(فصل)
وأما عظم الميتة وقرنها وظفرها وما هو من جنس ذلك، كالحافر ونحوه، وشعرها وريشها ووبرها.
ففي هذين النوعين للعلماء ثلاثة أقوال:
أحدها: نجاسة الجميع، كقول الشافعي المشهور عنه، وذلك روايةٌ عن أحمد.
والثاني: أن العظام ونحوها نجسة، والشعور ونحوها طاهرة، وهذا هو المشهور من مذهب مالك وأحمد.
والثالث: أن جميع طاهر، كقول أبي حنيفة، وهو قول في مذهب مالك وأحمد، وهذا القول هو الصواب؛ وذلك لأن الأصل فيها الطهارة، ولا دليل على النجاسة.
وأيضًا: فإن هذه الأعيان هي من الطيبات ليست من الخبائث، فتدخل في آية التحليل، وذلك لأنها لم تدخل فيما حرمه الله من الخبائث، لا لفظًا ولا معنى، فإن الله تعالى حرم الميتة.
وهذه الأعيان لا تدخل فيما حرمه الله لا لفظًا ولا معنى:
أما اللفظ فلأن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، لا يدخل فيها الشعور وما أشبها؛ وذلك لأن الميت ضد الحي، والحياة نوعان: حياة الحيوان وحياة النبات؛ فحياة الحيوان: خاصتها الحس والحركة الإرادية؛ وحياة النبات: خاصتها النمو والاغتذاء.
[ ١١٣ ]
وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، إنما هو ما فارقته الحياة الحيوانية دون النباتية، فإن الشجر والزرع إذا يبس لم ينجس باتفاق المسلمين.
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل: ٦٥] وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد: ١٧]، فموت الأرض لا يوجب نجاستها باتفاق المسلمين.
[وإنما] (١) الميتة المحرمة: [ما فارقها] (٢) الحس والحركة الإرادية، [وإذا كان كذلك فالشعر حياته من جنس حياة النبات، لا من جنس حياة الحيوان] (٣)، فإنه ينمو ويغتذي ويطول كالزرع؛ وليس فيه حسٌّ، ولا [يتحرك بإرادته] (٤)، فلا تحله الحياة الحيوانية، حتى يموت بمفارقتها، فلا وجه لتنجيسه.
وأيضًا: فلو كان الشعر جزءًا من الحيوان لما أبيح أخذه في
حال الحياة؛ فإن النبي - ﷺ -: سئل عن قوم [يجُّبُّون] (٥) [أسنمة] (٦)
_________________
(١) في (د): [وأما].
(٢) في (د): [فما كان صوتها لمفارقتها]؛ وما أثبته هو في (خ، ف).
(٣) ليست في (خ).
(٤) في (خ): [تحريك بالإرادية].
(٥) في النسخ الثلاث (خ، د، ف): [يحبون] بالحاء المهملة، وما أثبته هو الصواب الوارد في "جامع الترمذي"، و"مستدرك الحاكم"، وغيرهما من كتب السنة التي أخرجت هذا الحديث.
(٦) في (د): [أسمنة].
[ ١١٤ ]
الإبل وأليات الغنم؟ فقال: "ما أبين من البهيمة وهي حيَّة فهو ميت" (١)
_________________
(١) صحيح لغيره: أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٢١٨)، والترمذي (١٤٨٠)، وأبو داود (٢٨٥٨)، وابن الجارود (٨٧٦)، وابن المنذر في "الأوسط" (٨٥٩)، والحاكم (٤/ ١٣٧)، والدارقطني في "سننه" (٤/ ٢٩٢)، والبغوي في حديث ابن الجعد (٢٩٥٢)، ومن طريقه أبو يعلى في "مسنده" (١٤٥٠) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن زيد بن أسلم عن أبي واقد الليثي مرفوعًا؛ قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث زيد بن أسلم، والعمل على هذا عند أهل العلم، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقد اختُلِف فيه على زيد بن أسلم: فقد أخرجه ابن ماجه (٣٢١٦)، والدارقطني في سننه (٤/ ٢٩٢) من طريق معن بن عيسى عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن ابن عمر مرفوعًا. وأخرجه عبد الرزاق (٤/ ٤٩٤) عن معمر عن زيد بن أسلم مرسلًا به. وأخرجه الحاكم (٤/ ١٣٨) من طريق مسور بن الصلت وسليمان بن بلال عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا. وفي العلل الكبير للترمذي (٤٣٧): سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقلت له: أترى الحديث محفوظًا؟ قال: نعم، قلت له: عطاء بن يسار أدرك أبا واقد؟ فقال: ينبغي أن يكون إدركه، عطاء بن يسار قديم". اهـ. قلت: لكن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، فالظاهر أن الحديث غير محفوظ عن أبي واقد، أما طريق ابن عمر: فإن هشام بن سعد فيه ضعف، لكن الآجرى قال عن أبي داود: هو أثبت الناس في زيد بن أسلم، ومعن بن عيسى ثقة ثبت، أما شيخه هنا: يعقوب بن حميد بن كاسب -الذي هو شيخ ابن ماجه- فإنه مختلف فيه، لكن تابعه اثنان: حميد بن الربيع عند الدارقطني، وموسى بن هارون عند الحاكم؛ ولذا فإن الظاهر أن الحديث محفوظ من حديث ابن عمر، حيث إن هشامًا أثبت في زيد من معمر، وهذا بخلاف ما رجحة الدارقطني في
[ ١١٥ ]
رواه أبو داود وغيره، وهذا متفق عليه بين العلماء، فلو كان حكم الشعر حكم السنام والألية لما جاز قطعه في حال الحياة، فلما اتفق العلماء على أن الشعر والصوف إذا جُّزَّ من الحيوان كان طاهرًا حلالًا، علم أنه ليس مثل اللحم.
