(فصل)
وأما سؤر البغل والحمار: فأكثر العلماء يجوزون التوضأ به، كمالك والشافعي، وأحمد في إحدى [الروايات] (١) عنه، والرواية الأخرى: أنه مشكوك فيه، كقول أبي حنيفة، فيتوضأ به ويتيمم، والثالثة: أنه نجس؛ لأنه متولد من باطن حيوان نجس، فيكون نجسًا كلعاب الكلب، لكن النبي - ﷺ - قال في الهرة: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (٢)، فعلَّل طهارة سؤرها بكونها من الطوافين علينا
_________________
(١) في (د، ف): [الروايتين].
(٢) حسن لغيره: أخرجه مالك في "الموطأ" (٤٢) ومن طريقه كلٌ من: الترمذي في "الجامع" (٩٢)، وابن ماجه (٣٦٧)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ٣٦)، (٧/ ٣٠٨)، وأحمد في "مسنده" (٥/ ٣٠٣)، وابن الجارود في "المنتقى" (٦٠)، والدارمي في "سننه" (٧٣٦)، والشافعي في "الأم" (١/ ٦)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٠٤)، وابن سعد في "الطبقات" (٨/ ٤٧٨)، والبيهقي في "الصغرى" (١/ ١٤٠)، عن إسحق بن عبد الله عن حميدة بنت عبيد عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة الأنصاري- أنها أخبرتها أن أبا قتادة؛ دخل عليها فسكبت له وضوءًا إلخ. قال الحافظ في "تلخيص الحبير" (١/ ٤١) عن هذا الحديث: "صححه البخاري والترمذي والعقيلي والدارقطني"، ثم قال: "وأعله ابن مندة بأن حميدة وخالتها كبشة محلهما محل الجهالة ولا يُعرف لهما إلا هذا الحديث. انتهى فأما قوله: بأنهما لا يُعرف لهما إلا هذا الحديث فمتعقب بأن لحميدة حديثًا آخر في تسميت العاطس رواه أبو داود، وثالث رواه أبو نعيم في "المعرفة"، وأما حالهما فحميدة روى عنها مع إسحق ابنه يحيى وهو ثقة ابن معين، وأما كبشة فقيل: أنها صحابية، فإن ثبت فلا يضر الجهل بحالها والله أعلم. وقال ابن دقيق العيد: لعل مَنْ
[ ١٢٦ ]
والطوافات، وهذا يقتضي أن الحاجة مقتضية للطهارة، وهذا من حجة من يبيح سؤر [البغل] (١) والحمار، فإن الحاجة داعية إلى ذلك (٢).
_________________
(١) صححه اعتمد على تخريج مالك، وأن كل من خرج له فهو ثقة -قال الحافظ-: فإن سلكت هذه الطريقة في تصحيحه أعني: تخريج مالك له، وإلا فالقول قول ابن مندة" اهـ قلت: إسحق زوج حميدة ثقة أيضًا، فصار ثقتان يرويان عن حميدة فرفعا الجهالة عينها، لكن ما زالت مجهولة الحال، إلا أن تصحيح هذا الجمع من الأئمة للحديث يقوي الاحتجاج بها، وقد فكر العقيلي تصحيحه للحديث في "الضعفاء" (٢/ ١٤١) في ترجمة سليمان بن مسافع، بقوله: "إسناد ثابت صحيح". ومهما كان، فهناك متابعة لحميدة، وكبشة، فقد أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٣٠٩) قال ثنا معمر بن سليمان الرقي ثنا الحجاج عن قتادة عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه مرفوعًا بنحوه وهذا إسناد ضعيف؛ لعنعنة الحجاج بن أرطاة وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات.
(٢) في (خ): [الكلب].
