(فصل)
وإذا ترك الجماعة من غير عذر، ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره.
أحدهما: تصح صلاته، لقوله ﵌: "تفضل صلاة الرجل في الجماعة على صلاته وحده بسبع وعشرين درجة" (١).
والثاني: لا تصح لما في السنن عن النبي ﵌ أنه قال: "من سمع النداء فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له" (٢)، ولقوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٤٥، ٦٤٩)، ومسلم (٦٥٠) من حديث ابن عمر.
(٢) أخرجه ابن حبان (٥/ ٤١٥)، والحاكم (١/ ٣٧٢)، والدارقطني (١/ ٤٢٠)، وابن ماجه (٧٩٣)، وابن بحشل في تاريخ واسط (ص ٢٠٢) من طريق هشيم عن شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا به. وقد تابع هشيمًا على الرفع: قراد أبو نوح -كما ذكر هذا الحاكم- وخالفهما غندر ووكيع وأكثر أصحاب شعبة، فرووه موقوفًا على ابن عباس، وقد أخرج رواية قراد: البيهقي في الكبرى (٣/ ٥٧)، وقراد صدوق له أفراد كما قال الدارقطني، وكذا قال الحافظ ورواه ابن الجعد عن شعبة موقوفًا كما في حديثه (٤٨٢). والموقوف هو المحفوظ حيث إن من أوقفه هم أكثر وأثبت ممن رفعه، وهذا هو ما رجحه البيهقي، خلافًا للحاكم الذي اعتبر الرفع زيادة ثقة وأخذ بها، ثم ساق متابعة لشعبة، تابعه فيها على الوجه المرفوع: مغراء العبدي، ومغراء ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ في ترجمته في التهذيب (٥/ ٥٠٧): "وقرأت بخط الذهبي: تكلم فيه"، قلت: فمثله لا يُفرح بمتابعته،
[ ١٨٦ ]
المسجد" (١) وقد قوَّاه عبد الحق الإشبيلي.
وأيضًا فإذا كانت واجبة فمن يترك واجبًا في الصلاة لم تصح صلاته، وحديث التفضيل محمول على حال العذر، كما في قوله ﵌: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد" (٢).
وهذا عام في الفرض والنفل؛ وإلانسان ليس له أن يصلي الفرض قاعدًا أو نائمًا إلا في حال العذر، وليس له أن يتطوع نائمًا عند جماهير السلف والخلف، إلا وجهًا في مذهب الشافعي وأحمد.
ومعلوم أن التطوع بالصلاة مضطجعًا بدعة لم يفعل أحد من السلف.
_________________
(١) وجاء في رواية مغراء زيادة وهي: "قالوا: وما العذر، قال خوف أو مرض"، وقد أخرج رراية مغراء أيضًا: أبو داود (٥٥١)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٢١٣)، وفي إسناده أيضًا: أبو جناب الكلبي، ضعفه النسائي والدارقطني، وقال أبو زرعة: صدوق يدلس، وقال القطان: لا أستحل أن أروي عنه. وللحديث شواهد عن أبي موسى، وجابر، وأبي هريرة، ذكرها الحافظ في التلخيص (٢/ ٣١).
(٢) ضعيف: قال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٣١): حديث: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" مشهور بين الناس، وهو ضعيف، ليس له إسناد ثابت، أخرجه الدارقطني عن جابر، وأبي هريرة، وفي الباب عن علي وهو ضعيف أيضًا". أهـ، وهو في ضعيف الجامع (٦٢٩٧).
(٣) أخرجه البخاري (١١١٥) من حديث عمران بن حصين، وأخرجه مسلم (٧٣٥) بنحوه من حديث عبد الله بن عمرو.
[ ١٨٧ ]
وقوله ﵌: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم" (١)، يدل على أنه [يكتب] (٢) له لأجل نيته، وإن كان لم يعمل عادته قبل المرض والسفر.
فهذا يقتضي أن من ترك الجماعة لمرض أو سفر، وكان معتادًا لها كتب له أجر الجماعة، وأن لم يكن يعتادها لم يكتب له، وإن كان في الحالين إنما له بنفس الفعل صلاة منفرد، وكذلك المريض إذا صلى قاعدًا أو مضجعًا.
وعلى هذا القول: فإذا صلى الرجل وحده، وأمكنه أن يصلي بعد ذلك في جماعة فعل ذلك، وإن لم يمكنه فعل الجماعة استغفر الله تعالى كمن فاتته الجمعة وصلى ظهرًا، وإذا قصد الرجل الجماعة فوجدهم قد صلوا كان له أجر من صلى في جماعة كما وردت به السنة عن النبي ﵌ (٣).
وإذا [أدرك] (٤) مع الإمام ركعة فقد أدرك الجماعة، وإن أدرك أقل من ركعة فله بنيته أجر الجماعة، لكن هل يكون مدركًا للجماعة، أو يكون بمنزلة من صلى وحده؟ فيه قولان للعلماء في مذهب
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٩٩٦) من حديث أبي موسى الأشعري.
(٢) في (خ): [يكمل].
(٣) زاد هنا في (د): [إذ قال:]- أي: جعل القول التالي من كلام النبي ﵌.
(٤) في (خ): [ركع].
[ ١٨٨ ]
الشافعي وأحمد:
أحدهما: أن يكون كمن صلى جماعة، كقول أبي حنيفة.
والثاني: يكون كمن صلى منفردًا، كقول مالك، وهذا أصح لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (١).
ولهذا قال الشافعي وأحمد ومالك وجمهور العلماء: إنه لا يكون محركًا للجمعة ألا بإدراك ركعة، ولكن أبو حنيفة ومن وافقه يقولون: إنه يكون مدركًا لها إذا أدركهم في التشهد.
ومن فوائد النزاع في ذلك: أن المسافر إذا صلى خلف المقيم
أتم الصلاة، إذا أدرك ركعة فإن أدرك أقل من ركعة، فعلى القولَيْن المتقدمَيْن.
والصحيح: أنه لا يكون مدركًا للجمعة ولا للجماعة إلا بإدراك ركعة، وما دون ذلك لا يعتد له به، وإنما يفعله متابعة للإمام [وهو] (٢) بعد سلام الإمام كالمنفرد باتفاق الأئمة، والله أعلم (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٨٠)، ومسلم (٦٠٧) من حديث أبي هريرة.
(٢) في (ف): [ولو].
(٣) "الفتاوى" (٢٣/ ٢٤١ إلى ٢٤٣).
[ ١٨٩ ]