(فصل)
وأما إذا اكترى أرضًا للزرع فأصابته آفة.
فهذه مسألة وضع الجوائح في الثمر، فإن اشترى ثمرًا [قد بدا صلاحه] (١) فأصابته جائحة أتلفته قبل كمال صلاحه، فإنه يتلف من ضمان البائع عند فقهاء المدينة: كمالك وغيره، وفقهاء الحديث: كأحمد وغيره، وهو قول معلَّق للشافعي، فإن الشافعي علَّق القول بصحة الحديث (٢).
_________________
(١) قال الشيخ الفقي -﵀-: " في الخطية: قبل بدو صلاحه"، يقصد: نسخته الخطية التي اعتمد عليها، أما في (نسختي الخطية ف)، جاءت العبارة كما هو مثبت أعلاه، وهو الصواب.
(٢) انظر "الأم" (٣/ ٥٨، ٥٩)، وقال ابن قدامة في "المغني" (٤/ ٨٦): "وإذا اشترى الثمرة دون الأصل، فتلفت بجائحة من السماء، رجع بها على البائع، الكلام في هذه المسألة من ثلاثة فصول: الفصل الأول: أن ما تهلكه الجائحة من الثمار من ضمان البائع، وبهذا قال أكثر أهل المدينة منهم: يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، وأبو عبيد، وجماعة من أهل الحديث، وبه قال الشافعي في القديم، وقال أبو حنيفة، والشافعي في الجديد: هو من ضمان المشتري، لما روي: أن امرأة أتت النبي - ﷺ - فقالت: إن ابني اشترى ثمرة من فلان، فأذهبتها الجائحة، فسألتُهُ أن يضعَ عنه، فتألي أن لا يفعل، فقال النبي - ﷺ -: "تألي فلان أن لا يفعل خيرًا" متفق عليه، ولو كان واجبًا لأجبره عليه، ولنا ما روى مسلم في صحيحه -وذكر حديثي جابر-"، ثم قال: "وهذا صريح في الحكم فلا يُعدل عنه، قال الشافعي: لم يثبت عندي أن رسول الله - ﷺ - أمر بوضع الجوائح، ولو ثبت لم أعدُهُ، ولو كت قائلًا بوضعها لوضعتها في القليل والكثير.
[ ٢٠٦ ]
والحديث قد ثبت في "صحيح مسلم" عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "إذا بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئًا، بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ " (١)، والاعتبار يؤيد هذا القول، فإن المبيع تلف قبل تمكن المشتري من قبضه، فأشبه ما لو تلفت منافع العين المؤجرة قبل التمكن من استيفائها.
فإذا قيل: هذه الثمرة تلفت بعد القبض، قيل: قبض الثمرة التي لم يكمل صلاحها من جنس قبض المنافع، فإن المقصود: إنما هو جذاذها بعد كمال الصلاح، ولهذا إذا شرط المشتري في قبضها [بعد كمال الصلاح] (٢) كانت من ضمانه.
وقد تنازع الفقهاء: هل يجوز له أن يبيعها قبل الجذاذ؟ على قولين: هما روايتان عن أحمد:
_________________
(١) قلنا: الحديث ثابت، رواه الأئمة". اهـ. وانظر "إعلام الموقعين" (٢/ ٢٥٧، ٢٥٨)، (٤/ ١٢٤)، و"القواعد" لابن رجب (ص ١٥٧)، و"الإنصاف" (٥/ ٧٤، ٧٥)، و"شرح ميارة" (١/ ٣٠٤)، و"شرح مختصر خليل" للخرشي (٥/ ١٩٠، ١٩١)، و"حاشية الجمل" (٣/ ٢٠٥، ٢٠٦)، و"التجريد لنفع العبيد" (٢/ ٣٠٧، ٣٠٨)، و"حاشية الدسوقي" (٣/ ١٨٢، ١٨٣)، و"بلغة السالك" (٣/ ٢٤١، ٢٤٢).
(٢) أخرجه مسلم (١٥٥٤) من حديث جابر، وجاء في حديث آخر أخرجه مسلم أيضًا من حديث جابر: أن النبي - ﷺ - أمر بوضع الجوائح.
(٣) قال الشيخ الفقي -﵀-: "في الخطية: قبل كمال الصلاح"، وما أثبته هو في (خ، ف)، وهو الصواب.
[ ٢٠٧ ]
أحدهما: لا يجوز، لأنه بيع للمبيع قبل قبضه، إذ لو كانت مقبوضة لكانت من ضمانه.
والثاني: يجوز بيعها، وهو الصحيح. لأنه قبضها القبض المبيح للتصرف، وإن لم يقبضها القبض الناقل للضمان، كقبض العين المؤجرة فإنه إذا قبضها صار له التصرف في المنافع وإن كانت إذا تلفت تكون من ضمان المؤجر.
لكن تنازع الفقهاء، هل له أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها به؟
على ثلاثة أقوال: هي ثلاث روايات عن أحمد، قيل: يجوز كقول الشافعي، وقيل: لا يجوز، كقول أبي حنيفة وصاحبيه؛ لأنه ربح ما لم يضمن؛ لأن المنافع لم يضمنها.
وقيل: إن أحدث فيها عمارة جاز، وإلا فلا.
والأول: أصح، لأنها مضمونة عليه بالقبض، بمعنى أنه إذا لم يستوفها تلفت من ضمانه لا من ضمان المؤجر، كلما لو تلفت الثمرة بعد صلاحها والتمكن من جذاذها، ولكن إذا تلفت العين المؤجرة كانت المنافع تالفة من ضمان المؤجر؛ لأن المستأجر لم يتمكن من استيفائها، [فيُفرق] (١) بين ما قبل التمكن وبعده (٢).
_________________
(١) في (د): [فبعيد].
(٢) "الفتاوى" (٣٠/ ٢٥٩ إلى ٢٦١).
[ ٢٠٨ ]