(فصل)
وأما إذا كان بالقرية أقل من أربعين رجلًا، فإنهم يصلون ظهرًا عند أكثر العلماء، كالشافعي وأحمد في المشهور عنه وكذلك أبو حنيفة لكنه يشترط المصر، لكن الشافعي وأحمد وأكثر العلماء يقولون: إن كانوا أربعين صلوا جمعة (١).
_________________
(١) قال الشيخ محمد حامد الفقي -﵀-: "قد حقق شيخ الإسلام في الفتاوى وغيره من علماء السلف: أن اشتراط الأربعين والمصر، وغيرهما للجمعة ليس له دليل من كتاب ولا سنة صريحة، والجمعة كغيرها من الصلوات، لا تزيد إلا اشتراط الجماعة والخطبة". أهـ. وقال السيوطي في جزء له بعنوان: "ضوء الشمعة في عدد الجمعة" (ص ١٦٠) (مجموعة رسائل السيوطي - مكتبة التراث): "اختلف علماء الإسلام في العدد الذي تنعقد به الجمعة على أربعة عشر قولًا، بعد إجماعهم على أنه لا بد من عدد، وإن نقل ابن حزم عن بعض العلماء أنها بواحد، وحكاه الدارمي عن القاشاني، فقد قال في "شرح المهذب": إن القاشاني لا يُعتد به في الإجماع"، ثم أخذ يعدد الأقوال، ويذكر أدلة كل فريق، ثم نصر قول القائل بأنها تنعقد باثنين فأكثر، فقال: "وأما الذي قال باثنين، فإنه رأى العمد واجبًا للحديث والإجماع، ورأى أنه لم يثبت دليل في اشتراط عدد مخصوص، ورأى أن أقل العدد اثنان، فقال به قياسًا على الجماعة، وهذا في الواقع دليل قوي لا ينقضه إلا نص صريح من رسول الله - ﷺ - بأن الجمعة لا تنعقد إلا بكذا، أو بذكر عدد معين، وهذا شيء لا سبيل إلى وجوده". وقال الصنعاني في جزء له مخطوط بعنوان: "اللمعة بتحقيق شرائط الجمعة" (لوحة ٤٥ - مصورتي وهو ضمن مجموع): "وأقل الجماعة اثنان، لحديث "اثنان فما فوقهما جماعة"، وأخرجه ابن ماجه
[ ١٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وابن عدي من حديث أبي موسى، وأخرجه أحمد والطبراني في الكبير وابن عدي من حديث أبي أمامة وترجم به البخاري في صحيحه، وقد قواه السيوطي -﵀- في رسالته التي أشرنا إليها سابقًا -أي رسالة ضوء الشمعة-"، ثم نقل الصنعاني كلام السيوطي -السابق ذكره- في ترجيحه عدد الإثنين؛ وقد ضعف العلامة الألباني -﵀- حديث:"اثنان فما فوقهما جماعة"، كما في "الإرواء" (٤٨٩)، و"تمام المنة" (ص ٣٣١). وقد اختار شيخ الإسلام -﵀- في الاختيارات (ص ٧٩) أن الجمعة لا تنعقد إلا بثلاثة، واحد يخطب واثنان يستمعان، وهو ما قواه العلامة ابن عثيمين -﵀- كما في "الشرح الممتع" (٥/ ٥٣).
[ ١٨٣ ]
[مسألة] (١)
وأما الجماعة فقد قيل: إنها سنة، وقيل: واجبة على الكفاية، وقيل: إنها [واجبة] (٢) على الأعيان.
وهذا الذي يدل عليه الكتاب والسنة، فإن الله تعالى أمر بها في حال الخوف، ففي حال الأمن أولى وأوكد.
وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وهذا أمر بها.
وأيضًا فقد ثبت في الصحيح: أن ابن أم مكتوم سأل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرخص له أن يصلى في بيته، فقال: "هل تسمع النداء؟ "، قال: نعم. فقال له النبي - ﷺ -: "ما أجد لك رخصة" (٣)، وابن أم مكتوم كان رجلًا صالحًا، فيه نزل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ [عبس: ١ - ٢] وكان من المهاجرين، ولم يكن في المهاجرين من يتخلف عنها إلا منافق، فعلم أن لا رخصة لمؤمن في تركها.
وأيضًا فقد ثبت في الصحاح: أن النبي صلى الله تعالى عليه
_________________
(١) في (د): [فصل].
(٢) سقطت من (د)؛ وهي ثابتة في (خ، ف).
(٣) أخرجه مسلم (٦٥٣) عن حديث أبي هريرة بنحوه، وأخرجه أبو داود (٥٥٢)، وابن ماجه (٧٩٢)، وأحمد (٣/ ٤٢٣)، وعبد بن حميد (٤٩٥)، والحاكم (١/ ٣٧٥) من طريق عاصم بن بهدلة عن أبي رزين عن ابن أم مكتوم مرفوعًا.
[ ١٨٤ ]
وسلم قال: "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر وجلًا يصلي بالناس، ثم أنطلق، ومعي رجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرِّق عليهم بيوتهم بالنار" (١)، وفي رواية: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية" (٢)، فبين أنه إنما يمنعه من تحريق المتخلفين عن الجماعة ما في بيوتهم من النساء والأطفال، فإن تعذيب أولئك لا يجوز: لأنه لا جماعة عليهم.
ومن قال: إن هذا كان في الجمعة، أو كان لأجل نفاقهم؛ فقوله ضعيف؛ فإن المنافقين لم يكن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقتلهم على النفاق، بل لا يعاقبهم إلا بذنب ظاهر.
فلولا أن التخلف عن الجماعة ذنب يستحق صاحبه العقاب لما عاقبهم، والحديث قد بيَّن فيه التخلف عن صلاة العشاء والفجر.
وقد تقدم حديث ابن أم مكتوم، وأنه لم يرخص له في التخلف عن الجماعة.
[وأيضًا فإن الجماعة يترك لها أكثر واجبات الصلاة في صلاة الخوف وغيرها، فلولا وجوبها لم يؤمر بترك بعض الواجبات؛ لأنه لا يؤمر بترك الواجبات لما ليس بواجب] (٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٦٥١) من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرج هذه الرواية أحمد (٢/ ٣٦٧)، وفي إسنادها: أبو معشر، وهو ضعيف.
(٣) ليست في (خ)؛ وهذه المسألة مذكررة في "الفتاوى" (٢٣/ ٢٣٩، ٢٤٠).
[ ١٨٥ ]