فصل
وأما الماء إذا تغير بالنجاسات، فإنه ينجس بالاتفاق.
وأما ما لم يتغير ففيه أقوال معروفة:
أحدها: لا يَنجس؛ وهو قول أهل المدينة، ورواية المدنيين عن مالك، وكثير من أهل الحديث، واحدى [الروايات] (١) عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه ونصرها في المفردات: ابن عَقيل، وابن [البناء] (٢) وغيرهما.
والثاني: ينجس قليل الماء بقليل النجاسة؛ وهي رواية البصريين عن مالك.
والثالث: وهو مذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى -اختارها طائفة من أصحابه- الفرق بين القلتَيْن (٣) وغيرهما؛ فمالك لا يَحُدُّ الكثير بالقلتين، والشافعي وأحمد يَحُدَّان الكثير بالقلتين.
_________________
(١) في (خ): [الروايتان]، والذي أثبته من (د، ف) ..
(٢) في (خ): [المر]، وفي (د): [المنى]؛ والتصويب من (ف).
(٣) قال المصنف -﵀- في شرح العمدة (١/ ٦٧): "والقلتان ما قارب مائة وثمانية أرطال بالدمشقي"، ثم قال: "فصارت القلتان خمس قرب بقرب الحجاز، وقرب الحجاز كبار معلومة تسع القربة منها نحو مائة رطل -كذا نقله الذين حددوا الماء بالقرب-، وإنما يقال ذلك بعد التجربة فصارت القلتان خمسمائة رطل بالعراقي، ورطل العراق الذي يعتبر به الفقهاء: تسعون مثقالًا، فيكون مائة وثمانية وعشرين درهمًا، وأربعة أسباع درهم، فإذا حسبت ذلك برطل دمشق وهو ستمائة درهم، كانت القلتان: مائة وسبعة أرطال وسُبع رطل". اهـ.
[ ٦٧ ]
والرابع: الفرق بين البول والعَذِرَة المائعة وغيرهما؛ فالأول: يُنَجِّس منه ما أمكن نزحه، دون ما لم يمكن نزحه، بخلاف الثاني: فإنه لا يُنَجِّس القُلتين فصاعدًا، وهذا أشهر الروايات عن أحمد واختيار أكثر أصحابه (١).
والخامس: أن الماء يَنْجُس بملاقاة النجاسة سواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا؛ [وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه] (٢)، لكن ما لم يصل إليه لا يُنَجِّسه.
ثم حدوا ما لم يصل إليه بما لا يتحرك [أحد] (٣) طرفيه بتحريك الطرف الآخير.
ثم تنازعوا: هل يُحَدُّ بحركة المتوضئ أو المغتسل؟ وقدَّر ذلك محمد بن الحسن [بقدر] (٤) مسجده [فوجده] (٥) عشرة أذرع في عشرة أذرع.
وتنازعوا في [الأبيار] (٦) إذا وقع فيها نجاسة، هل يمكن
_________________
(١) قال أبو داود في مسائله (٣): سمعت أحمد وقيل له: فأرة وقعت في بئر، قال: كم فيها من الماء؟ قال: قدر عشر قِرب؛ قال: إذا لم يتغير طعمه ولا ريحه فلا بأس. ثم قال في (٤): سمعت أحمد: فإذا تغير طعمه أو ريحه نزح منه حتى يعود كما كان. ثم قال في (٥): سمعت أحمد يقول: قيل له: بئر وقع فيها بول؟ فقال: يُنزح حتى يغلبهم الماء، قال: ومن العذرة إذ انقطع فيها أيضًا ينزح حتى يغلبهم الماء.
(٢) سقطت من (خ).
(٣) سقطت من (خ).
(٤) ليست في (د، ف).
(٥) في (د، ف): [وجدوه].
(٦) في (د، ف): [الآبار].
[ ٦٨ ]
تطهيرها؟ فزعم [المزني] (١): أنه لا يمكن؛ وقال أبو حنيفة وأصحابه: يمكن تطهيرها بالنزح، ولهم في تقدير الدلاء أقوال معروفة.
