(فصل)
وأما إذا كان [للرجل عند غيره] (١) حقٌّ من عين أو دين، فهل يأخذه أو نظيره بغير إذنه؟ فهذا فيه نوعان.
أحدهما: أن يكون سبب الاستحقاق ظاهرًا لا يحتاج إلى إثبات، مثل استحقاق المرأة النفقة على زوجها، واستحقاق الولد أن ينفق عليه والده، واستحقاق الضيف الضيافة على من نزل به، فهنا له أن يأخذ بدون إذن من عليه الحق بلا ريب، لما ثبت في الصحيحين: أن هند بنت عتبة بن [ربيعة] (٢) قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح وذو مال، وأنه لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وبُنيَّ، فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٣)، فأذن لها أن تأخذ نفقتها من ماله بالمعروف بدون إذنه.
وهكذا من علم أنه غصب من ماله غصبًا ظاهرًا يعرفه الناس، [فأخذ عين] (٤) المغصوب أو نظيره من مال الغاصب.
وكذلك لو كان له دَيْن عند [الحاكم،] (٥) وهو يمطله فأخذ من ماله بقدره ونحو ذلك.
_________________
(١) هكذا في (خ)، وفي (د): [الرجل له عند غيره]، وفي (ف): [لرجلٍ عند غيره].
(٢) في (خ): [زمعة].
(٣) أخرجه البخاري (٥٣٦٤)، ومسلم (١٧١٤).
(٤) في (خ): [فأخذه]، وقد سقطت كلمة [عين] من (ف).
(٥) هكذا في (خ، ف)، وفي (د): [أحد الحكام].
[ ٢٢٣ ]
والثاني: لا يكون السبب ظاهر الاستحقاق، مثل أن يكون قد جحد دَيْنَه أو جحد الغصب، ولا بينة للمدعي، فهذا فيه قولان: أحدهما: ليس له أن يأخذ، وهو قول مالك وأحمد.
والثانى: له أن يأخذ، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة -رحمهما الله تعالى-، فيسوغ عندهما الأخذ من جنس الحق، لأنه استيفاء، ولا يسوغ الأخذ من غير الجنس، لأنه معاوضة، فلا يجوز إلا برضا الغريم.
والمجوزون يقولون: إذا امتنع من أداء الواجبات عليه ثبتت المعاوضة بدون إذنه للحاجة، لكن من منع الأخذ مع عدم ظهور الحق استدل بما في السنن عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: "أد الأمانة إلى من أئتمنك، ولا تخن من خانك" (١).
_________________
(١) حسن لشواهده: أخرجه الترمذي (١٢٦٤)، والدارمي (٢٥٩٧)، وأبو داود (٣٥٣٥)، والحاكم (٢/ ٥٣)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٧٤٢)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ٣٦٠) كلهم من طريق طلق بن غنام عن شريك وقيس عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا. قال ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٣٧٥): سمعت أبي يقول: طلق بن غنام هو ابن عم حفص بن غياث وهو كاتب حفص بن غياث روى حديثًا منكرًا عن شريك وقيس وذكره". اهـ. قلت: قيس بن الربيع: صدوق تغير لما كبر أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به، وأما شريك فقد تغير حفظه لما تولى القضاء، وسماع الكوفيين المتقدمين منه جيد، لذا جاء في "نصب الراية" (٤/ ١١٩): "قال ابن القطان: والمانع من تصحيحه أن شريكًا وقيس بن الربيع مختلف فيهما". اهـ.
