(فصل)
أما الزكاة في المساقاة والمزارعة.
فهذا مبنيٌّ على أصل، وهو: أن المزارعة والمساقاة هل هي جائزة أم لا؟ على قولين مشهورين:
أحدهما: قول من قال: إنها لا تجوز، [اعتقدوا] (١) أنها نوع من الإجارة بعوض مجهول، ثم من هؤلاء من أبطلها مطلقًا، كأبي حنيفة.
ومنهم من استثني ما تدعو إليه الحاجة: فجوزوا المساقاة للحاجة؛ لأن الشجر لا يمكن إجارته، بخلاف الأرض، وجوزوا المزارعة على الأرض التي فيها شجر، تبعًا للمساقاة، إما مطلقًا، كقول الشافعي، وإما إذا كان البياض قدر الثلث فما دونه، كقول مالك.
ثم منهم من جوز المساقاة مطلقًا، كقول مالك والشافعي في القديم؛ وفي الجديد [قصر] (٢) الجواز على النخل والعنب.
والقول الثاني: قول من يُجَوِّز المساقاة والمزارعة، ويقولون: إن هذا مشاركة، وهو جنس غير جنس الإجارة التي يشترط فيها معرفة قدر النفع والأجرة، فإن العمل في هذه العقود ليس بمقصود، بل المقصود هو الثمر الذي يشتركان فيه، ولكن هذا شارك بنفع ماله، وهذا بنفع بدنه، وهكذا المضاربة.
_________________
(١) في (د): [اعتقد].
(٢) في (خ): [نص]؛ وفي (د): [نصر].
[ ١٩٥ ]
وعلى هذا فإذا افترق أصحاب هذه العقود وجب للعامل قسط مثله من الربح، إما ثلث الربح وإما نصفه، ولم تجب أجرة المثل للعامل وهذا القول هو الصواب المقطوع به، وعليه إجماع الصحابة.
والقول بجواز المساقاة والمزارعة: قول جمهور السلف: من الصحابة والتابعين وغيرهم، وهو مذهب الليث بن سعد وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد وفقهاء الحديث: كأحمد بن حنبل وإسحق ابن راهوية ومحمد بن إسحق بن خزيمة وأبي بكر بن المنذر والخطابي وغيرهم.
والصواب: أن المزارعة أحل من المؤاجرة بثمن مسمى؛ لأنها أقرب إلى العدل وأبعد عن الخطر، فإن الذي نهى عنه النبي - ﷺ - من العقود، [منه] (١) ما يدخل في جنس الربا المحرم في القرآن، ومنه ما يدخل في جنس الميسر الذي هو القمار؛ وبيع الغرر هو من نوع القمار والميسر، فالأجرة، والثمن إذا كانت غررًا، مثل ما لم يُوصف، ولم يُرَ، ولم يُعلم جنسه كان ذلك غررًا وقمارًا.
ومعلوم أن المستأجر إنما يقصد الانتفاع بالأرض بحصول الزرع له، فإذا أُعطِيَ الأجرة المسمَّاة كان المؤجر قد حصل له مقصوده بيقين.
وأما المستأجر فما يدري: هل يحصل له الزرع أم لا؟ بخلاف المزارعة، فإنهما يشتركان في المغنم، وفي الحرمان، كما في
_________________
(١) في (خ): [مثل].
[ ١٩٦ ]
المضاربة، فإن حصل شيء اشتركا فيه، وإن لم يحصل اشتركا في الحرمان، وكان ذهاب نفع مال هذا في مقابلة ذهاب نفع بدن هذا، ولهذا لم يجز أن يشترط لأحدهما شيء مقدر من [النماء] (١)، لا في المضاربة ولا في المساقاة ولا في المزارعة؛ لأن ذلك مخالف للعدل، اذ قد يحصل لأحدهما شيء والآخر لا يحصل له شيء، وهذا هو الذى نهى عنه رسول الله - ﷺ - فى الأحاديث التى رُوي فيها: أنه نهى عن المخابرة (٢)، أو عن كرى الأرض أو عن المزارعة كحديث رافع بن خديج (٣) وغيره؛ فإن ذلك قد جاء مفسرًا، فإنهم
_________________
(١) في (خ) [الإنماء].
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٨١)، ومسلم (١٥٣٦) من حديث جابر.