وأيضًا: فقد ثبت أن النبي - ﷺ - أعطى شعره لما حلق رأسه المسلمين (١)؛ وكان النبي - ﷺ - يستنجي ويستجمر، فمَن سَوى بين الشعر والبول والعذرة، فقد أخطأ خطأ بينًا.
وأما العظام ونحوها؛ فإذا قيل: هي داخلة في الميتة لأنها تحس وتألم، قيل لمن قال ذلك: أنتم لم تأخذوا بعموم اللفظ، فإن ما لا نفس له سائله، كالذباب والعقرب والخنفساء لا ينجس عندكم، وعند جمهور العلماء، مع أنها ميتة موتًا حيوانيًا، وقد ثبت في
_________________
(١) "علله" (٦/ ٢٩٧) حيث قال: "والمرسل أشبه". وله شاهد من حديث تميم الداري أخرجه ابن ماجه (٣٢١٧)، والطبراني في "الأوسط" (٣٠٩٩)، و"الكبير" (٢/ ٥٧) من طريق أبي بكر الهذلي عن شهر بن حوشب عن تميم الداري موفوعًا بلفظ: "يكون في آخر الزمان قوم يجبون أسنمة الإبل ويقطعون أذناب الغنم، ألا فما قُطِع من حي فهو ميت" -لفظ ابن ماجه-، قال البوصيري في مصباح الزجاجة (٧٠١١): "هذا إسناد ضعيف؛ لضعف أبي بكر الهذلي السلمي". وأخرجه بنحوه عبد الرزاق في المصنف (٨٦١٢) عن ابن مجاهد عن أبيه مرسلًا. وابن مجاهد اسمه: عبد الوهاب وهو متروك. والحديث صححه العلامة الألباني ﵀ في "صحيح الجامع" (٥٦٥٢).
(٢) جاء في صحيح البخاري (١٧١) من حديث أنس أن رسول الله - ﷺ - لما حلق رأسه، كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره.
[ ١١٦ ]
الصحيح أن النبي - ﷺ - قال: "إذا وقع اللباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء" (١)، ومن نجس هذا قال في أحد القولين: إنه لا ينجس المائعات الواقعة فيها، لهذا الحديث.
وإذا كان كذلك عُلِم أن علة نجاسة الميتة إنما هو احتباس الدم فيها، فما لا نفس له سائلة ليس فيه دم سائل، فإذا مات لم يحبس فيه دمٌ سائل، وما لا يحتبس فيه دمٌ سائل فلا ينجس، فالعظم أو نحوه أولى بعدم التنجيس من هذا، فإن العظم ليس فيه دم سائل، ولا كان متحركًا بالإرادة إلا على وجه التبع، فإذا كان الحيوان الكامل الحساس المتحرك بالإرادة لا ينجس لكونه ليس فيه دم سائل، فكيف ينجس العظم الذي ليس فيه دم سائل.
ومما يبين صحة قول الجمهور: أن الله سبحانه إنما حرَّم علينا الدم المسفوح، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فإذا عُفيَ عن الدم غير المسفوح، مع أن جنس الدم خبيث، علم أن الله سبحانه فرَّق بين الدم [المصروف] (٢) الذي [يسيل] (٣)، وبين غيره.
ولهذا كان المسلمون يضعون اللحم في المرق وخطوط الدم
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٢٠) من حديث أبي هريرة.
(٢) في (د): [الصرف]؛ وسقطت من (ف).