[ ٢٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وأبو حصين هو عثمان بن عاصم: ثقة، وللحديث شواهد: الأول: ما أخرجه أبو داود (٣٥٣٤) بإسناد صحيح عن يوسف بن ماهك عن رجل عن أبيه مرفوعًا، ويوسف ثقة، إلا أن إسناده ضعيف؛ لإبهام التابعي. وقد أخرجه أيضًا أحمد (٣/ ٤١٤)، والدارقطني (٣/ ٣٥). قلت: هذا شاهد قوي. الثاني: أخرجه الدارقطني (٣/ ٣٥)، والطبراني في "الصغير" (٤٧٥)، و"الكبير" (١/ ٢٦١)، و"مسند الشاميين" (١٢٨٤)، والببهقي (١٠/ ٢٧١)، وابن عدى (١/ ٣٦٢)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ٥٩٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ١٣٢) من طريق أيوب بن سويد عن ابن شوذب عن أبي التياح عن أنس مرفوعًا، قال ابن عدي: "هو منكر بهذا الإسناد". قلت: أيوب بن سويد ضعفه أحمد وأبو داود، ولينه أبو حاتم، وترك ابن المبارك حديثه، وزعم ابن حبان أن رواية غير ابنه عنه مستقيمة، ورد ذلك الحافظ لما أورده ابن عدي في ترجمته من مناكير في غير رواية ابنه عنه، وقال ابن معين: ليس بشيء، يسرق الأحاديث. الثالث: ما أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٥٣٩) بإسناد صحيح عن الحسن مرسلًا. الرابع: أخرجه البيهقي في "الكبرى" (١٠/ ٢٧١) من طريق أبي حفص الدمشقي عن مكحول عن أبي أمامة مرفوعًا، قال: وهذا ضعيف؛ لأن مكحولًا لم يسمع من أبي أمامة شيئًا، وأبو حفص الدمشقي هذا مجهول". قلت: هذه الشواهد تكفي لتقوية الحديث، وفي "التلخيص الحبير" (٣/ ٩٧): "قال الشافعي: هذا الحديث ليس بثابت. وقال ابن الجوزي لا يصح من جميع طرقه. ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: هذا حديث باطل لا أعرفه من وجه يصح". اهـ. وقول الشافعي هذا في "الأم" (٥/ ١٠٤)، وفي "المدونة" (١٥/ ١٦٠)، احتجاج مالك به، وقد صححه ابن السكن كما في "التلخيص"، وكذا العلامة الألباني -﵀- في "صحيح الجامع" (٢٤٠)، وقول أحمد وابن الجوزي: يتنزل على مفردات الطرق، لا على مجموعها، وكذا قول الشافعي، ويحتمل أنه
[ ٢٢٥ ]
وفي المسند عن بشير بن الخصاصية أنه قال: يا رسول الله إن لنا جيرانًا لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها، فإذا قدرنا لهم على شيء أفناخذه؟ فقال: "لا، أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" (١).
وفي السنن عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: أنه قيل له: إن أهل الصدقة يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ قال: "لا" (٢)، رواه أبو. داود وغيره.
_________________
(١) لم يطلع على ما للحديث من شواهد؛ لأنه لو أطلع عليها لما وسعه إلا تقويته بها، وهذا بناء على ما قرره عن قواعد التقوية في "الرسالة".
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٨٣)، وانظر ما بعده، وليس فيه: أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك، فقد يكون شيخ الإسلام -﵀- قد زادها بالمعنى.
(٣) إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (٥/ ٨٣) (٢٠٨٠٥)، وأبو داود (١٥٨٧)، وعبد الرزاق (٤/ ١٥) من طريق معمر عن أيوب عن ديسم السدوسي عن بشير بن الخصاصية مرفوعًا، وقد خالف معمرًا: حماد بن زيد، فرواه عن أيوب به موقوفًا، قلت: حماد وأيوب كلاهما قد اشتهر عنهما أنهما أحيانًا يوقفان المرفوع ويرسلون المتصل توقيا وهيبة من رفع الحديث إلى النبي ﵌، فهذه قرينة تجعلنا نحكم لرواية معمر بأنها هي المحفوظة، وهناك قرينة أخرى، وهي أنه قد ثبت الرفع عن حماد أيضًا في رواية ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٣/ ٢٦٩)، إلا أنه رواه مقتصرًا على شطره الأول -والذي لم يذكره المصنف هنا- ألا وهو: عن بشير بن الخصاصية أنه أتى النبي - ﷺ - وما اسمه بشير فسماه رسول الله - ﷺ - بشيرًا. أما ديسم هذا فقد ذكره الذهبي في "الميزان" (٣/ ٤٦) وقال: "لايدرى من هو، يُعرف بحديثه عن بشير تفرد عنه أيوب". وقد ذكره ابن حبان في "الثقات"، فهو في حيز المجهولين.
