(فصل)
وأما صوم يوم الغيم إذا حال دون [رؤية] (١) الهلال غيم، أو قتر فللعلماء فيه عدة أقوال، وهي مذهب [في] (٢) أحمد وغيره:
[أحدها] (٣): أن صومه منهي عنه، ثم هل هو نهي تحريم أو تنزيه؟ على قولين.
وهذا هو المشهور في مذهب مالك والشافعي، وأحمد، في إحدى [الروايات عنهم،] (٤) واختار ذلك طائفة من أصحابه، كأبي الخطاب [وابن عقيل] (٥) وأبي القاسمم بن مندة الأصفهاني وغيرهم.
والقول الثاني: أن صيامه واجب، كاختيار الخرقي والقاضي وغيرهما من أصحاب أحمد، وهذا يُقال: أنه أشهر الروايات عن أحمد، لكن الثابت عن أحمد، لمن عرف نصوصه وألفاظه: أنه كان يستحب صيام يوم الغيم، اتباعًا لعبد الله بن عمر وغيره من الصحابة، ولم يكن عبد الله بن عمر يوجبه على الناس، بل كان يفعله احتياطًا (٦)، وكان الصحابة فيهم من يصومه احتياطًا، ونقل ذلك عن
_________________
(١) في (خ): [منظر].
(٢) سقطت من (د).
(٣) في (د): [أحدهما].
(٤) في (د): [الروايتين عنه]؛ وفي (ف): [الروايات عنه].
(٥) لسِت في (خ)، وهي ثابتة في (د، ف).
(٦) قال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢/ ٣٢٢): حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد العزيز بن حكيم قال: سمعت ابن عمر: لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه. وأخرجه البيهقي في الكبرى (٤/ ٢٠٩)، وابن الجوزي في التحقيق (٢/ ٧٣) من
[ ١٣٧ ]
عمر، وعلي، ومعاوية، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة، وأسماء،
_________________
(١) طريق عبد العزيز بن حكيم به، وعزاه الحافظ في الفتح (٤/ ١٢٢) إلى الثوري في جامعه. قلت: عبد العزيز هو الحضرمي ذكره الذهبي في "الميزان" (٣/ ٣٤١) وقال: (قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وسمع ابن عمر، وعنه الثوري أيضًا". أهـ. وذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ١٢٥)، فأقل أحواله أنه حسن الحديث، ولم يُصب ابن الجوزي في التحقيق حينما ضعف الأثر بقول: "وقد ضعف أبو حاتم الرازى عبد العزيز بن حكيم"، حيث أن قول أبي حاتم: ليس بالقوى، لا يعتبر تضعيفًا -كما هو معلوم عند المحققين- إنما هي صيغة تستعمل في حق من لم يبلغ رتبة الثقة، فهي كالبرزخ بين الثقة والضعيف، ومما يؤكد مغايرة معناها للضعيف وأنها ليست صيغة تضعيف مطلق عند أبي حاتم، عدوله عن قول: ضعيف، أو منكر الحديث في حق من وُصف بها. وعليه، فهذا أثر حسن، وقال زكريا بن غلام قادر الباكستاني في كتابه "ما صح من آثار الصحابة في الفقه" ٢/ ٦٨٢ بعد أن ساق الأثر وإسناده من مصنف ابن أبي شيبة: "وقد تصحف رفيع إلى حكيم" -أي أنه جعل الراوي عن ابن عمر هو عبد العزيز بن رفيع- ولا أدري لِمَ هذا الإدعاء للتصحيف، وقد ورد في المصنف والسنن الكبرى والتحقيق هكذا: حكيم. لكن قد ثبت عن ابن عمر ما يخالف هذا الأثر، مما قد يوحي بنكارته، فقد ثبت بإسناد صحيح عن نافع أنه قال: فكان عبد الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر فإن رؤي أي: الهلال- فذاك، وإن لم يُر ولم يَحُل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائمًا. أخرجه أحمد في "مسنده" (٢/ ٥، ١٣، ٦٣)، وأبو داود (٢٣٢٠)، والدارقطني (٢/ ١٦)، والبيهقي (٤/ ٢٠٤).
