٢/ ١٧٣)
(٤) انظر: «شرح الزركشي» (٤/ ٣٥٧)
(٥) انظر: «المغني» (١٠/ ٤٧٣)
[ ١٠٧ ]
وذلك أن الطلاق عُلقَ على مشيئة الله تعالى وهي غير معلومة فلا يعلم هل شاء الله أم لا؟ فلا يقع الطلاق، كما لو قال أنت طالق إن شاء زيد، فلا يعلم هل شاء زيد أم لا؟ (^١)
ونوقش: أن مشيئة الله تعالى للطلاق قد علمت بمباشرة الآدمي سبب ذلك، وهو النطق بالطلاق بقول الزوج أنت طالق إن شاء الله وبذلك قد علمت مشيئة الله. (^٢)
الرواية الثالثة: التوقف.
* قال المرداوي -﵀-: (وقال الخرقي: أكثر الروايات عن الإمام أحمد، -﵀-، أنه توقف عن الجواب) (^٣)
* وقال ابن الفراء -﵀- (^٤): (وفيه رواية ثانية قال: لا أقول فيه شيء) (^٥)
الدليل:
توقف الإمام أحمد عن الجواب في ذلك، لاختلاف الناس فيه، مع عدم نص قاطع. (^٦)
الراجح:
الراجح والله أعلم الرواية الأولى، وأن الطلاق يقع إذا تعلق بمشيئة الله، وذلك لكونه إجماعًا سكوتيًا لايعلم له مخالف، ورجحها ابن قدامة (^٧) والبهوتي (^٨) وغيرهم (^٩).
_________________
(١) انظر: «المغني» (١٠/ ٤٧٣) و«شرح الزركشي» (٤/ ٣٥٧)
(٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٤٧٣)
(٣) «الإنصاف» (٢٢/ ٥٦٤)
(٤) هو: أبو الحسين، محمد بن محمد بن الحسين، ولد سنة (٤٥١ هـ)، سمع الحديث من أبيه، وعبد الصمد بن المأمون، وعنه: معمر بن الفاخر، وابن الخشاب، وكان عارفًا بالمذهب، له «رؤوس المسائل»، و«التمام لكتاب الروايتين والوجهين»، قُتلَ سنة (٥٢٦ هـ). «ذيل طبقات الحنابلة» (١/ ٣٩١) و«المقصد الارشد» (٢/ ٤٩٩)
(٥) «التمام لما صح في الروايتين والثلاث والأربع» لابن الفراء الحنبلي (٢/ ١٦٤)
(٦) «شرح الزركشي» (٤/ ٣٥٦)
(٧) «المغني»، (١٠/ ٤٧٢)
(٨) «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٤٧٨)
(٩) عبد الرحمن البصري في «الواضح في شرح الخرقي» (٥/ ١١٨)
[ ١٠٨ ]