اختلف فقهاء الحنابلة في ذلك على روايتين:
الرواية المعتمدة: إن قبل أهل الزوجة هذه الهبة فتكون تطليقة واحدة رجعية وإن لم يقبلوها فلا شيء.
_________________
(١) «الإنصاف» (٢٢/ ٢٧٣)
(٢) «كشاف القناع» (١٢/ ٢٢٨)
(٣) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٨/ ٤٤٠) رقم (١٥٨٣٤) من طريق الثوري، عن منصور، عن سعيد بن جبير ، وابن حزم في «المحلى» (٩/ ٣٠٣) وصححه.
(٤) الهبة: تمليك عين بلا عوض. «المطلع على ألفاظ المقنع» (ص ٣٥٢) والمعنى أن تكون الزوجة ملكًا لأهلها بدلًا عن الزوج.
[ ١٠١ ]
* قال ابن قدامة -﵀-: (قال: وإذا وهب زوجته لأهلها، فإن قبلوها فواحدة، يملك الرجعة إن كانت مدخولًا بها، وإن لم يقبلوها فلا شيء. هذا المنصوص عن أحمد. وبه قال ابن مسعود -﵁-. (^١)
* وقال المرداوي -﵀-: (قوله: وإن قال: وهبتك لأهلك. فإن قبلوها، فواحدة يعنى: رجعية، نص عليه وإن ردوها، فلا شاء. هذا المذهب). (^٢)
* وقال البهوتي -﵀-: (وإن وهبها أي وهب الزوج زوجته لأهلها بأن قال وهبتها لأبيها أو أخيها ونحوه أو لأجنبي أو وهبها لنفسها فردت بالبناء للمفعول أي رد الموهوب له من أهلها أو الأجنبي أو هي الهبة فلغو روي عن ابن مسعود -﵁-.) (^٣)
استدلوا على هذه الرواية: بقول الصحابي والمعقول:
أولًا: قول الصحابي
عن مسروق، عن عبد الله في الرجل يهب امرأته لأهلها، قال: «إن قبلها أهلها فتطليقةٌ يملك رجعتها وإن لم يقبلوها فلا شيء.». (^٤)
وجه الدلالة: فتوى ابن مسعود -﵁- أن الزوج إذا وهب زوجته لأهلها له حالتين: الأولى: في حال القبول لتلك الهبة تكون تطليقة واحدة ويحق له مراجعتها، والثانية: في حال عدم قبول الهبة فلا تعتبر شئ.
ثالثًا: المعقول:
وذلك أن هبة الزوجة لأهلها بلفظ وهبتك لأهلك هي كناية في الطلاق في العموم وهبته تدل على رغبته عنها وهذا يحتمل الطلاق فيقع الطلاق بهذا الاحتمال بصيغة الهبة بشرطه وهواعتبار النية كبقية
_________________
(١) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٧٩)
(٢) «الإنصاف» (٢٢/ ٢٩٩)
(٣) «كشاف القناع» (١٢/ ٢٤٠)
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه»، (٤/ ٩٨) رقم (١٨٢١٠) من طريق جرير بن عبد الحميد عن منصور عن الشعبي عن مسروق عن ابن مسعود ، وعبد الرزاق في «مصنفه»، (٦/ ٣٠٧١)، رقم (١١٢٤١)، وسعيد بن منصور في «سننه»، (١/ ٤١٤) رقم (١٥٩٨)، وابن المنذر في «الأوسط»، (٩/ ١٨٢) رقم (٧٦٦١)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٩/ ٣٧٨) رقم (٩٦٢٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى»، (٧/ ٥٦٧) رقم (١٥٠٣٣) والإسناد رواته ثقات، جرير بن عبد الحميد= قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة صحيح الكتاب) (ص ١٣٩)، منصور بن المعتمر= قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة ثبت) (ص ٥٤٧)، الشعبي = تقدم أنه ثقة، مسروق بن الأجدع = قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة فقيه عابد) (ص ٥٢٨)
[ ١٠٢ ]
الكنايات، والهبة معلوم أنها تلزم وتتم بالقبول فإن قبل أهل الزوجة هذه الهبة فالحكم أنها تطلق طلقة واحدة أما إن ردوها فلا شيء، والرغبة عن الزوجة تحصل بالطلقة الواحد أما ما زاد عن الواحدة فمشكوك فيه لا يثبت بالشك، وإن ردوها فلا شيء لان الهبة لم تتم قبولها. (^١)
الرواية الثانية: إن قبل أهل الزوجة هذه الهبة فتكون ثلاث تطليقات وإن ردوها فتطليقة واحدة رجعية.
* قال ابن قدامة -﵀-: (وعن زيد بن ثابت: إن قبلوها فثلاث، وإن لم يقبلوها فواحدة رجعية. وروي عن أحمد مثل ذلك) (^٢)
* وقال المرداوي -﵀-: (وعنه، إن قبلوها، فثلاث، وإن ردوها، فواحدة. يعنى رجعية) (^٣)
واستدلوا بقول الصحابي والمعقول:
أولًا: قول الصحابي:
عن الحسن (^٤)، أن زيد بن ثابت قال: «إن قبلوها فثلاث، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وإن ردوها فهي واحدة، وهوأحق بها.» (^٥)
وجه الدلالة: فتوى زيد بن ثابت -﵁- في هبة الزوج زوجته لأهلها يقع الطلاق لكن يختلف عدده بحسب حالتي القبول والرد.؛ ففي حالة قبول أهل الزوجة للهبة تكون ثلاث طلقات، وبذلك تكون بائنة بينونة كبرى ولايحق له إرجاعها. وفي حالة عدم القبول تكون تطليقة واحدة يحق له الرجعة.
ثانيًا: المعقول:
_________________
(١) انظر: «شرح الزركشي» (٣/ ٣٦٢).
(٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٧٩)
(٣) «الإنصاف» (٢٢/ ٢٩٩)
(٤) هو: الحسن البصري وقد سبقت ترجمته.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه»، (٦/ ٣٧١) رقم (١١٢٤٣) من طريق عن معمر، عن قتادة، عن الحسن …، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٤/ ٩٨) رقم (١٨٢١٤) وابن المنذر في «الأوسط»، (٩/ ١٨٣) رقم (٧٦٦٤) والإسناد رواته ثقات، معمر بن راشد = تقدم أنه ثقة، قتادة بن دعامة= تقدم أنه ثقة، الحسن البصري: قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيرًا ويدلس) (ص ١٦٠)
[ ١٠٣ ]
وذلك أن أهل الزوجة في حالة قبول هبة الزوجة تكون كناية ظاهرة كقوله الحقي بأهلك فتقع ثلاث طلقات فكذلك هنا في لفظ وهبتك لأهلك إذا قبلوها فتعتبر ثلاث طلقات.
أما إذا لم تقبل تلك الهبة فهي كناية خفية فيشترط فيها النية لإيقاع الطلاق فإن وهب بنية الطلاق فيقع على ما نواه؛ فإن نوى طلاقًا مطلقًا لاعدد له فإنه يقع واحدة، وإن نوى عدد معين فهو: على ما نواه، فإن كان واحدة فواحدة وإن كان اثنتين فاثنتين وإن كان ثلاثًا فثلاثا. أما إذا لم ينوى بتلك الهبة الطلاق فلا يقع. (^١)
الراجح:
الراجح والله أعلم هي الرواية الأولى، وأنه إذا قبل أهل الزوجة هذه الهبة فتكون تطليقة واحدة رجعية وإن لم يقبلوها فلا شيء ورجحها ابن قدامة (^٢) والبهوتي (^٣) وغيرهم (^٤).
* * *