(٣) أخرجه البخاري (٢٣٣٢)، ومسلم (١٥٤٧). قال المصنف -﵀- كما في "مجموع الفتاوى" (٢٩/ ١١٧): "والخبير هو الفلاح: سمي بذلك لأنه يُخبِر الأرض. وقد ذهب طائفة من الفقهاء إلى الفرقِ بين المخابرة والمزارعة، فقالوا: المخابرة: هي المعاملة على أن يكون البذر من العامل، والمزارعة: على أن يكون البذر من المالك. قالوا: والنبي - ﷺ - نهى عن المخابرة لا المزارعة. وهذا أيضًا ضعيف، فإنا قد ذكرنا عن النبي - ﷺ - ما فى الصحيح من أنه: نهى عن المزارعة، كما نهى عن المخابرة، وكما نهى عن كراء الأرض، وهذه الألفاظ في أصل اللغة عامة لموضع نهيه وغير موضع نهيه، وإنما اختصت بما يفعلونه؛ لأجل التخصيص العرفي لفظًا وفعلًا ولأجل القرينة اللفظية وهي لام العهد وسؤال السائل، وإلا فقد نقل أهل اللغة: أن المخابرة هي المزارعة والاشتقاق يدل على ذلك". أهـ وانظر أيضًا: (٣٠/ ١١٧، ٢٢٨، ٣٢٤).
[ ١٩٧ ]
كانوا يعاملون عليها بزرع بقعة معينة من الأرض للمالك، ولهذا قال الليث بن سعد: إن الذي نهى عنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من ذلك أمر إذا نظر فيه ذو العلم بالحلال والحرام [علم] (١) أنه لا يجوز، فأما المزارعة فجائزة بلا ريب، سواء كان البذر من المالك أو العامل أو منهما، وسواء كان بلفظ الإجارة أو المزارعة أو غير ذلك (٢).
هذا أصح الأقوال في هذه المسألة، وكذلك كل ما كان من هذا الجنس: مثل أن يدفع دابته أو سفينته إلى من يكتسب عليها
_________________
(١) في (د): [على]، وهو خطأ.
(٢) قال ابن القيم -﵀- في "الطرق الحكمية" (ص ٢١٠، ٢١١): "والذين منعوا المزارعة منهم من احتج بأن النبي - ﷺ - نهى عن المخابرة، ولكن الذي نهى عنه هو الظلم فإنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها، ويشترطون ما على الماذيانات، وإقبال الجداول، وشيئًا من التبن يختص به صاحب الأرض ويقتسمان الباقي، وهذا الشرط باطل بالنص والإجماع، فإن المعاملة مبناها على العدل من الجانبين، وهذه المعاملات من جنس المشاركات، لا من باب المعاوضات؛ والمشاركة العادلة: هي أن يكون لكل واحد من الشريكين جزء شائع، فإذا جُعِل لأحدهما شيءٌ مقدَّرٌ كان ظلمًا". أهـ. وانظر "الاختيارات العلمية" للبعلي (ص ١٤٨)، والمسائل الفقهية من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية لبرهان الدين ابن قيم الجوزية (٩٨) (ص ١٥٢)، و"مسائل أبي داود" لأحمد (١٣٠٤ إلى ١٣١١)، و"التمام" (٢/ ٩١)، و"الجوهرة النيرة" (١/ ٣٧٢)، و"فتح القدير" (٩/ ٤٧٠، ٤٧١)، و"المغني" (٥/ ٢٤٤، ٢٤٥)، و"الفتاوى الهندية" (٥/ ٢٣٧، ٢٣٨)، و"الموسوعة الفقهية" (٣٧/ ٥٠، ٥١) (مادة مزارعة).
[ ١٩٨ ]
والربح بينهما، أو من يدفع ماشيته أو نخله إلى من يقوم عليها، والصوف واللبن والولد والعسل بينهما.
فإذا عرف هذان القولان في المزارعة، فمن قال من العلماء: إن المزارعة باطلة قال: الزرع كله لرب الأرض، إذا كان البذر منه، أو للعامل إذا كان البذر منه، ومن كان له الزرع كان عليه العشر.
وأما من قال: إن رب الأرض يستحق جزءًا مشاعًا من الزرع، فإن عليه عشره باتفاق الأئمة، ولم يقل أحد من المسلمين: إن رب الأرض يقاسم العامل، ويكون العشر كله على العامل، فمن قال هذا فقد خالف إجماع المسلمين (١).
_________________
(١) "الفتاوى" (٢٥/ ٦٠ إلى ٦٣).
[ ١٩٩ ]