(فصل)
وأما إزالة النجاسة بغير الماء ففيها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد:
أحدها: المنع، كقول الشافعي وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد.
والثاني: الجواز، كقول أبي حنيفة، وهو القول الثاني في مذهب مالك وأحمد.
والقول الثالث في مذهب أحمد: أن ذلك يجوز للحاجة، كما في طهارة فم الهرة بريقها، وطهارة أفواه الصبيان بأرياقهم، ونحو ذلك، والسنة قد جاءت بالأمر بالتطهير بالماء في قوله لأسماء: "حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء" (١).
وقوله في آنية المجوس: "ارحضوها ثم اغسلوها بالماء" (٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٧، ٣٥٧، ٣٠٨)، ومسلم (٢٩١).
(٢) صحيح بمجموع طرقه: أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٤٧١)، ومن طريقه: أحمد (٤/ ١٩٣) عن معمر عن أيوب عن أبو قلابة عن أبي ثعلبة الخشني مرفوعًا، وأخرجه الطيالسي (١٠١٤)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٥/ ٨٩)، وأحمد (٤/ ١٩٥)، والترمذي (١٧٩٦) من طرق أخرى عن أيوب به. قلت: أبو قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي، ثقة، إلا إن روايته عن أبي ثعلبة مرسلة كما نص عليه الترمذي، والدارقطني، والبيهقي، فيما ذكره أبو زرعة العراقي في "تحفة التحصيل" (ص ١٧٦). لكن للحديث طرق أخرى عن أبي ثعلبة: منها ما أخرجه أبو داود (٣٨٣٩)،
[ ١٣٠ ]
وقوله في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد: "صبوا على بوله ذَنوبا من ماء" (١)، فأمر بالإزالة بالماء في قضايا معينة، ولم يأمر أمرًا عامًا بأن تزال كل نجاسة بالماء، وقد أذن في إزالتها بغير الماء في مواضع:
منها: الاستجمار بالحجارة.
ومنها قوله في النعلين: "ثم ليُدلكهما بالتراب، فإن التراب لهما طهورًا" (٢)، ومنها قوله في ذيل الثوب: "يطهره ما بعده" (٣).
ومنها: أن الكلاب كانت تقبل و[تدبر] (٤) وتبول في مسجد رسول الله - ﷺ -، ثم لم يكونوا يغسلون ذلك (٥).
_________________
(١) والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٢١٩)، والبيهقي في "الكبرى" (١/ ٣٣) من طريق عبد الله بن العلاء بن زَبْر عن أبي عبيد الله مسلم بن مِشْكَم عن أبي ثعلبة مرفوعًا به. وهذا إسناد رجاله ثقات إلا نصر بن عاصم الأنطاكي شيخ أبي داود فإنه لين الحديث، إلا أنه مُتابع عند الطبراني. وأخرجه ابن ماجه (٢٨٣١) من طريق آخر ضعيف عن أبي ثعلبة، وله طريق رابع ضعيف أيضًا عند الدارقطني في "سننه" (٤/ ٢٩٥). قال أحمد بن عبد الرحمن البنا الساعاتي -﵀- في "بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني" (١/ ٢٣٨) عن معنى "فارحضوها": "بفتح الحاء المهملة -أي: اغسلوها بالماء- كما في الرواية الأولى، والرحض: الغسل". اهـ، وقد جاء في رواية الترمذي: "أنقوها غسلًا".
(٢) أخرجه البخاري (٢٢١) من حديث أنس - ﵁ -.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) في (خ): [تدور].
(٦) تقدم تخريجه.
[ ١٣١ ]
ومنها: قوله: في الهر "إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (١) مع أن الهرة في العادة تأكل الفأر، ولم يكن هناك قناة ونحوها ترد عليها تطهر بها أفواهها بالماء فإن طهورها ريقها.
ومنها: أن الخمر المنقلبة بنفسها تطهر باتفاق المسلمين.
وإذا كان كذلك فالراجح في هذه المسألة: أن النجاسة متى زالت بأي وجه زال بذلك حكمها، فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النجاسة لغير حاجة؛ لما في ذلك من إفساد الأموال، كما لا يجوز الاستنجاء بها.
