(فصل)
وأما تضمين حديقته أو بستانه الذي فيه النخيل والأعناب وغير ذلك من الأشجار لمن يقوم عليها ويزرع أرضها بعوض معلوم.
فمن العلماء من نهى عن ذلك، واعتقد أنه داخل في نهي النبي - ﷺ - عن بيع الثمر قبل بدو صلاحها (١).
ثم من هؤلاء من جوَّز ذلك، إذا كان البياض هو المقصود والشجر تابع، كما يذكر عن مالك، ومن هؤلاء من يجوز الاحتيال على ذلك، بأن يؤجر الأرض، ويساقي على الشجر بجزء من الخارج منه.
ولكن هذا إن شرط فيه أحد العقدين في الآخر لم يصح، وإن لم يشترط كان لرب البستان أن يلزمه بالأجرة عن الأرض بدون المساقاة، وأكثر مقصود الضامن هو الثمر، وهو جزء كبير من مقصوده، وقد يكون المكان وقفًا أو مال يتيم، فلا يجوز المحاباة في مساقاتِه.
وهذه الحيلة -وإن كان القاضي أبو يعلي ذكرها في كتابه إبطال الحيل موافقة لغيره- فالمنصوص عن أحمد أنها باطلة.
وقد بينا بطلان الحيل التي يكون ظاهره مخالفًا لباطنها، ويكون
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٤٨٧)، ومسلم (١٥٣٦) من حديث جابر بن عبد الله، وكذا أخرجاه بنحوه من حديث ابن عمر: البخاري (٢١٨٤)، ومسلم (١٥٣٤).
[ ١٩٠ ]
المقصود بها فعل ما حرم الله ورسوله، كالحيل على الربا، وعلى أسقاط الشفعة وغير ذلك، بالأدلة الكثيرة في غير هذا الموضع (١).
ومن العلماء من جوَّز الضمان للأرض والشجر مطلقًا، وإن كان الشجر مقصودًا، كما ذكر ذلك ابن عقيل وهذا القول أصح، وله مأخذان:
أحدهما: أنه إذا اجتمع الشجر والأرض، فتجوز الإجارة لهما جميعًا لتعذر التفريق بينهما في العادة.
والمأخذ الثاني: أن هذه الصورة لم تدخل في نهي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فإن رب الأرض لم يبع ثمره، بل آجر أصلًا، والفرق بينهما من وجوه:
أحدها: أنه لو استأجر الأرض جاز، ولو اشترى الزرع قبل اشتداد الحب بشرط البقاء لم يجز، فكذلك يفرق في الشجر.
الثاني: أن البائع عليه السقي وغيره، مما فيه صلاح الثمرة حتى
_________________
(١) قال الشيخ محمد حامد الفقي -﵀-: "لعله يقصد كتابه في إبطال حيلة المحلل، فإنه -﵀- توسع فيه في القول على إبطال الحيل بما لعله لم يُسبق إليه، وله غيره في فتاواه كلام ممتع، فليرجع إليه من شاء". اهـ. قلت: الصواب في تسمية الكتاب الذي أشار إليه الشيخ الفقي هو: "بيان الدليل على بطلان التحليل" كما حرر ذلك د. فيحان بن شالي بن عقيق المطيري في نسخته الجديدة للكتاب، والتي اعتمد في إخراجها على ثلاث نسخ خطية، منها نسخة كُتِبَت بخط ابن القيم -﵀-، ومنها أثبت هذا العنوان.
[ ١٩١ ]
يكمل صلاحها، وليس على المشتري شيء من ذلك.
وأما الضامن والمستأجر، فإنه هو الذي يقوم بالسقي والعمل، حتى تحصل الثمرة أو الزرع فاشتراء الثمرة اشتراء للعنب والرطب، فإن البائع عليه تمام العمل حتى يصلح، بخلاف من دفع إليها الحديقة، وكان هو القائم عليها.
الثالث: أنه لو دفع البستان إلى من يعمل عليه بنصف ثمره وزرعه، كان هذا مساقاة ومزارعة، واستحق نصف الثمر والزرع بعمله، وليس هذا اشتراء للحب والثمر.
الرابع: أنه لو أعار أرضه لمن يزرعها، أو أعطى شجرته لمن يستغلها ثم يدفعها إليه، كان هذا من جنس العارية، لا من جنس هبة الأعيان.
الخامس: أن ثمرة الشجر من مغل الوقف، كمنفعة الأرض ولبن الظئر، واستئجار الظئر جائز بالكتاب والسنة والإجماع، واللبن لما كان يحدث شيئًا بعد شيء، صح عقد الإجارة عليه، كما يصح على المنافع وإن كان أعيانًا.
ولهذا يجوز ملك إجارة الماشية بلبنها، فإجارة البستان لمن يستغله بعمله هو من هذا الباب، ليس هو من باب الشراء.
وإذا قيل: إن في ذلك غررًا، قيل: هو كالغرر في الإجارة، فإنه إذا أستأجر أرضًا ليزرعها، فإنما مقصوده الزرع، فقد يحصل، وقد لا يحصل.
وقد ثبت عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه ضمن حديقة أسيد بن
[ ١٩٢ ]
حضير بعد موته ثلاث سنين، وأخذ الضمان فصرفه في دَيْنهِ (١)، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة.
وأيضًا فإن أرض العنوة لما فتحها المسلمون دفعها عمر إليهم -وفيها النخيل والأعناب- لمن يعمل عليها بالخراج، وهذه إجارة عند أكثر العلماء (٢).
_________________
(١) ذكر المصنف -﵀- إسناد هذا الأثر، ولفظه -كما في "مجموع الفتاوى" (٢٩/ ٥٩) - فقال: "فقد روى سعيد بن منصور -ورواه عنه حَربٌ الكرمانى في مسائله- قال: حدثنا عبَّاد بن عبَّاد عن هشام بن عروة عن أبيه: أن أسيد بن حضير توفي وعليه ستة آلاف درهم فدعا عمر غرماءه فقِبلهُم أرضه سنين وفيها النخل والشجر" وقال أيضًا -كما في مجموع الفتاوى (٢٩/ ٤٧٩) -: "فإنه قد روى حرب الكرماني وأبو زرعة الدمشقي وغيرهما بإسناد ثابت: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قَبِلَ حديقة أسيد بن حضير -لما مات- ثلاث سنين وتسلَّف القَبَالة ووفى بها دَيْنًا كان على أسيد، ومثل هذه لابد أن تنتشر ولم ينكرها أحد". وأشار إليه أيضًا في (٣٠/ ٢٢٥)؛ وانظر أيضًا مزيد تفصيل في "القواعد النورانية" للمصنف (٢/ ٣٦٢ إلى ٣٧٠) (ط. مكتبة الرشد).
(٢) "الفتاوى" (٣٠/ ٢٣٩، ٢٤٣).
[ ١٩٣ ]