(٣) أخرج ابن أبي شيبة (١/ ٤٣) بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يكره سؤر الحمار، وبإسناد صحيح أيضًا عن إبراهيم النخعي: كان يكره سؤر البغل والحمار؛ وعن حكيم قال: سألت أبا وائل عن سؤر الكلب، فقال: ما أحب مشاركته. وممن ذهب إلى عدم كراهة سؤر البغل والحمار من التابعين: عطاء، والزهري، وجابر بن زيد، والشعبي، والحكم، أخرج هذا عنهم ابن أبي شيبة (١/ ٤٤) بأسانيد صحيحة. وقال ابن هانئ في مسائله لأحمد (١/ ٢): "سألت أبا عبد الله عن سؤر الحمار: هل يجوز الوضوء منه؟ قال: لا يجوز الوضوء منه، ولا من نفخه، ولا من عرقه. وفي مسائل أبي داود (١٣): سمعت أحمد بن حنبل قال: أكره سؤر
[ ١٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الحمار والبغل. وعمدة القائلين بجواز التوضئ بسؤر البغل والحمار هو حديث جابر: أن رسول الله - ﷺ - سئل: أيتوضأ بما أفضلت الحمر؟ فقال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها. والحديث أخرجه كل من: الشافعي في "الأم" (١/ ٦)، ومن طريقه: البيهقي في "الكبرى" (١/ ٢٤٩) عن إبراهيم بن أبي يحيى عن داود بن حصين عن أبيه عن جابر به، وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١/ ٦٢)، وابن عدي في "الكامل" (جزء التراجم الساقطة ص ٩٨، ٩٩) من طريق إبراهيم به، وإبراهيم كذبه مالك وابن معين، وقال الدارقطني: متروك، لكن تابعه: إبراهيم بن إسمعيل بن أبي حبيبة، أخرجه الشافعي في "الأم" (١/ ٦)، ومن طريقه: البيهقي، في "الكبرى" (١/ ٢٥٠)، وفي بيان من أخطأ على الشافعي (ص ١٣٢)، وابن الجوزي في "التحقيق" (١/ ٦٧) عن سعيد بن سالم عن إبراهيم به. وابن أبي حبيبة: ضعفه النسائي، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: عنده مناكير. وفي "خلاصه البدر المنير" (١/ ١٣): "قال البيهقي في المعرفة: أنه إذا ضم أسانيده بعضها إلى بعض أحدثت قوة، قال: وفي معناه حديث أبي قتادة وإسناده صحيح، والاعتماد عليه -يعني: حديث أنها من الطوافين عليكم-". أهـ. قلت: وفيما قاله البيهقي نظر، فإن من شروط التقوية عدم وجود جرح شديد في الراوي كي يصلح في المتابعة، وهذا غير متوفر في هذا الحديث، وأيضًا حديث أبي قتادة لا يصلح كشاهد له لاختلاف مضمونه، لكن يستأنس به في إثبات الحكم. لكن وقفت له على شواهد أخرى: الأول: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣١) بإسناد حسن عن عكرمة قال: مر رسول الله بغدير، فقالوا: يا رسول الله إن الكلاب تلغ فيه والسباع، فقال رسول الله - ﷺ -: للسبع ما أخذ في بطنه، وللكلب ما أخذ في بطنه فاشربوا، وهذا مرسل.
[ ١٢٨ ]
والمانع يقول: ذلك مثل سؤر الكلب، فإنه مع إباحة قنيته لما يحتاج فيه إليه نهى عن سؤره.
والمرِّخص يقول: الكلب إباحته للحاجة، ولهذا حَرَّم ثمنه، بخلاف البغل والحمار، فإن بيعهما جائز باتفاق المسلمين؛ والمسألة مبنية على آثار السباع وما لا يؤكل لحمه (١).
_________________
(١) والثاني: أخرج ابن أبي شيبة (١/ ١٣١) من طريقين ضعيفين: أن عمر أتى على حوض من الحياض فأراد أن يتوضأ ويشرب، فقال أهل هذا الحوض: إنه تلغ فيه الكلاب والسباع، فقال عمر: إن لها ما ولغت في بطونها، قال: فشرب وتوضأ. وأخرج مالك في "الموطأ" (٤٣) بإسناد صحيح عن يحيى بن عبد الرحمن ابن حاطب: أن عمر بن الخطاب خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضًا، فقال عمرو: يا صاحب الحوض، هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا. ولكن هذا منقطع، فإن يحيى لم يسمع من عمر، وقد أخرجه الدارقطني في "سننه" (١/ ٣٣) -وقرن أبا سلمة مع يحيى-، وابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٣١٠)، وعبد الرزاق (١/ ٧٦). وحدث وهم في رواية عبد الرزاق حيث قال عن يحيى: أنه كان مع عمر في ركب فيهم عمرو، فجعل يحيى رفيق عمر في هذا الركب، لكن قال محققو نسخة المصنف (ط. العلمية): أن اسم يحيى ليس في أصل المصنف، وإنما زادوه من "الموطأ" و"السنن" للدارقطنى. والثالث: أخرجه ابن القاسم في "المدونة" (١/ ٦)، والدارقطني في "سننه" (١/ ٣١)، وابن الجوزى في "التحقيق" (١/ ٦٦)، من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه؛ وهذا إسناد ضعيف لضعف زيد، لكنه يعد شاهدًا جيدًا لحديث جابر.
(٢) "الفتاوى" (٢١/ ٦٢١).
[ ١٢٩ ]