[ ٢٢٦ ]
فهذه الأحاديث تبين أن [حق] (١) المظلوم في نفس الأمر إذا كان [سببه ليس ظاهرًا] (٢) [و] (٣) أخذه خيانة، لم يكن له ذلك، وإن كان هو يقصد أخذ نظير حقه [لكنه] (٤) خان الذي ائتمنه، فإنه لما سلم إليه ماله فأخذ بعضه بغير إذنه و[لا استحقاق ظاهر] (٥)، كان خائنًا، وإذا قال: أنا مستحق لما أخذته في نفس الأمر، لم يكن ما ادعاه ظاهرًا معلومًا، وصار كما لو تزوج امرأة فأنكرت نكاحه، ولا بينة له، فإذا قهرها على الوطء من غير حجة ظاهرة، فإنه ليس له ذلك، ولو قدر أن الحاكم حكم على رجل بطلاق امرأته لبينة أعتقد صدقها، فكانت كاذبة في الباطن، لم يكن له أن يَطأها لما هو الأمر عليه في الباطن.
فإن قيل: لا ريب أن هذا يُمنع منه ظاهرًا، وليس له أن يظهر ذلك أمام الناس؛ لأنهم مأمورون بإنكار ذلك؛ لأنه حرام في الظاهر، لكن الإنسان إذا كان يعلم ذلك سرًّا فيما بينه وبين الله تعالى، قيل: فعل ذلك سرًّا يقتضي مفاسد كثيرة، [منهيٌّ] (٦) عنها، فإن [فعل] (٧) ذلك في مظنة الظهور والشهرة، وأن يتشبه به من ليس
_________________
(١) سقطت من (خ، د).
(٢) في (د): [ظاهر]، وفي (خ): [ظاهرًا].
(٣) سقطت من (خ، د).
(٤) في (خ): [لكن]، وفي (د): [لكونه].
(٥) في (خ): [الاستحقاق ظاهرٍ، وفي (ف): [الاستحقاق ليس ظاهرًا].
(٦) في (د): [نهينا].
(٧) سقطت من (د).
[ ٢٢٧ ]
حاله كحاله في الباطن، وقد يظن الإنسان خفاء ذلك، فيظهر، فيورث مفاسد كثيرة - ويفتح أيضًا باب التأويل.
وصار هذا كالمظلوم الذي لا يمكنه الانتصار إلا بالظلم، كالمقتص الذي لا يمكنه الاقتصاص إلا بعدوان، فإنه لا يجوز له الاقتصاص، وذلك أن نفس الخيانة محرمة الجنس، فلا يجوز استيفاء الحق بها، كما لو جرعه خمرًا، أو تلوط به أو شهد عليه بالزور، لم يكن له أن يفعل به ذلك، فإن هذا محرم الجنس، والخيانة من جنس الكذب.
فإن قيل: هذا ليس بخيانة بل هو استيفاء حق والنبي - ﷺ - نهى عن خيانة من خان، وهو أن تأخذ من ماله ما لا تستحق نظيره.
قيل: هذا ضعيف؛ لوجوه:
أحدها: أن الحديث فيه: أن قومًا لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها أفنأخذ من أموالهم بقدر ما يأخذون؟ فقال: "لا، أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" وكذلك قوله في حديث الزكاة: أفنكتم من أموالنا وبقدر ما يأخذون منا؟ فقال: "لا".
الثاني: أنه قال: "ولا تخن من خانك"، ولو أراد بالخيانة: الأخذ على طريق المقابلة لم يكن فرق بين من خانه ومن لم يخنه، وتحريم مثل هذا ظاهر، لا يحتاج إلى بيان ولا سؤال، وهو قوله: "ولا تخن من خانك"، فعلم منه أنه أراد: أنك لا تقابله على خيانته فتفعل به مثل ما فعل بك، فإذا أودع الرجل الرجل مالًا فخانه في بعضه، ثم أودع الأول نظيره ففعل به مثل ما فعل، فهذا هو المراد
[ ٢٢٨ ]
بقوله: "ولا تخن من خانك".
الثالث: أن كون هذه خيانة لا ريب فيه، وإنما الشأن في جوازه على وجه القصاص، فإن الأمور منها: ما يباح فيه القصاص كالفواحش والكذب ونحو ذلك، قال الله تعالى في الأول ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فأباح العقوبة والاعتداء بالمثل، فلما قال هنا: "ولا تخن من خانك" عُلِم أن هذا مما لا يُباح فيه العقوبة بالمثل (١).
_________________
(١) "الفتاوى" (٣٠/ ٣٧١ إلى ٣٧٥).
[ ٢٢٩ ]