(فصل)
وأما بول ما يؤكل لحمه و[روث ذلك] (١)، [فأكثر] (٢) السلف على أن ذلك ليس بنجس، وهو مذهب مالك وأحمد، وغيرهما (٣)؛ ويقال: أنه لم يذهب [أحد] (٤) من [الصحابة] (٥) إلى [تنجيس] (٦) ذلك، بل القول بنجاسة ذلك قول محدث، لا سلف له عن الصحابة.
_________________
(١) في (د): [روثه]؛ وما أثبته هو في (خ، ف).
(٢) في (د، ف): [فإن أكثر].
(٣) وقال المصنف ﵀ - في كتابه "شرح العمدة" (١/ ١١٠): "وأما بول ما يؤكل لحمه وروثه فطاهر في ظاهر المذهب، لما رُوي عن البراء بن عازب عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا بأس ببول ما أُكِل لحمه"، رواه الدارقطني، واحتج به أحمد في رواية عبد الله، وقال أبو بكر عبد العزيز: ثبت ذلك عن رسول الله - ﷺ -"؛ ثم قال: "وقال أبو بكر بن الأشج: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يصلون وخروء البعير في ثيابهم". اهـ. قلت: حديث البراء أخرجه الدارقطني في "سننه" (١/ ١٢٨)، وقال: "سوار -أحد رواته- ضعيف، خالفه يحيى بن العلاء فرواه عن مطرف عن محارب بن دثار عن جابر" ثم ساق طريق يحيى، وقال بعده: "لا يثبت: عمرو بن الحصين ويحيى بن العلاء ضعيفان، وسوار بن مصعب أيضًا متروك، وقد أَختُلِف، فقيل عنه: ما أكل لحمه فلا بأس بسؤره". اهـ، وقد أخرجه أيضًا ابن الجوزي في "التحقيق" (١/ ١٠١)، وذكر الحافظ في التلخيص (١/ ٤٣) طريقي جابر، والبراء، وقال: "وإسناد كل منهما ضعيف جدًّا"، وفي المصنوع (٣٩٣) للهروي القاري: "حديث: لا بأس ببول الحمار، وكل ما أُكِل لحمه، موضوع، كذا في اللآلئ".
(٤) في (خ): [أحمد].
(٥) في (خ): [أصحابه].
(٦) في (خ): [تنجيسه].
[ ٨٧ ]
وقد بسطنا القول في هذه المسألة في كتاب مفرد، وبيَّنا فيه
بضعة عشر دليلًا شرعيًا على أن ذلك ليس بنجس (١). والقائل بتنجيس
ذلك ليس معه على نجاسته دليل شرعي أصلًا؛ فإن غاية ما آعتمدوا
عليه: قوله - ﷺ -: "تنزهوا من البول، [فإن عامة عذاب القبر منه] (٢) (٣)؛
_________________
(١) ذكره ابن القيم -﵀- في "مؤلفات ابن تيمية في الكتب الفقهية" (٢٣) (ص ٢٨) قائلًا: "قاعدة في طهارة بول ما يُؤكل لحمه، نحو سبعين ورقة من ثلاثين حجة".
(٢) سقطت من (خ).
(٣) صحيح لشواهده: أخرجه عبد بن حميد (٦٤٢)، والطبراني في "الكبير" (١١/ ٨٤)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٢٩٣)، كلهم من طريق اسرائيل عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعًا. وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (١/ ٨٤) (٢٥٧): "قال الدارقطني: إسناده لا بأس به، والقتات مختلف في توثيقه. قلت: قال أحمد فيه: "روى عنه إسرائيل أحاديث مناكير جدًّا". وقد توبع من العوام بن حوشب في "المعجم الكبير" للطبراني (١١/ ٧٩)، لكنها متابعة واهية، حيث أن الراوي عن العوام هو ابن أخيه: عبد الله بن خراش، قال عنه البخاري: منكر الحديث، كما في "الميزان" (٤٢٨٧). لكن لكلا فقرتي الحديث شواهد: منها ما جاء في: "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١١٥)، و"سنن ابن ماجه" (٣٤٨)، و"مسند أحمد" (٢/ ٣٢٦، ٢/ ٣٨٨، ٣٨٩)، وابن المنذر في "الأوسط" (٦٨٩)، من طريق أبي عوانة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا. وقد خالف ابن فضيل أبا عوانة، فوقفه على أبي هريرة، كما في العلل للدارقطني (٨/ ٢٠٨) وقال: "يشبه أن يكون الموقوف أصح". ومهما كان، فهو شاهد قوي لحديث ابن عباس.