والسادس: قول أهل الظاهر، الذين يُنَجِّسون ما بال فيه البائل دون ما أُلقيَ فيه البول [ولا يُنَجِّسون ما سوى ذلك إلا بالتغير] (٢).
وأصل هذه المسألة من جهة المعنى: أن اختلاط الخبيث -وهو النجاسة- بالماء: هل يُوجب تحريم الجميع أم يُقال: بل قد استحال في الماء فلم يبقَ له حكم؟
فالمنجسون ذهبوا إلى القول الأول؛ ثم من استثنى الكثير قال: هذا يَشُقُّ الاحتراز من وقوع النجاسة فيه، فجعلوا ذلك موضع استحسان، كما ذهب إلى ذلك طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد.
وأما أصحاب أبي حنيفة فبنوا الأمر على وصول النجاسة وعدم وصولها وقدَّروه بالحركة أو بالمساحة في الطول والعرض دون العمق.
والصواب: هو القول الأول، وأنه متى عُلِم أن النجاسة قد استحالت فالماء طاهر سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وكذلك في المائعات كُلِّها، وذلك لأن الله تعالى أباح الطيبات وحرَّم الخبائث؛ والخبيث متميز عن الطيب بصفاته، فإذا كانت صفات الماء وغيره صفات
_________________
(١) في (خ): [المريسي]، وفي (د): [بشر المريسي]، وما أثبته هو في (ف).
(٢) سقط من (خ).
[ ٦٩ ]
الطيب دون الخبيث: وَجَبَ دخوله في الحلال دون الحرام.
وأيضًا: فقد ثبت من حديث أبى سعيد: أن النبي - ﷺ - قيل له: أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يُلقى فيها الحِيَضُ، ولحوم الكلاب والنَّتن (١)، فقال: "الماء طهور لا يُنَجسه شيء" (٢). قال أحمد:
_________________
(١) الحِيض: بكسر الحاء، جمع حِيضة -بكسر الحاء- مثل سدر وسدرة؛ وهي: الخرقة التي تستعملها المرأة في دم الحيض. والنتن -بنون مفتوحة وتاء مثناة من فوق ساكنة ثم نون- قال ابن رسلان في شرح السنن: وينبغي أن يضبط بفتح النون وكسر التاءة؛ وهي: الشيء الذي له رائحة كريهة، اهـ (نقلًا عن عون المعبود ١/ ٨٨).
(٢) صحيح: أخرجه أحمد في "مسنده" (٣/ ٣١)، والترمذي في "الجامع" (٦٦)، وأبو داود (٦٦)، والنسائي في "المجتبى" (٣٢٦)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١٣١)، (٧/ ٢٨١)، وابن الجارود في "المنتقى" (٤٧)، والبيهقي في "الكبرى" ١/ ٤، ١/ ٢٥٧، وابن حبان في "الثقات" (٧/ ٥٤٨)، وابن الجوزي في "التحقيق" (١/ ٤٢)، وابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٢٦٩). كلهم من طريق أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا. وقد حدث اضطراب في اسم عبيد الله، فقد أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٨٦)، والدارقطني في "سننه" (١/ ٣٠) والطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ١١)، وأبو داود (٦٧)، والبيهقي في "الكبرى" (١/ ٢٥٧)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ١٦٩)، من طريق ابن إسحق قال: ثني سليط بن أيوب بن الحكم الأنصاري عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري أحد بني عدى بن النجار عن أبى سعيد مرفوعًا به. وأخرجه الدارقطني (١/ ٣٠) من طريق محمد بن مسلمة عن ابن إسحق عن سليط به، لكن سماه: عبد الرحمن بن رافع.
[ ٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قلت: عبيد الله، أورده الحافظ في التهذيب تحت اسم: (عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع (٤/ ٢١)، وقال: "قال ابن القطان: فيه خمسة أقوال، ثم قال: وكيف كان فهو من لا يُعرف له حال، وقال ابن مندة: مجهول. نعم صحح حديثه أحمد بن حنبل وغيره، وقد نص البخاري على أن قول من قال: عبد الرحمن بن رافع وهم والله أعلم" اهـ وبقية رواته ثقات. وقال أبو عيسى: "هذا حديث حسن وقد جوَّد أبو أسامة هذا الحديث فلم يرو عن أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة". وفي "تحفة الأحوذي" (١/ ١٧٠): "وجود أبو أسامة هذا الحديث: أي: رواه بسند جيد". وقد أخرجه الشافعي في "مسنده" (ص ١٦٥) قال: أخبرنا الثقة عن ابن أبي ذئب عن الثقة عنده عمن حدثه أو عن عبيد الله بن عبد الرحمن العدوي عن أبي سعيد مرفوعًا بنحوه، وكذا أخرجه عبد الرزاق (١/ ٧٨) عن معمر عن ابن أبي ذئب عن رجل عن أبي سعيد به. وقال الحافظ في "التلخيص" (٢) (١/ ١٣): "حديث حسن، وقد جوده أبو أسامة، وصححه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو محمد بن حزم، ونقل ابن الجوزي أن الدارقطني قال: أنه ليس بثابت، ولم نر ذلك في "العلل" له ولا في "السنن"، وقد ذكر في العلل الاختلاف فيه على ابن اسحق وغيره، وقال في آخر الكلام عليه: وأحسنها اسنادًا رواية الوليد بن كثير عن محمد بن كعب، يعني: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع عن أبي سعيد" اهـ. وقال المباركفوري في "تحفة التحوذي" (١/ ١٧٠): "فإن قلت: في سند هذا الحديث عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج وهو مستور كما قال الحافظ في التقريب، فكيف يكون هذا الحديث صحيحًا أو حسنًا، قلت: صحح هذا الحديث أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وهما إماما الجرح والتعديل، وأيضًا صحح هذا الحديث الحاكم وغيره، وذكر ابن حبان عبيد الله هذا في الثقات فثبت أنه لم يكن عند هؤلاء الأئمة مستورًا والعبرة لقول من عرف لا بقول من جهل، فإن قلت: قال ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام أن في إسناده اختلافًا -ثم ذكر الاختلاف
[ ٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) في اسم عبيد الله- قلت: أما إعلاله بجهالة الراوي عن أبي سعيد فليس بشيء فإنه إن جهله ابن القطان فقد عرفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما، وأما اختلاف الرواة في اسمه واسم أبيه فهو أيضًا ليس بشيء؛ لأن اختلاف الرواة في السند أو المتن لا يوجب الضعف إلا بشرط استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم ولا يُعَل الصحيح بالمرجوح وههنا وجوه الاختلاف ليست بمستوية بل رواية الترمذي وغيره التي وقع فيها عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج راجحة وباقي الروايات مرجوحة فإن مدار تلك الروايات على محمد بن إسحاق وهو مضطرب فيها وتلك الروايات مذكورة في سنن الدارقطني فهذه الرواية الراجحة تقدم على تلك الروايات المرجوحة ولا تعل هذه بتلك" اهـ قلت: وهذا كلام متين جدًّا. ونقل أيضًا تصحيح أحمد للحديث: ابن الملقن في خلاصة "البدر المنير" (١/ ٧)، والوادياشي في "تحفة المحتاج" (١/ ١٣٧)، وكذا ابن كثير في "تحفة الطالب" (١/ ٢٥٨) فقال: "وفي إسناده بعض الاضطراب لا يتسع هذا المكان لبسطه، وقد قال الإمام أحمد: هو حديث صحيح" اهـ. ولم أقف على تصريح ابن حزم بتصحيح طريق عبيد الله هذا، لكن الوارد عنه في المحلي (١/ ١٥٥) هو روايته الحديث بإسناده من طريق أخرى من حديث سهل بن سعد -سنوردها فيما يلي- وقد احتج به. وللحديث طرق أخرى عن أبي سعيد: (أولها) ما أخرجه الطيالسي (٢١٥٥)، ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" (١/ ٢٥٨) (١١٤٩)، قال: ثنا قيس عن طريف بن سفيان عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: "كنا مع رسول الله فأتينا على غدير فيه جيفة فتوضأ بعض القوم وأمسك بعض القوم حتى يجيء النبي، فجاء النبي ﵌ في آخريات الناس فقال: "توضئوا واشربوا فإن الماء لا ينجسه شيء". قلت: طريف، قد اختُلِف في اسم أبيه: فقيل: هو ابن شهاب، وقيل: ابن سعد، وقيل: ابن سفيان أبو سفيان السعدي الأشل، ويقال: الأعسم. وقد ضعفه ابن معين، وأبو حاتم، والدارقطني، وقال البخاري: ليس بالقوي
[ ٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عندهم، وأشد جرح فيه هو قول أحمد: ليس بشيء ولا يكتب حديثه، وقول النسائي: متروك الحديث. وقال عنه ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ضعيف الحديث (راجع ترجمته في "التهذيب" ٣٣٩٣). وقد اضطرب فيه: فقد أخرجه ابن ماجة (٥٢٠)، والطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ١٢)، وابن عدي في "الكامل" (٤/ ١١٧) من طريق شريك عن طريف قال عن أبي نضرة يحدث عن جابر بن عبد الله -هكذا جاءت رواية ابن ماجه- وفي رواية الطحاوي ذكره على الشك: عن جابر أو أبي سعيد، أما في رواية ابن عدي، فذكر أبو سعيد فقط ولم يذكر جابرًا. قلت: قد تُحمل عهدة هذا الاضطراب في الإسناد على شريك لسوء حفظه، أما طريف وإن كان ضعيفًا، فقد قال عنه ابن عدي: روى عنه الثقات، وإنما أنكر عليه في متون الأحاديث أشياء لم يأت بها غيره، وأما أسانيده فهي مستقيمة. فعلى هذا فزيادة: "توضئوا واشربوا " من طريف في المتن تعد منكرة، وكذا سياق القصة. (والثاني) ما أخرجه أحمد في "مسنده" (٣/ ١٥)، وأبو يعلى في "مسنده" (١٣٠٤)، والطحاوي في "معانى الآثار" (١/ ١٢)، والخطيب في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (٢/ ٦٥) من طريق عبد العزيز بن مسلم ثنا مطرف عن خالد بن أبي نوف عن ابن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: انتهيت إلى النبي ﵌ وهو يتوضأ من بئر بضاعة، فقلت: يا رسول، توضأ منها وهي يُلقى فيها ما يلقى من النتن؟ فقال: "إن الماء لا ينجسه شيء". قلت: عبد العزيز بن مسلم، ومطرف بن طريف كلاهما ثقة، وأما خالد بن أبي نوف هو السجستاني، وقيل: هو خالد الشيباني، وروى عنه ثقتان: مطرف بن طريف، ويونس بن أبي إسحاق، وذكره ابن حبان في الثقات، فهكذا ارتفعت جهالة عينه وبقيت جهالة الحال، لذلك ترجمه الحافظ في "التقريب" (١٦٨٣) بقوله: مقبول، من السادسة قيل هو خالد الشيباني الذي يرسل عن ابن عباس، وقيل هو ابن كثير الهمداني.
[ ٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وأما ابن أبي سعيد الخدري فاسمه: عبد الرحمن: قال الذهبي في ترجمته في "الميزان" (٤/ ٢٨٦): "ووثقه مسلم والنسائي ولينه ابن سعد"، وقال ْالعجلي في معرفة "الثقات" (١٠٤٣): "تابعي مدني ثقة"، وفي "التقريب" (٣٨٧٤): "ثقة من الثالثة"، وكذا في "الكاشف" (٣٢٠٤): "ثقة". وذكره الحاكم في "تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم" (٩٧٣). قلت: فهذا إسناد لا بأس به، وهو حسن في الشواهد وقد تابع عبد العزيز عليه: بكر بن خنيس عند ابن عدي في الكامل (٢/ ٢٥). وللحديث شاهد عن ابن عباس: أخرجه ابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٢٩٦)، وابن خزيمة في صحيح (١/ ٥٧)، وابن حبان في "صحيح" (٤/ ٤٧، ٤٨)، والحاكم (١/ ٢٦٢)، والبيهقي (١/ ٢٦٧)، والنسائي في "المجتبي" (٣٢٥)، وإسحق بن راهويه (١١)، وعبد الرزاق (١/ ١٠٩)، وأحمد (١/ ٢٣٥، ٢٨٤، ٣٠٨)، وأبو يعلى (٤/ ٣٠١)، والطبراني في "الكبير" (١١/ ٢٧٤، ٢٤/ ١٧، ١٨)، وابن شاهين في "ناسخ الحديث ومنسوخه" (٥٧) من طرق عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا -في قصة لميمونة- بلفظ: "إن الماء لا ينجسه شىء"، وقد رواه بهذا اللفظ عن سماك: شعبة وسفيان الثوري، وخالفهما أبو الأحوص في لفظه، فرواه عن سماك بلفظ: "أن الماء لا يجنب"، أخرجه الترمذي (٦٥)، وأبو داود (٦٨)، وابن ماجه (٣٧٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٨)، وابن حبان (١٢٤٨)، والبيهقي (١/ ١٨٩) من طريق أبو الأحوص به. قال الشوكاني في نيل الأوطار (١/ ٣٣): "قال الحافظ في الفتح: وقال الدارقطني: قد أعله قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة؛ لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم" اهـ. وسوف يأتي -إن شاء الله- مزيد تفصيل عن حال سماك في حديث لاحق، وعليه فهذا شاهد بإسناد جيد، يشهد لثبوت الحديث. وله شاهد آخر من حديث عائشة: أخرجه النسائي في "الكبرى" (١/ ٧٤)، وأبو
[ ٧٤ ]
حديث بئر بضاعة صحيح؛ وهو في المسند أيضًا عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - قال: "الماء طهور لا ينجسه شيء" وهذا اللفظُ عامٌّ في القليل والكثير وهو عامٌّ في جميع النجاسات.
وأما إذا تغيَّر بالنجاسة فإنما حُرِّم استعماله لأن جِرم النجاسة باقٍ ففي استعماله استعمالُها بخلاف ما إذا استحالت النجاسة فإن الماء طهور، وليس هناك نجاسة قائمة.
ومما يُبيِّن ذلك: أنه لو وَقَع خمر في ماء واستحالت، ثم شربها شارب لم يكن شاربًا للخمر؛ ولم يجب عليه حدُّ الخمر إذا لم يَبقَ شيءٌ من طعمها ولونها وريحها؛ ولَو صُبَّ لبن امرأة في ماء واستحالت حتى لم يَبقَ له أثر وشرب طفل من ذلك الماء لم يَصِرْ ابنها من الرضاعة بذلك.
وأيضًا: فإن هذا باقٍ على أوصاف خِلْقَتِهِ؛ فيدخل في عموم
_________________
(١) يعلى (٨/ ٢٠٣) من طريق شريك عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة مرفوعًا بلفظ: "الماء لا ينجسه شيء". وورد من وجه آخر موقوفًا على عائشة، أخرجه إسحق بن راهويه (٣/ ٧٦٦)، والبغوي في حديث ابن الجعد (١٥١٥) من طريق شعبة عن يزيد الرشك عن معاذة العدوية عن عائشة أنها سئلت عن الغسل من الجنابة فقالت: "إن الماء لا ينجسه شيء، قد كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد يبدأ فيغسل يديه"، ويزيد ومعاذة كلاهما ثقة، والموقوف هو المحفوظ، ورفعُ شريك له من أخطائه لسوء حفظه. وشاهد ثالث من حديث سهل بن سعد: أخرجه ابن حزم في المحلى (١/ ١٥٥)، والدارقطني (١/ ٢٩).
[ ٧٥ ]
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فإن الكلام إنما هو فيما لم يتغير بالنجاسة: لا طعمه ولا لونه ولا ريحه.
فإن قيل: فإن النبيَّ - ﷺ - قد نهى عن البول في الماء الدائم، وعن الاغتسال فيه (١).
