يرى الفريق الآخر: أن قول الصحابي ليس بحجة، والقياس مُقَدم عليه، وهذا قول لبعض الحنابلة كأبي الخطاب (^٢) وغيره. (^٣) وقد أومأ إليه الإمام أحمد -﵀-، في مواضع من مسائله منها: قال في رواية أبي داود: (ليس أحد إلا آخذ برأيه وأترك، ما خلا النبي -ﷺ-. (^٤) وكذلك نقل الميموني (^٥) عنه وقد سأله: (يمسح على القلنسوة (^٦)؟ فقال: ليس فيه عن النبي -ﷺ- شيء، وهوقول أبي موسى، وأنا أتوقاه). (^٧)
واستدلوا على ذلك بالكتاب والمعقول:
أولًا: الأدلة من الكتاب:
١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (^٨).
وجه الدلالة: بين الله تعالى أن الرجوع عند الاختلاف في هذه الآية يكون فقط لكتابه ولسنة نبيه -ﷺ-، ولم يذكر الرجوع إلى مذهب الصحابي، وعدم ذكر ذلك عند الاختلاف دليل وبرهان على عدم
_________________
(١) انظر «العدة في أصول الفقه» (٤/ ١١٨٧)
(٢) هو: محفوظ بن أحمد الكلوذاني، أبو الخطاب، ولد سنة (٤٣٢ هـ)، أخذ عن: القاضي أبي يعلى، والمباركي وعنه: ابن ناصر وأبو الفتح بن شاتيل، من أشهر مؤلفاته الهداية في الفقه» و«الخلاف الكبير»، أحد أئمة المذهب وأعيانه وكان عدلًا رضيًا ثقةً، مات سنة (٥١٠ هـ)، انظر: «ذيل طبقات الحنابلة»، (١/ ٢٧٠)، «المقصد الأرشد» (٣/ ٢٢)
(٣) انظر: «التمهيد في أصول الفقه» (٣/ ٣٣٢)، «الواضح في أصول الفقه» (٥/ ٢١٠)
(٤) «مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني» (ص: ٣٦٨) و«العدة في أصول الفقه» (٤/ ١١٨٣)
(٥) هو: عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني، أبو الحسن، أخذ عن: الإمام أحمد وابن عُليَّة وعنه: النسائي وأبي عوانة الإسفراييني، كان عالم الرقة، ومُفْتِيَها في زمانه ومن كبار الأئمة. مات سنة (٢٧٤ هـ) انظر: «طبقات الحنابلة» (١/ ٢١٢) و«سير أعلام النبلاء»، (١٣/ ٨٩)
(٦) القلنسوة: هي لبس يُلْبَسُ على الرأس كالعمامة. انظر «لسان العرب» مادة (قلس) (٦/ ١٨١) وكالطواقي في عصرنا الحاضر.
(٧) «العدة في أصول الفقه» (٤/ ١١٨٣)
(٨) [سورة النساء: ٥٩].
[ ٥٦ ]
حجيته (^١)
ونوقش: أنه جاء في السنة المطهرة، ما يقتضي الاقتداء والاهتداء بالصحابة، كحديث «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم». (^٢) وحديث «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر». (^٣) وحديث «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ.» (^٤) وهذا أمر وهو يقتضي الوجوب. (^٥)
٢ - وقال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ (^٦).
وجه الدلالة: أن في هذه الآية أمر من الله بالاستنباط والاعتبار، فإذا ثبت أن المرجع أدلة الشرع التي بها يستدل أصحاب رسول الله -ﷺ-، كما أن إليها مرجع كل مجتهد، لم يكن لتقديم قولهم وجه. (^٧)
ونوقش: أن من أنواع الاعتبار الرجوع إلى قول الصحابي، ومعلومٌ أن اجتهاده يُقَدمُ على اجتهاد غيره. (^٨)
٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ (^٩).
٤ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ (^١٠).
وجه الدلالة: هاتان الآيتان نصَّتا على ذم التقليد، والاتباع بشكل عام، ومن ذلك تقليد الصحابي. (^١١)
_________________
(١) انظر: «الواضح في أصول الفقه» (٥/ ٢١١)
(٢) «العدة في أصول الفقه» (٤/ ١١٨٨)، والحديث في المنتخب من «مسند عبد بن حميد» (٢/ ٢٩٣)، رقم (٧٨٤)، قال ابن حجر في «التلخيص» رواه ابن حميد في مسنده من طريق حمزة النصيبي، وهو: ضعيف جدًا. (٤/ ٤٦٢).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في «مسنده»، (٣٨/ ٢٨٠) رقم (٢٣٢٤٥)، وحسنه ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٥٧٨)
(٤) أخرجه أبو داود في «سننه» (٧/ ١٦) رقم (٤٦٠٧)، وصححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٥٨٢)
(٥) انظر: «العدة في أصول الفقه» (٤/ ١١٨٦)
(٦) [سورة الحشر: ٢].
(٧) انظر: «الواضح في أصول الفقه» (٥/ ٢١١)
(٨) انظر: «العدة في أصول الفقه» (٤/ ١١٨٩)
(٩) [سورة البقرة: ١٧٠].
(١٠) [سورة لقمان: ٢١].
(١١) انظر: «العدة في أصول الفقه» (٤/ ١١٨٩)
[ ٥٧ ]
ونوقش: بأن هذه الآيات غير محمولة على مسألة قول الصحابي إذا لم يعلم قوله ولم ينتشر، (قول الواحد منهم منفرد). (^١)
ثانيًا: المعقول. وذلك من وجهين:
الأول: أن الصحابي غير معصوم، وجائز عليه الخطأ، ولا دليل على عصمته، وبالتالي فقوله يحتمل جانبين: جانب الصواب، وجانب الخطأ، كبقية المجتهدين فلا يقدم قوله على القياس (^٢)
ونوقش: كونه غير معصوم من الخطأ لا يعتبر مانعًا في اتباع قوله، فكما تثبتون أن المجتهد واجب الاتباع وهو غير معصوم، وقوله يحتمل للصواب وللخطأ، فالواجب عليكم القول بحجية قول الصحابي من باب أولى في جعل قوله حجة (^٣) وتجويز الخطأ لا يمنع الاحتجاج به، كخبر الواحد والقياس. (^٤)
الثاني: إجماع الصحابة على جواز مخالفة كل منهم ي للآخر، وهذا دليل على عدم وجوب اتباع الصحابي لرأي الصحابي الآخر. (^٥)
ونوقش: أن قول الصحابي على صحابي آخر ليس حجة اتفاقًا، وهذا خارج مسألة النزاع؛ لأن النزاع في قول الصحابي إذا لم يُعْلَم له مخالف، ولم ينتشر (^٦).
* * *