اختلف فقهاء الحنابلة في ذلك على روايتين:
الرواية المعتمدة: بطلان الرجعة إذا أوصى الزوج الشهود بالكتمان.
* قال المرداوي -﵀-: (على رواية اشتراط الإشهاد في الرجعة، إن أشهد وأوصى الشهود بكتمانها، فالرجعة باطلة. نص عليه.) (^٢)
* وقال البهوتي -﵀-: (على رواية اشتراط الإشهاد في الرجعة فتبطل الرجعة إن أوصى الزوج الشهود بكتمانها لما روى أبو بكر (^٣)
في الشافي (^٤) بسنده إلى خلاس (^٥) قال: طلق رجل امرأته علانية وراجعها سرًا وأمر الشاهدين أن يكتماها الرجعة فاختصموا إلى علي فجلد الشاهدين واتهمهما ولم يجعل له عليها رجعة.). (^٦)
* وقال الزركشي -﵀-: (وهل يبطل الرجعة التواصي بالكتمان؟ نص في رواية أبي طالب (^٧) على البطلان، وخرَّج (^٨) عدمه من نصه على عدم البطلان بذلك في النكاح.) (^٩)
_________________
(١) الرجعة: ارتجاع الزوجة المطلقة غير البائن إلى النكاح من غير استئناف عقد. «المطلع على ألفاظ المقنع»، (ص ٤١٥)
(٢) انظر: «الإنصاف» (٢٣/ ٨٤)
(٣) هو: عبد العزيز بن جعفر بن أحمد الحنبلي، أبو بكر، المعروف بغلام الخلَّال، حدث عن: محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وموسى بن هارون، روى عنه: ابن شَاقْلا، وابن بطَّة، كان أحد أهل الفهم، موثوقًا به في العلم، متَسع الرواية، موصوفًا بالأمانة، مذكورًا بالعبادة، وله «الشافي»، و«زاد المسافر»، وله اختيارات خالف فيها شيخه الخلَّال، مات سنة (٣٦٣ هـ)، انظر: «الدر المنضد في ذكر أصحاب أحمد»، لعبد الرحمن العليمي، (ص: ١٧٦)، «تسهيل السابلة لمريد معرفة الحنابلة»، صالح آل عثيمين، (١/ ٤٣٠)
(٤) قال أبو جنة الحنبلي في تحقيقه لكتاب «زاد المسافر»: وأضفت إلى الكتاب ماوجدته وحققته من كتب، وأجزاء للمؤلف وذكر منها: جزء من كتاب «الشافي»، (ص: ٨)، وجعله في المجلد الأول (ص: ٢٢٠) وهو مطبوع ضمن «زاد المسافر».
(٥) هو: خِلَاسٍ بن عمرو الهجري أخذ عن: علي، وأبي هريرة -﵃-، وعنه: قتادة، وعوف، وثقه: أحمد، وغيره. وإنما روايته عن علي كتاب وقع به. توفي في حدود المائة. انظر: «سير أعلام النبلاء» (٤/ ٤٩١) و«الوافي بالوفيات» (١٣/ ٢٣٤)
(٦) انظر: «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٥٠٧)
(٧) هو: أحمد بن حميد أبو طالب المشكاني، روى عن: أحمد مسائل كثيرة، وكان أحمد يكرمه ويعظمه روى عنه: أبو محمد فوزان وزكريا بن يحيى وغيرهما، مات سنة (٢٤٤ هـ)، «طبقات الحنابلة»، (١/ ٣٩)
(٨) التخريج: إذا لم يعرف للمجتهد قول في المسألة، لكن له قول في نظيرها ولم يعلم بينهما فرق فهو القول المخرج فيها. «البحر المحيط»، للزركشي، (٤/ ٤٢٣)
(٩) «شرح الزركشي» (٣/ ٣٩٢)
[ ١٠٩ ]
استدلوا على هذه الرواية بقول الصحابي:
عن خِلَاسٍ «أن رجلًا طلق امرأته وأشهد على طلاقها، وراجعها وأشهد على رجعتها، واستكتم الشاهدين حتى انقضت عدتها، فرفع إلى علي ففرق بينهما ولم يجعل له عليها رجعة، وعزَّر الشاهدين.» (^١)
وجه الدلالة: فعل الصحابي علي -﵁- في أنه فرق بين الزوجين وأبطل الرجعة التي كُتمت شهادتها وعزَّر الشاهدين ولو كان كتمان الشهود للرجعة جائز لما فعل ذلك -﵁-.
الرواية الثانية: عدم البطلان للرجعة إذا كتما الشاهدين.
* قال القاضي أبو يعلى -﵀-: (نقل أبو طالب إذا طلق زوجته وراجعها واستكتم الشهودحتى انقضت العدة فرق بينهما ولا رجعة له عليها فقد نص على إبطال الرجعة وقال في النكاح إذا تواصوا بكتمانه: يصح فالمسألة على روايتين في الرجعة والنكاح جميعًا.) (^٢)
* وقال الزركشي -﵀-: (وهل يبطل الرجعة التواصي بالكتمان؟ نص في رواية أبي طالب على البطلان وخرج عدمه من نصه على عدم البطلان بذلك في النكاح.) (^٣)
واستدلوا بالسنة والمعقول.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «معرفة السنن والاثار» (١١/ ٩٧) رقم (١٤٨٩٧) من طريق أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي فيما بلغه، عن حماد، عن قتادة عن خلاس ، وابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٢٤)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (٦/ ٣٢٦) رقم (١١٠٣٨) لم يذكر خلاسًا، أبو سعيد بن أبي عمرو= تقدم أنه ثقة، أبو العباس الأصم = تقدم أنه ثقة. الربيع بن سليمان = تقدم أنه ثقة. الشافعي = تقدم أنه ثقة، حماد بن سلمة= قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقه عابد أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه بأخرة (ص: ١٧٨) قتادة بن دعامة= تقدم أنه ثقة. خِلَاسٍ بن عمرو= قال ابن حجر -﵀- في «التقريب» (ثقة وكان يرسل) (ص: ١٩٧).
(٢) «المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين» للقاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين (٢/ ١٦٩)
(٣) «شرح الزركشي» (٣/ ٣٩٢)
[ ١١٠ ]
أولًا: السنة:
عن عائشة، أن النبي -ﷺ- قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدين» (^١)
وجه الدلالة: أن النبي -ﷺ- علق صحة النكاح بالولي والشاهدين وقد وجد كل منهما في عقد النكاح فكذا الشاهدين وجدا في الرجعة (^٢)
ثانيًا: المعقول:
وذلك أن الرجعة عقد وليس من شروطه ترك التواصي بكتمانه دليله البيع. (^٣)
الراجح:
الراجح والله أعلم الرواية الأولى، وأن الرجعة تبطل إذا أوصى الزوج الشهود بالكتمان وإسنادها صحيح. وأما الرواية الثانية فالحديث فيها موضوع. (^٤)
* * *