قيل: نَهيُهُ عن البول في الماء الدائم لا يَدل على أنه يَنجُس بمجرد البول؛ إذ ليس في اللفظ ما يَدل على ذلك بل قد يكون نَهْيُهُ [سدًّا للذريعة] (٢)؛ لأن البول ذريعة إلى تنجيسه، فإنه إذا بال هذا ثم بال هذا تغير الماء بالبول فكان نهيه سدًّا للذريعة، [أو يُقال: إنه مكروه بمجرد الطبع، لا لأجل أنه ينجسه] (٣) (٤).
وأيضًا: [فيَدل] (٥) نهيُهُ عن البَوْل في الماء الدائم أنه يَعُمُّ القليل والكثير، فيُقال لصاحب القُلَّتَيْن: [أتُجَوِّز] (٦) بوله فيما فوق القلتين؟ إن جوزته فقد خالفت ظاهر النص، وإن حرمتُهُ فقد نقضت دليلك.
وكذلك يُقال لمن فرَّق بين ما يمكن نزحُهُ وما لا يُمكن: أتُسَوِّغ للحجاج أن يبولوا في المصانع (٧) المبنيَّة بطريق مكة إن جوزته خالفت
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٨٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) سقطت من (خ).
(٣) قال الشيخ محمد حامد الفقي -﵀-: "والنهي عنه لأن البول في الماء يترتب عليه -فضلًا عن إفساد الماء - تلوينه بأنواع الأمراض، كالبولهارسيا وغيرها من الأمراض الفتاكة". اهـ.
(٤) سقطت من (خ).
(٥) سقطت من (خ).
(٦) في (خ): [أيجوز].
(٧) قال الفيومي في "المصباح المنير" (مادة: صنع) (ص ١٣٣): "المصنع: ما يُصنع لجمع الماء نحو البركة والصهريج والمصنعة بالهاء لغةً، والجمع مصانع". أهـ.
[ ٧٦ ]
ظاهر النصر؛ فإن هذا ماءٌ دائم والحديث لم يفرق بين القليل والكثير، وإلا نقضت قولك.
وكذلك يُقال للمقدِّر بعشرة أذرع: إذا كان [لأهل القرية] (١) غديرٌ مستطيل أكثر من عشرة أذرع رقيق أتسوِّغ لأهل القرية البول فيه؟ فإن سَوَّغتُهُ خالفت ظاهر النص؛ وإلا نقضت قولك.
[فإذا كان النص بل والإجماع، دل على أنه نهى عن البول فيما ينجسه البول؛ بل تقدير الماء وغير ذلك فيما يشترك فيه القليل والكثير: كان هذا الوصف المشترك بين القليل والكثير مستقلًا بالنهي فلم يَجُز تعليل النهي بالنجاسة، ولا يجوز أن يُقال: إنه - ﷺ - إنما نهى عن البول فيه، لأن البول يُنَجسه فإن هذا خلاف النص والإجماع] (٢).
وأما من فرَّق بين البول فيه وبين صبِّ البول، فقوله ظاهر الفساد فإنَّ صبَّ البول أبلغ من أن [يُنْهى] (٣) عنه من مجرد البول؛ إذ الإنسان قد يحتاج إلى أن يَبول، وأما صبُّ الأبوال في المياه فلا حاجة إليه.
فإن قيل: ففي حديث القلتين أنه سُئِل عن الماء يكون بأرض الفلاة، وما يَنُوبُ من السِّباع والدواب، فقال: "إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث" وفي لفظٍ: "لم يُنجسه شيء" (٤)؟
_________________
(١) في (خ): [للقرية].
(٢) سقطت من (خ)؛ وقد أثبته من (د، ف).
(٣) في (خ): [ينتهى].
(٤) (حديث صحيح)، لا علة فيه، كما حقق ذلك المحققون من أهل العلم،
[ ٧٧ ]
قيل: حديث القلتين [فيه كلام قد بُسِط في غير هذا الموضع؛ وبُيِّن أنه من كلام ابن عمر، لا من كلام النبي - ﷺ -] (١)، فإذا صحَّ فمنطوقه موافق لغيره، وهو أن الماء إذا بلغ القلتين لم ينجسه شيء؛ وأما مفهومه -إذا قلنا بدلالة مفهوم العدد- فإنما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه مخالف للحكم في المنطوق بوجه من الوجوه، لا لتظهر فائدة التخصيص بالقدر المعين، ولا يشترط أن يكون الحكم في كل صورة من صور المسكوت [عنه] (٢) مناقضة للحكم في كل صورة من صور المنطوق.