[ ٨٨ ]
و[ظنوا] (١) أن هذا عام في جميع الأبوال، وليس كذلك، فإن اللام لتعريف العهد، والبول المعهود هو بول الآدمي؛ ودليله قوله: "تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه".
ومعلوم أن عامة عذاب القبر إنما هو من بول الآدمي نفسه الذي يصيبه كثيرًا، لا من بول البهائم الذي لا يصيبه إلا نادرًا.
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي - ﷺ -: أنه أمر العُرنيين الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام بإبل [الصدقة] (٢)، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها (٣).
ولم يأمرهم مع ذلك بغسل ما يصيب أفواههم وأيديهم، ولا بغسل الأوعية التي فيها الأبوال مع حدثان عهدهم بالإسلام.
ولو كان بول الأنعام كبول الإنسان لكان بيان ذلك واجبًا؛ و[لا يَجُوز] (٤) تأخير البيان عن وقت الحاجة، لا سيما مع أنه قرنها بالألبان التي هي حلال طاهر، مع أن التداوي بالخبائث، قد ثبت فيه النهي عن النبي - ﷺ - من وجوه كثيرة.
وأيضًا، فقد ثبت في الصحيح: أن النبي - ﷺ - كان يصلي في
_________________
(١) وثمَّ شواهد أخرى للحديث يمكن مراجعتها في "التلخيص" للحافظ (١٣٦)، وقد صحَّح الحديث العلامة الألباني ﵀ في "صحيح الجامع" (٣٠٠٢، ٣٩٧١، ٢١٠٢).
(٢) في (خ): [رجوا].
(٣) سقطت من (د).
(٤) أخرجه البخاري (٢٣٣، ٣٠١٨)، ومسلم (١٦٧١) من حديث أنس - ﵁ -.
(٥) في (خ، ف): [لم يجوز].
[ ٨٩ ]
مرابض الغنم (١)؛ وأنه أذن بالصلاة في مرابض الغنم (٢)؛ من غير اشتراط حائل، ولو كانت أبعارها نجسة لكانت مرابضها كحشوش بني آدم، وكان النهي عن الصلاة فيها مطلقًا، ولا يُصلى فيها إلا مع الحائل المانع؛ فلما جاءت السنة بالرخصة في ذلك، كان [مَن] (٣) سوى بين أبوال الآدميين وأبوال الغنم مخالفًا للسنة.
وأيضًا، فقد طاف النبي - ﷺ - بالبيت على [بعير] (٤)، مع إمكان أن يبول البعير.
وأيضًا، فما زال المسلمون يدوسون حبوبهم بالبقر مع كثرة ما يقع في الحب من البول و[أخثاء] (٥) (٦) البقر.
وأيضًا، فالأصل في الأعيان: الطهارة، فلا يجوز التنجيس إلا بدليل، ولا دليل على النجاسة، إذ ليس في ذلك نص، ولا إجماع، ولا قياس صحيح (٧).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٢٩)، ومسلم (٥٢٤) من حديث أنس - ﵁ -.
(٢) أخرجه مسلم (٣٦٠) من حديث جابر بن سمرة - ﵁ -.
(٣) في (خ): [ما].
(٤) في (د، ف): [بعيره].
(٥) في (خ، ف): [أخباث].
(٦) خثى البقر: رمى بذي بطنه، وهو الروث بطنه، وهي خاصة بالبقر والفيل؛ انظر: "لسان العرب" (١٤/ ٢٢٤) مادة خثا.
(٧) انظر هذا الفصل بأكمله في الفتاوى (٢١/ ٦١٣؛ ٦١٥).
[ ٩٠ ]