(٣) في (خ): [سيل].
[ ١١٧ ]
في القدور بَيِّنه، ويأكلون ذلك على عهد رسول الله - ﷺ -، كما أخبرت بذلك عائشة، ولولا هذا لاستخرجوا الدم من العروق، كما يفعل اليهود، والله تعالى حرَّم ما مات حتف أنفه، أو بسبب غير جارح محدد، فحرم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة؛ وحرَّم النبي ما صيد بعرض المعراض، وقال: "إنه وقيذ" (١)، دون ما صيد بحده؛ والفرق بينهما إنما هو سفح الدم؛ فيدل على أن سبب التنجيس هو احتقان الدم واحتباسه وإذا سفح بوجه خبيث، بأن ذكر عليه غير اسم الله، كان الخُبْثُ هنا من جهة أخرى؛ فإن التحريم يكون تارة لوجود الدم، وتارة لفساد التذكية، كذكاة المجوس والمرتد، والذكاة في غير المحل.
وإذا كان كذلك فالعظم والقرن والظفر والظِّلْف ونحو ذلك، ليس فيه دم مسفوح، فلا وجه لتنجيسه.
وهذا قول جمهور السلف، قال الزهري: كان خيار هذه الأمة يمتشطون بأمشاط من عظام الفيل (٢)؛ وقد رُويَ في العاج حديث معروف، لكن فيه نظر ليس هذا موضعه، فإنا لا نحتاج إلى الاستدلال بذلك.
وأيضًا: فقد ثبت في الصحيح عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال -في شاة
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠٥٤)، ومسلم (١٩٢٩) من حديث عدي بن حاتم.
(٢) علَّقه البخاري في "صحيحه" (كتاب: الوضوء، باب: ما يقع من النجاسات في السمن والماء)، وانظر "تغليق التعليق" للحافظ (٢/ ١٤) ٢.
[ ١١٨ ]
ميمونة-: "هلَّا أخذتم إهابها فانتفعتم به؟ " فقالوا: إنها ميتة، فقال: "إنما حَرُم أكلها (١) " وليس في صحيح البخاري ذكر الدباغ، ولم يذكره عامة أصحاب الزهري عنه، ولكن ذكره ابن عيينة عنه، ورواه مسلم في صحيحه، وقد طعن الإمام أحمد في ذلك، وأشار إلى غلط ابن عيينة فيه، وذكر أن الزهري وغيره، كانوا يبيحون الانتفاع بجلود الميتة بلا دباغ؛ لأجل هذا الحديث.
وحينئذ فهذا النص يقتضي جواز الانتفاع بالعظام، وغيرها بطريق الأولى، لكن إذا قيل: إن رسول الله - ﷺ - بعد ذلك حرم الانتفاع بالجلود حتى تدبغ (٢)، أو قيل: إنها لا تطهر بالدباغ، لم يلزم تحريم
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٦٣) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) صحيح لغيره: أخرجه النسائي في "المجتبى" (٤٢٤٤)، وابن حبان (١٢٩٠)، والطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ٤٧٠)، وابن عبد البر في "التمهيد" (٤/ ١٥٨)، وابن المنذر في "الأوسط" (٨٤٠) (٢/ ٢٦٢) من طريق شريك عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن الأسود عن عائشة مرفوعًا بلفظ: "دباغ جلود الميتة طهورها". وهذا إسناد ضعيف، حيث إن شريكًا ضعيف لسوء حفظه. وله شاهد: أخرجه أبو داود (٤١٢٥)، وأحمد (٣/ ٤٧٦)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١٠٦٤)، والطبراني في "الكبير" (٧/ ٤٦)، وابن حبان (٤٥٢٢)، والحاكم (٤/ ١٥٧)، والنسائي في "المجتبى" (٤٢٤٣)، وابن أبي شيبة (٥/ ١٦٣) والطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ٤٧١)، وابن شاهين في "ناسخ الحديث ومنسوخه" (١٦٦)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ٧١)، وابن عدي (٢/ ١٧٨) من طرق عن قتادة عن الحسن عن جَوْن بن قتادة عن سلمة بن المحبق مرفوعًا بلفظ: أن النبي - ﷺ - في غزوة
[ ١١٩ ]
العظام ونحوها، لأن الجلد جزء من الميتة فيه الدم، كما في سائر أجزائها؛ والنبي - ﷺ - جعل دباغة ذكاته، لأن الدباغ ينشف رطوباته، فدل ذلك على أن سبب التنجيس هو الرطوبات، والعظم ليس فيه رطوبة سائلة؛ وما كان فيه منها فإنه يجف وييبس، وهو يبقى ويحفظ أعظم من الجلد، فهو أولى بالطهارة من الجلد.