وهذا معنى قولهم: المفهوم لا عموم له، فلا يلزم أن يكون كل ما لم يبلغ القلتين يَنجس، بل إذا قيل بالمخالفة في بعض الصور حصل المقصود، [والمقدار الكثير لا يغيره ورود ما ورد عليه في العادة، بخلاف القليل فإنه قد يغيره، وذلك إذا ما صال عنه فإنه لا يحمل النجاسة في العادة؛ فلا ينجسه، وما دونه قد يحمل وقد لا يحمل فإن حملها تنجس، وإلا فلا، وحمل النجاسة هو كونها محمولة فيه؛
_________________
(١) وردوا على من غمزه بالاضطراب والشذوذ، وقد أفرد جمع طرقه في جزء خاص: العلائي، وكذا أسهب في جمع طرقه والرد على من أعله في بحث طويل: أبو إسحق الحويني في "بذل الإحسان" (٢/ ١٣ - ٤٥)، وقد صححه العلامة الألباني -﵀- في "الإرواء" (٢٣)، و"صحيح الجامع" (٤١٦، ٤١٧، ٧٥٨)، و"صحيح أبي داود" (٥٧).
(٢) سقطت من (خ)؛ وقد جاء هذا القَدْر من هذا الفصل -إلى هذا الموضع- في "الفتاوى" (٣١/ ٣٠) حتى ص ٣٥.
(٣) سقطت من (خ).
[ ٧٨ ]
ويحقق ذلك] (١) أيضًا أن النبي - ﷺ - لم يذكر هذا التقدير ابتداء؛ وإنما ذكره في جواب مَن سأله عن مياه الفلاة التي تردها السباع والدواب؛ والتخصيص إذا كان له سبب غير اختصاص الحكم لم يبق حجة بالاتفاق، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، فإنه خصَّ هذه الصورة بالنهي، لأنها هي الواقعة، [لا] (٢) لأن التحريم يختص بها.
وكذلك قوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ
مَقْبُوضَةٌ﴾ [فذكر] (٣) الرهن في هذه الصورة للحاجة [لا للكثرة] (٤)
مع أنه قد ثبت أن النبي - ﷺ - مات ودرعه [مرهون (٥)] (٦)، فهذا رهنٌ
في الحضر، فكذلك قوله: "إذا بلغ الماء قلتين"، في جواب سائل
معين بيان لما احتاج السائل إلى بيانه، فلما كان ذلك المسئول عنه
كثيرًا قد بلغ قلتين؛ ومن شأن الكثير أنه لا يحمل الخبث، فلا يبقى
الخبث فيه محمولًا، [بل يستحيل الخبث فيه] (٧) لكثرته، بيَّن لهم
أن ما سألتم عنه لا خبث فيه؛ فلا ينجس.
ودلَّ كلامه على أن مناط التنجيس هو كون الخبث محمولًا فحيث كان الخبث محمولًا موجودًا في الماء كان نجسًا؛ وحيث كان الخبث
_________________
(١) سقطت من (خ).
(٢) سقطت من (خ).
(٣) في (خ): [فذلك].
(٤) في (خ): [أكثر].
(٥) أخرجه البخاري (٢٩١٦، ٤٤٦٧) من حديث عائشة ﵂.
(٦) في (د): [مرهونة].
(٧) سقطت من (خ).
[ ٧٩ ]
مستهلكًا [فيه] (١) غير محمول في الماء، كان باقيًا على طهارته.
