(فصل)
وأما إبدال المنذور والموقوف بخير منه، كما في إبدال الهدي.
فهذا نوعان: أحدهما: أن يكون الابدال للحاجة، مثل أن يتعطل، فيُباع وُيشترى بثمنه ما يقوم مقامه، كالفرس الحبيس للغزو، إذا لم يمكن الانتفاع به في الغزو، فإنه يُباع ويُشترى بثمنه ما يقوم مقامه، والمسجد إذا تخرب، فتنقل آلته إلى مكان آخر، أو يباع وُيشترى بثمنه ما يقوم مقامه، وإذا خرب ولم يمكن عمارته فتباع العرصة، ويشترى بثمنها ما يقوم مقامها: فهذا كله جائز.
فإن الأصل إذا لم يحصل به المقصود قام بدله مقامه.
والثانى: الإبدال؛ لمصلحة راجحة، مثل أن يبدل الهدي بخير منه، ومثل المسجد إذا بني بدله مسجدًا آخر أصلح لأهل البلد منه [وبيع الأول] (١)، فهذا ونحوه جائز عند أحمد وغيره من العلماء.
واحتج أحمد بأن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه نقل مسجد الكوفة القديم إلى مكان آخر، وصار الأول سوقًا للتمَّارين، فهذا إبدال لعرصة (٢) المسجد.
وأما إبدال بنائه ببناء آخر، فإن عمر وعثمان بنيا مسجد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، على غير بنائه الأول، وزادوا فيه،
_________________
(١) ليست في (د).
(٢) في "لسان العرب" (٧/ ٥٢): "عَرْصَةُ الدار: وسطها، وقيل: هو ما لا بناء فيه، سُميت بذلك؛ لاعتراض الصبيان فيها، والعرصة: كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء وقيل: هي كل موضع واسع لا بناء فيه". اهـ.
[ ٢٤١ ]
وكذلك المسجد الحرام.
وقد ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال لعائشة: "لولا قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة، ولألصقتها بالأرض، ولجعلت لها بابين: بابًا يدخل الناس منه، وبابًا يخرج منه الناس" (١)، فلولا المعارض الراجح لكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غيَّر بناء الكعبة، فيجوز تغيير بناء الوقف من صورة إلى صورة؛ لأجل المصلحة الراجحة.
أما إبدال العرصة بعرصة أخرى: فهذا قد نص أحمد وغيره على جوازه، اتباعًا لأصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حيث فعل ذلك عمر رضي الله تعالى عنه واشتهرت القضية، ولم ينكر.
وأما إذا كان المغل قليلًا، فيبدل بخير منه، مثل أن يقف دارًا أو حانوتًا أو بستانًا، أو قرية مغلها قليل، فيبدلها بما هو أنفع الموقف.
فقد أجاز ذلك أبو ثور وغيره من العلماء، مثل أبي عبيد [بن حربويه] (٢) قاضي مصر، وحكم بذلك، وهو قياس قول أحمد في تبديل المسجد من عرصة إلى عرصة؛ للمصلحة، بل إذا جاز أن يبدل المسجد بما ليس بمسجد للمصلحة، بحيث يصير المسجد سوقًا، فلأن يجوز إبدال [المستغل بمستغل] (٣) آخر أولى وأحرى، وهو قياس قوله في إبدال الهدى بخير منه، وقد نص على أن المسجد
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٦)، ومسلم (١٣٣٣) من حديث عبد الله بن الزبير عن عائشة - ﵂ -.
(٢) في (ف): [في حرمويه].
(٣) في (خ): [المستعمل بمستعمل].
[ ٢٤٢ ]
اللاصق بالأرض إذا رفعوه وبنوا تحته سقاية، واختار ذلك الجيران: فُعِل ذلك (١).
لكن من أصحابه من منع إبدال المسجد والهدي والأرض الموقوفة، وهو قول الشافعي وغيره، لكن النصوص والآثار والقياس تقتضي جواز الإبدال؛ للمصلحة، والله أعلم (٢).
_________________
(١) قال ابن قدامة في "المغني" (٥/ ٣٦٩، ٣٧٠) بعد أن نقل نص أحمد -الذي ذكره المصنف هنا-: "واختلف أصحابنا في تأويل كلام أحمد، فذهب ابن حامد إلى أن هذا في مسجد أراد أهله إنشاءَه ابتداءً، واختلفوا كيف يُعمل؟ وسماه مسجدًا قبل بنائه تجوُّزًا؛ لأن مآله إليه، أما بعد كونه مسجدًا لا يجوز جعله سقاية ولا حوانيت، وذهب القاضي إلى ظاهر اللفظ، وهو أنه كان مسجدًا، فأراد أهله رفعه، وجَعل ما تحته سقاية؛ لحاجتهم إلى ذلك، والأول أصح وأولى، وإن خالف الظاهر، فإن المسجد لا يجوز نقله، وإبداله، وبيعُ ساحته، وجعلها سقاية وحوانيت إلا عند تعذر الانتفاع به والحاجة إلى سقاية وحوانيت لا تعطل نفع المسجد، فلا يجوز صرفه في ذلك". اهـ وانظر "الفتاوى الكبرى" للمصنف -﵀- (٤/ ١٥٥،/ ٣٥٧) - (٥/ ٤٣٣)، وللمزيد أيضًا راجع -غير مأمور- "تبيين الحقائق" (٣/ ٣٣١، ٣٣٢)، و"الفروع" لابن مفلح (٤/ ٦٢٢، ٦٢٣)، و"درر الحكام شرح غرر الأحكام" (٢/ ١٣٦)، و"التاج والإكليل" لمختصر خليل (٧/ ٦٦٨)، و"أسني المطالب" (٢/ ٤٧٦)، و"البحر الرائق" (٥/ ٢٧٣)، و"مجمع الضمانات" (ص ٣٢٤)،/ و"الفتاوى الهندية" (٢/ ٣٩٩)، و"كشف القناع عن متن الإقناع" (٤/ ٢٩٢)، و"شرح ميارة" (٢/ ١٤٠)، و"مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر" (١/ ٧٣٦)، و"الفواكه الدواني" (٢/ ١٦٥)، و"رد المحتار" (٤/ ٣٨٥).
(٢) "الفتاوى" (٣١/ ٢٥٢، ٢٥٣).
[ ٢٤٣ ]