والعلماء تنازعوا في الدباغ، هل يطهر؟ فمذهب مالك وأحمد في المشهور عنهما: أنه لا يطهر؛ ومذهب أبي حنيفة والشافعي
_________________
(١) تبوك دعى بماء من عند امرأة فقالت: ما عندي إلا قربة لي من ميتة، قال: "أليس قد دبغتها"، قالت: بلى، قال: "فإن دباغها ذكاتها". وهذا إسناد ضعيف فيه علتان: الأولى: عنعنة الحسن وهو مدلس، الثانية: جون بن قتادة،، قال ابن المديني: جون معروف فلم يرو عنه غير الحسن، إلا أنه معروف. وقد ذكره في موضع آخر في المجهولين من شيوخ الحسن؛ وقال أحمد: لا يُعرف، وذكره البخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ٢٥٢) وقال: "سمع منه الحسن يعد في البصريين". وذكره البرديجي في "الأسماء المفردة (١٦٤)، وابن حبان في "الثقات" (٤/ ١١٩)، وقيل له: صحبة، ونفاها البغوي وابن مندة، وأقرهما الحافظ. وقال الحافظ في "التهذيب" (١/ ٣٩٧) في ترجمة جون: "واختلف على هشيم في حديثه عن منصور بن زاذان عن الحسن عن جون بن قتادة، فقيل: عن النبي - ﷺ -، وقيل: عن جون بن قتادة عن سلمة بن المحبق وهو الصحيح". أهـ وصحح إسناد الحديث الحافظ في "التلخيص" (١/ ٤٩) وهذا غير سديد للعلتين المذكورتين. لكن يشهد لحديث عائشة وحديث سلمة: حديث ابن عباس في صحيح مسلم. ولهما شاهد أيضًا بإسناد ضعيف من حديث أنس، أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٧/ ٤١٢٩)، (١/ ٣٧٦ المطالب العالية).
[ ١٢٠ ]
والجمهور: أنه يطهر؛ وإلى هذا القول رجع أحمد، كما ذكر ذلك أحمد ابن [الحسين] (١) الترمذي عنه.
وحديث ابن عكيم يدل على أن النبي - ﷺ - نهاهم أن ينتفعوا من الميتة بإهاب أو عصب (٢)؛ بعد أن كان أذن لهم في ذلك؛ لكن هذا
_________________
(١) في (ف): [الحسن].
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٤١٢٧)، وابن حبان (١٢٧٧، ١٢٧٨)، والترمذي (١٧٢٩)، والبيهقي في "الكبرى" (١/ ١٤)، والنسائي في "المجتبى" (٤٢٤٩)، وابن ماجه (٣٦١٣)، وابن أبي شيبة (٥/ ٢٠٦)، والطحاوي في "شرح المعاني " (١/ ٤٦٨)، والطبراني في "الأوسط" (١/ ٢٥١، ٢/ ٣٢١، ٣/ ٤٠، ٦/ ٣٠٩، ومواضع أخرى)، وأحمد (٤/ ٣١٠، ٣١١)، والإسمعيلي في "معجم شيوخه" ١/ ٣٤٩، وعبد بن حميد (٤٤٨)، وابن شاهين في "ناسخ الحديث" (١٥٣)، والمحاميلي في "أماليه" (٧٨)، وابن الجوزي في "التحقيق" (١/ ٨٤)، والحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ٨٦)، وابن حزم في "المحلي" (١/ ١٢١)، وابن المنذر في "الأوسط" (٢/ ٢٦٣) من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم مرفوعًا، مرة يقول: قرئ علينا كتاب رسول الله - ﷺ - ونحن بأرض جهينة ، ومرة يقول: جاءنا كتاب رسول الله - ﷺ - قبل موته بشهرين وذكره. وإسناده صحيح. قال أبو داود: فإذا دبغ لا يُقال له إهاب، إنما يسمى شنًّا وقربة، قال النضر بن شميل: يسمى إهابًا ما لم يُدبغ؛ وقال ابن حبان في "صحيحه" (٤/ ٩٦): "ومعنى خبر عبد الله بن عكيم: "أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب"، يريد به قبل الدباغ، والدليل على صحته قوله - ﷺ -: "أيما إهاب دبغ فقد طهر". أهـ، وهكذا تأوله الطحاوي، وابن شاهين، وغيرهما من أهل العلم.