[والمنازع يقول: المؤثر في التنجيس في القليل ولو مطلقًا هو نفس الملاقاة، وهي موجودة لحمل الخبث كان القليل والكثير سواءً في ذلك، وكونه لا يحمل الخبث ليس هو لعجزه عنه، كما يظنه بعض الناس؛ فإنه لو كان كذلك لكان القليل أولى أن يحمله] (٢)؛ فصار حديث القلتين موافقًا لقوله: "الماء طهور لا ينجسه شيء" (٣)، والتقدير: فيه لبيان أنه في صورة [السؤال] (٤) لم ينجس، لا أنه أراد أن كل ما لم يبلغ قلتين، فإنه يحمل الخبث؛ فإن هذا مخالفة للحس، إذ ما دون القلتين قد يحمل الخبث وقد لا يحمله، فإن كان الخبث كثيرًا وكان الماء يسيرًا يحمل الخبث، وإن كان الخبث يسيرًا، والماء كثيرًا لم يحمل الخبث، بخلاف القلتين، فإنه لا يحمل في العادة الخبث الذي سألوه عنه.
ونكتة الجواب: أن كونه يحمل الخبث أو لا يحمله: أمر حِسي يُعرف بالحس، فإنه إذا كان الخبث موجودًا فيه كان محمولًا؛ وإن كان مستهلكًا لم يكن محمولًا، فإذا عُلِم كثرة الماء، وضعف الملاقي، علم أنه لا يحمل الخبث.
والدليل على هذا: اتفاقهم على أن الكثير إذا تغير ريحه حمل الخبث؛ فصار قوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ولم ينجسه
_________________
(١) سقطت من (خ).
(٢) سقطت من (خ).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) في (د): [السائل].
[ ٨٠ ]
شيء" كقوله: "الماء طهور لا ينجسه شيء"، وهو إنما أراد: إذا لم يتغير في الموضعين؛ وأما إذا كان قليلًا فقد يحمل الخبث لضعفه، وعلى هذا يخرج أمره بتطهير الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبعًا إحداهن بالتراب، والأمر بإراقته.
فإن قوله: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه -أو فليغسله- سبعًا أولاهن بالتراب" (١)، كقوله: "إذا قام أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (٢).
فإذا كان النهي عن غمس اليد في الإناء هو في الإناء المعتاد للغمس، وهو الواحد من آنية المياه؛ فكذلك تلك الآنية المعتادة للولوغ وهي آنية الماء، وذلك: أن الكلب يلغ بلسانه بعد شيء، فلا بد أن يبقى في الماء من ريقه ولعابه ما يبقى وهو لزج، فلا يحيله الماء القليل بل يبقى فيكون ذلك الخبث محمولًا في ماء يسير في ذلك الماء، [فيراق ذلك الماء] (٣) لأجل كَون الخبث محمولًا فيه [لما يروى في ذلك] (٤) ويغسل الإناء الذي لاقاه الخبث.
وهذا بخلاف الخبث المستهلك المستحيل كاستحالة الخمر؛ فإن الخمر إذا انقلبت في الدن بإذن الله تعالى، كانت ظاهرة باتفاق
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٧٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) سقطت من (خ).
(٤) سقطت من (خ).
[ ٨١ ]
العلماء، وكذلك جوانب الدن فهناك يغسل الإناء، وهنا لا يغسل، لأن الاستحالة حصلت في أحد الموضعين دون الآخر.
وأيضًا فإن النبي - ﷺ - لو أراد الفصل بين [المقدار] (١) الذي ينجس بمجرد الملاقاة، و[بين] (٢) ما لا ينجس إلا بالتغير، لقال: إذا لم يبلغ قلتين نجس، وما بلغهما لا ينجس إلا بالتغير، أو نحو ذلك من الكلام الذي يدل على ذلك.
[فإن] (٣) مجرد قوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث"، مع أن الكثير ينجس بالتغير بالاتفاق، فلا يدل على أن هذا هو المقصود، بل يدل على أنه في العادة لا يحمل الأخباث، فلا تنجسه، فهو إخبار عن انتفاء سبب التنجيس، وبيان لكون المنجس في نفس الأمر هو حمل الخبث، والله أعلم.
_________________
(١) سقطت من (خ).
(٢) سقطت من (خ).
(٣) في (د): [فأما].
[ ٨٢ ]