[ ١٣٨ ]
وغيرهم (١)، ومنهم من كان لا يصومه، مثل كثير من الصحابة (٢)؛ ومنهم من كان ينهى عنه كعمار بن ياسر وغيره، فأحمد - ﵁ - كان يصومه احتياطًا.
وأما إيجاب صومه فلا أصل له في كلام أحمد، ولا كلام أحد من أصحابه، لكن كثير من أصحابه اعتقدوا أن مذهبه إيجاب صومه، [ونصروا] (٣) ذلك [القول] (٤) (٥).
و[القول الثالث] (٦): أنه يجوز صومه ويجوز فطره، وهذا مذهب أبي حنيفة وغيره، وهو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه،
_________________
(١) ثبت هذا عن عائشة ﵂ في "السنن الكبرى" للبيهقي (٤/ ٢١٢)، ورُوي بأسانيد ضعيفة عن عمر، وعلي، وحذيفة، وابن مسعود في "مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٣٢٢)، ورُوَيَّ أيضًا بإسناد فيه ضعف وانقطاع عن علي في "مسند الشافعي" (ص ١٠٣)، و"سنن الدارقطني" (٢/ ١٧٠)، وقد جمع هذه الآثار ابن القيم في "الزاد" (٢/ ٤٢ - ٤٦).
(٢) ثبت هذا عن ابن عباس، وأبي هريرة كما في "مصنف عبد الرزاق" (١/ ١٥٨)، وكذا عن أنس عند ابن أبي شيبة (٢/ ٣٢٢).
(٣) في (خ): [نص].
(٤) ليست في (خ).
(٥) قال العلامة ابن عثيمين -﵀- في "الشرح الممتع" (٦/ ٣١٥) (ط. آسام): "هذا هو المشهور من المذهب عند المتأخرين، حتى قال بعضهم: إن نصوص أحمد تدل على الوجوب". اهـ، وانظر تحرير مذهب أحمد أيضًا في الزاد (٢/ ٤٦، ٤٧)، وقد رجح العلامة ابن عثيمين القول بتحريم صيام يوم الشك، وهو الأقرب للصواب؛ للنهي الوارد في حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم (١٠٨٢): "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه".
(٦) في (خ): [القول الرابع].
[ ١٣٩ ]
وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين وأكثرهم، وهذا كما أن الإمساك عند الحائل عن رؤية الفجر جائز، فإن شاء أمسك وإن شاء أكل حتى [يتيقن] (١) طلوع الفجر.
وكذلك إذا شك، هل أحدث أم لا؟ إن شاء توضأ، وإن شاء لم يتوضأ، وكذلك إذا شك، هل حال حول الزكاة أو لم يحل؟ وإذا شك هل الزكاة الواجبة عليه مائة أو مائة وعشرون؟ فأدى الزكاة.
وأصول الشريعة كلها مستقرة على أن الآحتياط ليس بواجب ولا محرم.
ثم إذا صامه بنية مطلقة أو بنية معلقة، بأن ينوي إن كان من شهر رمضان كان عن رمضان، وإلا فلا، فإن ذلك يجزيه في مذهب أبي حنيفة، وأحمد في أصح [الروايات أو] (٢) الروايتين عنه، وهي التي نقلها المروزي وغيره، وهذا اختيار الخرقي في شرحه للمختصر، واختيار أبي البركات وغيرهما.
والقول الثاني: أنه لا يجزيه إلا بنية من رمضان، كإحدى الروايتين عن أحمد، اختارها القاضي وجماعة من أصحابه (٣).
وأصل هذه المسألة (٤): أن تعيين النية لشهر رمضان، هل هو واجب؟ فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد.
_________________
(١) في (خ): [يتبين].
(٢) ليست في (د).