[ ١٢١ ]
قد يكون قبل الدباغ، فيكون قد رخص فيه، فإن حديث الزهري
_________________
(١) وشكك آخرون في صحة الحديث مثل ابن معين والإمام أحمد، ففي "تاريخ ابن معين" (رواية الدوري) (٣/ ٢٥٠): "قيل ليحيى: أيما أعجب إليك من هذين الحديثين: "لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب" أو هذا الحديث: "دباغها طهورها"، فقال: "دباغها طهورها" أعجب إليَّ". اهـ، وفي "الجامع" للترمذي (٤/ ٢٢٢): "قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، ويروى عن عبد الله بن عكيم عن أشياخ لهم هذا الحديث وليس العمل على هذا عند أهل العلم قال: وسمعت أحمد بن الحسن يقول: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه: قبل وفاته بشهرين، وكان يقول: كان هذا آخر أمر النبي - ﷺ - ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده حيث روى بعضهم فقال: عن عبد الله بن عكيم عن أشياخ لهم من جهنية". اهـ. وأخرج رشيد الدين العطار بإسناده في "غرر الفوائد المجموعة" (٢/ ٧٦٢) عن زكريا الساجي قال: حدثني جماعة من أصحابنا أن إسحق ابن راهويه ناظر الشافعي، وأحمد بن حنبل حاضر في جلود الميتة إذا دبغت، فقال الشافعي: دباغها طهورها، فقال إسحق: ما الدليل؟ فقال: حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس عن ميمونة أن النبي - ﷺ - مر بشاة ميتة، فقال: "هلا انتفعتم بجلدها"، فقال إسحق: حديث ابن عُكيم: "كتب إلينا النبي - ﷺ - قبل موته بشهر: "، أشبه أن يكون ناسخًا لحديث ميمونة؛ لأنه قبل موته بشهر، فقال الشافعي: هذا كتاب وذاك سماع، فقال إسحق: إن النبي - ﷺ - كتب إلى كسرى وقيصر، وكان حجة عليهم عند الله، فسكت الشافعي، فلما سمع ذلك أحمد بن حنبل ذهب إلى حديث ابن عكيم وأفتى به، ورجع إسحق إلى حديث الشافعي فأفتى به أي -بحديث ميمونة-". اهـ قال أبو عبيدة مشهور بن حسن -حفظه الله- في تعليقه على الغرر: "ويقال: إن كلام الشافعي في ترجيح السماع لا في إبطال الاستدلال بالكتاب".
[ ١٢٢ ]
الصحيح: يبين أنه كان قد رخص في جلود الميتة قبل الدباغ، فيكون قد رخص لهم في ذلك، ثم لما نهي عن الانتفاع بها قبل الدباغ نهاهم عن ذلك؛ ولهذا قالت طائفه من أهل اللغه: إِن الإهاب اسم لما لم يدبغ (١)، ولهذا قرن معه العصب، والعصب لا يدبغ (٢).
_________________
(١) قال عبد الرحمن بن محمد شيخي زاده في "مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر" (١/ ٣٢): وكلُّ إهاب: وهو الجلد الذي لم يُدبغ، ويتناول ذلك بعمومه ما يُؤكل وما لا يُؤكل". اهـ. وقال الجصاص في "أحكام القرآن" (١/ ١٦٥): "وأما جلد الكلب فيلحقه الدباغ ويَطهرُ إذا كان ميتة، لقوله لله: "أيما إهاب دبغ فقط طَهُر"، وقال: "دباغ الأديم ذكاته"، ولم يفوق بين الكلب وغيره؛ ولأنه تلحقه الذكاة عندنا لو ذُبح لكان طاهرًا، فإن قيل: إذا كان نجسًا في حال الحياة، كيف يًطهر بالدباغ؟ قيل له: كما يكون جلد الميتة نجسًا، ويطهره الدباغ؛ لأن الدباغ ذكاته كالذبح". أهـ، قلت: وذهب الباجي في "المنتقي شرح الموطأ" (٣/ ١٣٥) إلى أن الدباغ يطهر جلد الميتة طهارة مخصوصة بمعنى التنظيف وإباحة الاستعمال، وإن لم ترفع حكم موجب الطهارة، وقال: "يدل على ذلك أن التيمم قد سُميَ في الشرع طهارة وسُميَ التراب طهورًا، كما يُسمى الماء، وإن كان لا يدفع حكم موجبه وهو الحدث، وإنما تستباح به الصلاة فكذلك في مسألتنا مثله". اهـ قلت: وفيما قاله نظر؛ لأنه قياس مع الفارق، كذا هو مخالف لمنطوق حديث: "إذا دبغ الإهاب فقد طهرُ".
(٢) "الفتاوى" (٢١/ ٩٧ إلى ١٠٢).
[ ١٢٣ ]