(فصل)
وأما معاملة [التتر] (١):
فيجوز فيها ما يجوز في معاملة أمثالهم، ويحرم فيها ما يحرم في معاملة أمثالهم، فيجوز أن يبتاع الرجل عن مواشيهم وخيلهم ونحو ذلك، كما يبتاع من مواشي الأعراب والتركمان والأكراد وخيلهم، ويجوز أن يبيعهم من الطعام والثياب ونحو ذلك ما يبيعه لأمثالهم.
فأما إن باعهم أو باع غيرهم ما يعينهم به على المحرمات كبيع الخيل والسلاح لمن يقاتل به قتالًا محرمًا، فهذا لا يجوز، قال الله -﷿- ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]، وفي السنن عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: إنه لعن في الخمر عشرة لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها" (٢)، وقد لعن العاصر، وهو إنما
_________________
(١) في (ف): [التتار].
(٢) حسن لشواهده: أخرجه الترمذي (١٢٩٥)، وابن ماجه (٣٣٨١)، والطبراني في "الأوسط" (٣/ ٩٣) من طريق أبي عاصم عن شبيب بن بشر عن أنس مرفوعًا. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب من حدث أنس، قلت: أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد، وشبيب وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لين الحديث حديثه حديث الشيوخ، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: يخطئ كثيرًا، ولخص الحافظ هذه، الأقوال فقال: صدوق يخطئ، وهو كما قال، لذا فهذا إسناد ضعيف.
[ ٢٥١ ]
يعصر عنبًا يصير عصيرًا، والعصير يمكن أن يُتَخَذَ خَلَّا وَدِبْسًا وغير ذلك، لكن لما علم قصده من العصير: أنه يتخذه خمرًا، وأعانه على ذلك، لعنه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على ذلك.
وإن كان الذي معهم أو مع غيرهم أموال يعرف أنهم غصبوها من معصوم، فتلك لا يجوز اشتراؤها لمن يتملكها، لكن إذا اشتريت على طريق الاستنقاذ؛ لتصرف في مصارفها الشرعية، فتعاد إلى أصحابها إن أمكن، وإلا صرفت في مصالح المسلمين، جاز هذا.
وإذا علم أن في أموالهم شيئًا محرمًا لا تعرف عينه، فهذا لا تحرم معاملتهم فيه، كما إذا علم أن في الأسواق ما هو مغصوب أو مسروق، ولم يعلم عينه، والحرام إذا اختلط بالحلال فهذا نوعان:
أحدهما: أن يكون مُحَرَّمًا لعينه: كالميتة والأخت من الرضاعة، فهذا إذا اشتبه بما لم يحصر لم يحرم، مثل أن يعلم أن في البلد الفلانية أختًا له من الرضاعة، لا يعلم عينها، أو فيها من يبيع ميتة، لا يعلم عينها فهذا لا يحرم عليه النساء ولا اللحم، وأما إذا اشتبهت أخته بأجنبية أو المَذكَّى بالميت، فإنه يجتنبهما.
والثاني: ما حرم لصفته كالمأخوذ غصبًا، والمقبوض بعقود محرمة كالربا والميسر، فهذا إذا اختلط أو اشتبه بغيره، لم يحرم
_________________
(١) لكن للحديث شواهد يُحسن لها، قال أبو عيسى: وقد روي نحو هذا عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر عن النبي - ﷺ -. اهـ. وقد صححه العلامة الألباني -﵀- في "صحيح الجامع" (٧٢، ١٨٠٢، ٥٠٩١).
[ ٢٥٢ ]
الجميع، بل يميز قدر هذا من [قدر] (١) هذا، فيصرف هذا إلى مستحقه، [وهذا إلى مستحقه،] (٢) [مثل اللص الذي أخذ أموال الناس فخلطها، أو أخذ (٣) حنطة الناس أو دقيقهم فخلطه، فإنه يقسم بينهم على قدر الحقوق، وإذا علم أن في البلد من هذا شيء لم يعلم عينه، لم يحرم على الناس الشراء من ذلك البلد.
لكن إذا كان أكثر مال الرجل حرامًا، فهل تكره معاملته، أو تحرم؟ على وجهين.
وإن كان الغالب على ماله الحلال، لم تحرم معاملته، لكن قد قيل: إنه [من المشتبهات التي يستحب تركها] (٤).
والله -﷿- أعلم.
[كمُلت والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين] (٥).
وكان الفراغ من نسخها يوم الجمعة من عشرين خلت من شهر جمادى الأول، سنة أربعين وسبعمائة.
_________________
(١) سقطت من (د).
(٢) سقطت من (د).
(٣) في (د): [مثل الذي يأكل أموال الناس بخلطها، أو بأخذ].
(٤) في (خ): [من السنة التي يستحب تركه]، وفي (ف): [إنه من المشتبه الذي يستحب تركه]، وانظر "الفتاوى" (٢٩/ ٢٧٥ إلى ٢٧٧).
(٥) في (د): [والحمد لله على ذلك، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله أجمعين].
[ ٢٥٣ ]