(فصل)
وأما بيع المغروس في الأرض الذي يظهر ورقه: كاللفت والجزر والقلقاس، والفجل والثوم، والبصل، وشِبْهِ ذلك ففيه قولان للعلماء: أحدهما: أنه لا يجوز، كما هو المشهور عند أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، قالوا: لأن هذه أعيان [غائبة] (١) لم تر، ولم توصف، فلا يجوز بيعها، كغيرها من الأعيان الغائبة، وذلك داخل في نهي النبي - ﷺ - عن بيع الغرر.
والثاني: أن بيع ذلك جائز، كما يقوله من يقوله من أصحاب مالك وغيره، وهو قول في مذهب أحمد وغيره، وهذا القول هو الصواب لوجوه:
منها: أن هذا ليس من الغرر، بل أهل الخبرة يستدلون بما يظهر من الورق على المغيب في الأرض، كما يستدلون بما يظهر في العقار من ظواهره على بواطنه، وكما يستدلون بما يظهر من الحيوان على بواطنه، ومن سأل أهل الخبرة أخبروه بذلك، والمرجع في ذلك إليهم.
الثاني: أن العلم في المبيع يشترط في كل شيء بحسبه، فما ظهر بعضه وخفي بعضه، وكان في إظهار باطنه مشقة وحرج، اكتفي بظاهره كالعقار، فإنه لا يشترط رؤية أساسه ودواخل الحيطان، وكذلك الحيوان. وأمثال ذلك.
_________________
(١) في (خ): [عامة].
[ ٢٠٠ ]
الثالث: [أن] (١) ما [احتيج] (٢) إلى بيعه، فإنه يوسع فيه ما لا يوسع في غيره، فيبيحه الشارع للحاجة، مع قيام السبب الحاضر، كما أرخص في العرايا بخرصها، وأقام الخرص مقام الكيل عند الحاجة، ولم يجعل ذلك من المزابنة التي نهى عنها، فإن المزابنة هي بيع المال بجنسه مجازفة، إذا كان ربويًا بالاتفاق، وإن كان غيره ربوي فعلى قولين.
وكذلك رخَّص النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في ابتياع الثمر [بعد بدو] (٣) صلاحه بشرط [السبقية] (٤) مع أن تمام الثمرة لم يخلق بعد ولم يُر، فجعل ما لم يوجد ولم يعلم تابعًا لذلك والناس محتاجون إلى بيع هذه النباتات في الأرض.
ومما يشبه ذلك: بيع المقاثي: كمقاثي البطيخ والخيار والقثاء وغير ذلك.
فمن أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم من يقول: لا يجوز بيعها إلا لقطة لقطة، وكتير من العلماء من أصحاب مالك وأحمد وغيرهم قالوا: إنه يجوز بيعها مطلقًا على الوجه المعتاد، وهذا هو الصواب، فإن بيعها لا يمكن في العادة إلا على هذا الوجه، وبيعها لقطة لقطة إما متعذر وإما متعسر، فإنه لا يتميز لقطة عن لقطة، إذ أكثر ذلك لا يمكن التقاطه ويمكن تأخيره، فبيع المقاثي بعد ظهور
_________________
(١) في (ف): [أنه].
(٢) في (خ): [احتجتم].
(٣) في (د): [قبل بدء] وما أبته هو من (خ، ف)، وهو الصواب.
(٤) في (د، ف): [التبقية].
[ ٢٠١ ]
صلاحها كبيع ثمرة البستان بعد بدو صلاحها، وإن كان بعض المبيع لم يخلق بعد، ولم يُر؛ ولهذا إذا بدا صلاح بعض الشجرة كان صلاحًا لباقيها باتفاق العلماء، ويكون صلاحها كسائر ما في البستان من ذلك النوع في أظهر قولي جمهورهم، بل يكون صلاحًا لجميع ثمر البستان الذي جرت العادة أن يباع جملة واحدة، في أحد قولي العلماء.
وهذه المسائل وغيرها مما ذكرناه في هذا الجواب مبسوطة في غير هذا الموضع (١).
_________________
(١) "الفتاوى" (٢٩/ ٤٨٧ إلى ٤٨٩).
[ ٢٠٢ ]