(٣) ورد هذا الفصل من بدايته إلى هذا الموضع في الفتاوى (٢٥/ ٩٨ إلى ١٠٠).
(٤) وردت تتمة هذا الفصل في سؤال منفصل في الفتاوى (٢٥/ ١٠١ إلى ١٠٣).
[ ١٤٠ ]
أحدها: أنه لا يجزيه إلا أن ينوي رمضان، فإن صام بنية مطلقة أو معلقة، أو بنية النفل والنذر، لم يجزئه ذلك، كالمشهور من مذهب الشافعي، وأحمد في إحدى الروايات.
والثانية: يجزئه مطلقًا، كمذهب أبي حنيفة.
والثالثة: أنه [لا] (١) يجزي بنية مطلقة، لا بنية [تعيين] (٢) غيره رمضان، وهذه الرواية الثالثة عن أحمد، وهي اختيار الخرقي وأبي البركات.
وتحقيق هذه المسألة: أن النية تتبع العلم، فإن علم أن غدًا من رمضان، فلابد من التعيين في هذه الصورة، فإن نوى نفلًا أو صومًا مطلقًا، لم [يجزئه] (٣)، لأن الله -﷿- أمره أن يقصد أداء الواجب عليه، وهو شهر رمضان الذي علم وجوبه، فإن لم يفعل الواجب لم تبرأ ذمته.
وأما إذا كان لم يعلم أن غدًا من شهر رمضان فهنا لا يجب عليه التعيين، ومن أوجب التعيين عدم العلم فقد أوجب الجمع بين الضدين، فإذا قيل: إنه يجوز صومه وصام في هذه الصورة بنية مطلقة أو معلقة، أجزأه.
وأما إذا قصد صوم ذلك تطوعًا ثم تبين أنه كان من شهر رمضان، فالأشبه أنه يجزيه أيضًا، كمن كان لرجل عنده وديعة، ولم،
_________________
(١) ليست في (د، ف)،
(٢) ليست في (د)، وهي ثابتة في (خ، ف).
(٣) في (د): [يجزه]، وما أثبته هو في (خ، ف).
[ ١٤١ ]
يعلم ذلك فأعطاه ذلك على طريق التبرع، ثم تبين له أنه حقه، فإنه لا يحتاج إلى إعطاء ثان، بل يقول له: ذلك الذي وصل إليك هو حقٌّ كان لك عندي، والله [يعلم حقائق] (١) الأمور.
والرواية التي تروى عن أحمد [فيه] (٢): أن الناس تبع للإمام في نيته على أن الصوم والفطر بحسب ما يعلمه الناس، كما في السنن عن النبي - ﷺ - أنه قال: "صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون".
وقد تنازع الناس في الهلال، هل هو اسم لما يطلع في السماء وإن لم يره أحد، أو لا يسمى هلالًا حتى يستهل به الناس ويعلموه؟
على قولين في مذهب أحمد وغيره.
وعلى هذا ينبني النزاع فيما إذا كانت السماء مطبقة بالغيم، أو في يوم الغيم مطلقًا، هل هو يوم شك؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره:
أحدها: أنه ليس بشك، بل الشك إذا أمكنت رؤيته، وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي وغيرهم.
والثاني: أنه شك لإمكان طلوعه.
والثالث: أنه من رمضان حكمًا، فلا يكون يوم شك، وهو اختيار طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم.
_________________
(١) في (د): [أعلم بحقائق]، وما أثبته هو في (خ، ف).
(٢) ليست في (ف).
[ ١٤٢ ]
وقد تنازع الفقهاء في المنفرد برؤية هلال الصوم والفطر، هل يصوم ويفطر وحده، أو لا يصوم ولا يفطر إلا مع الناس، أو يصوم وحده ويفطر مع الناس؟ على ثلاثة أقوال [معروفة] (١) في مذهب أحمد وغيره.
_________________
(١) سقطت من (د)، وهي ثابتة في (خ، ف).
[ ١٤٣ ]