والذين قالوا: لا يزول إلا بالماء، منهم من قال: إن هذا تعبد، وليس الأمر كذلك، فإن صاحب الشريعة أمر بالماء في قضايا معينة [لتعينه] (٢)، لأن إزالتها بالأشربة التي ينتفع بها المسلمون إفساد لها، وإزالتها بالجامدات كانت متعذرة، كغسل الثوب والإناء والأرض بالماء، فإنه من المعلوم أنه لو كان عندهم ماءُ وَرْدٍ وخلٍّ وغير ذلك لم يأمرهم بإفساده، فكيف إذا لم يكن عندهم؟
ومنهم من قال: إن الماء له من اللطف ما ليس لغيره من المائعات فلا يلحق غيره به؛ وليس الأمر كذلك، بل الخل وماء الورد وغيرهما يزيلان ما في الأنية من النجاسة كالماء وأبلغ، والاستحالة
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ليست في (د)، وهي ثابتة في (خ، ف).
[ ١٣٢ ]
أبلغ في الإزالة من الغسل بالماء، فإن الإزالة بالماء قد يبقى معها لون النجاسة فيعفى عنه، كما قال، لأسماء: "يكفيك الماء ولا يضرك أثره" (١)، وغير الماء يزيل الطعم واللون والريح.
ومنهم من قال: كان القياس أن لا يزول بالماء لتنجسه بالملاقاة، لكن رخص في الماء للحاجة، فجعل الإزالة بالماء صورة استحسان فلا يُقاس عليها.
وكلا المقدمتين باطل: فليست إزالتها على خلاف القياس، بل القياس أن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها.
وقولهم: إنه ينجس بالملاقاة ممنوع، ومن سلَّم فرَّق بين الوارد والمورود عليه، أو بين البخاري والواقف.
ولو قيل: إنها على خلاف القياس؛ فالصواب: أن ما خالف القياس يُقاس عليه، إذا عرفت علته، إذ الاعتبار في القياس بالجامع والفارق، واعتبار طهارة الخبث بطهارة الحدث ضعيف، فإن طهارة الحدث من باب الأفعال المأمور بها، ولهذا لم تسقط بالنسيان والجهل، واشترط فيها النية عند الجمهور.
وأما طهارة الخبث فإنها من باب التروك، فمقصودها اجتناب الخبيث، ولهذا لا يشترط فيها فعل العبد ولا قصده، بل لو زالت بالمطر النازل من السماء حصل المقصود، كما ذهب إليه أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم؛ ومن قال من أصحاب الشافعي وأحمد:
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ١٣٣ ]
إنه يعتبر فيها النية فهو قول شاذ مخالف للإجماع السابق، مع مخالفته أئمة المذاهب، وإنما قيل مثل هذا من ضيق المجال في المناظرة، فإن المنازع لهم في مسألة النية قاس طهارة الحدث على طهارة الخبث، فمنعوا الحكم [في الأصل] (١)، وهذا ليس بشيء.
ولهذا كان أصح [أقوال] (٢) العلماء: أنه إذا صلى بالنجاسة جاهلًا أو ناسيًا فلا إعادة عليه، كما هو مذهب مالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه: لأن النبي - ﷺ - خلع نعليه في الصلاة للأذى الذي كان فيهما (٣)، ولم يستأنف الصلاة، وكذلك في الحديث الآخر لما وجد في ثوبه نجاسة أمرهم بغسله ولم يعد الصلاة.
وذلك لأن ما كان مقصوده اجتناب [المحظور] (٤) إذا فعله العبد ناسيًا أو مخطئًا فلا إثم عليه، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال الله -﷿-: "قد فعلت"، رواه مسلم في صحيحه.
ولهذا كان أقوى الأقوال: أن ما فعله العبد ناسيًا أو مخطئًا من محظورات الصلاة والصيام والحج لا يبطل العبادة، كالكلام ناسيًا، والأكل ناسيًا، واللباس، والطيب ناسيًا، وكذلك إذا فعل المحلوف
_________________
(١) في (د): [بالأصل].
(٢) في (ف): [قولي].
(٣) تقدم تخريجهم.
(٤) في (خ): [المحظورات].
[ ١٣٤ ]
عليه ناسيًا.
وفي هذه المسائل نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه، وإنما المقصود هنا التنبيه على أن النجاسة من باب ترك المنهي عنه، وحينئذ فإذا زال الخبث بأي طريق كان، حصل المقصود، ولكن إن زال بفعل العبد [ونيته] (١) أثيب على ذلك، وإذا عدمت بغير فعله ولا نيته، فقد زالت المفسدة، [لم يكن] (٢) له ثواب، [ولا] (٣) عليه عقاب.
_________________
(١) ليست في (د)، وقد أثبتُها من (خ، ف).
(٢) في (د): [ليس].
(٣) في (خ): [لم يكن]؛ وانظر هذا الفصل في "الفتاوى" (٢١/ ٤٧٤ إلى ٤٧٨).
[ ١٣٥ ]