(فصل)
وأما إن كانت المرأة أو الرجل يمكنه الذهاب إلى الحمام، لكن إن دخل لا يمكنه الخروج حتى يفوت الوقت، إما لكونه مقهورًا مثل الغلام الذي لا يخليه سيده يخرج حتى يصلي، ومثل المرأة التي معها أولادها، فلا يمكنها الخروج حتى تغسلهم ونحو ذلك، فهؤلاء لابد لهم من أحد أمور:
إما أن يغتسلوا ويصلوا في الحمام في الوقت، [وإما أن يصلوا خارج الحمام بعد خروج الوقت، وإما أن يصلوا خارج الحمام بالتيمم] (١)، وبكل قول من هذه الأقوال يفتي طائفة.
لكن الأظهر أنهم يصلون بالتيمم خارج الحمام؛ لأن الصلاة في الحمام منهي عنها (٢)، وتفويت الصلاة حتى يخرج الوقت أعظم من ذلك؛ ولا يمكن الخروج عن هذين النهيين إلا بالصلاة بالتيمم في الوقت خارج الحمام (٣).
_________________
(١) جاءت هذه العبارة في (د) كالتالي: [وإما أن يتيمموا ويصلوا خارج الحمام] وما أثبته هو من (خ، ف).
(٢) ثبت هذا في حديث أبي سعيد: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام"، وصححه العلامة الألباني -﵀- في صحيح الجامع (٢٧٦٧).
(٣) حدث اضطراب عند هذا الموضع من نسخة (د)، فأخذ يعيد بعض العبارات الواردة في آخر فقرتين، بلا ترتيب، في حوالي خمسة أسطر، وقد خلت (خ، ف) من هذا الاضطراب.
[ ١٤٦ ]
وصار هذا كما لو لم يمكنه الصلاة إلا في موضع نجس في الوقت، أو في موضع طاهر بعد الوقت [إذا اغتسل] (١)، أو يصلي [بالتيمم] (٢) في [المكان النجس] (٣) في الوقت؟ فهذا أولى: لأن كلًّا من ذينك منهي عنه.
وتنازع الفقهاء فيمن حبس في موضع نجس وصلى فيه، هل يعيد؟ على قولين أصحهما: أنه لا إعادة عليه، بل الصحيح الذي عليه أكثر العلماء: أن من يصلي في الوقت كما أمر بحسب الإمكان، فلا إعادة عليه، سواء كان الحذر نادرًا أو معتادًا.
فإن الله تعالى لم يوجب على العبد الصلاة المعينة مرتين، إلا إذا كان قد حصل منه إخلال بواجب، أو بفعل محرم، فأما إذا فعل الواجب بحسب الإمكان، فلم يأمره بها مرتين، ولا أمر الله تعالى أحدًا أن يصلي الصلاة ويعيدها، بل حيث أمره بالإعادة لم يأمره بذلك ابتداءً، كمن صلى بلا وضوء ناسيًا، فإن هذا لم يكن مأمورًا بتلك الصلاة، بل اعتقد أنه مأمور خطأ منه، وإنما أمره الله تعالى أن يصلي بالطهارة؛ فإن صلى بغير طهارة كان عليه الإعادة؛ كما أمر النبي - ﷺ - الذي توضأ وترك موضع ظفر من قدمه لم يصبه الماء أن يعيد الوضوء والصلاة (٤)، وكما أمر المسيء في صلاته أن يعيد
_________________
(١) في (د): [هل يشتغل بتطهير المكان؟].
(٢) سقطت من (د).
(٣) هكذا في (د)، وهو الأقرب للصواب؛ أما في (خ، ف): [مكان طاهر].
(٤) أخرجه أبو داود (١٧٥)، والبيهقي في "الكبرى" (١/ ٨٣) من طريق بقية عن
[ ١٤٧ ]
الصلاة (١) وكما أمر المصلي خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة (٢).
_________________
(١) بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي - ﷺ - مرفوعًا به. قال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٣٥): "قال في الإمام: وبقية مدلس إلا أن الحاكم رواه في المستدرك فقال فيه: حدثنا بجير بن سعد فزالت التهمة. انتهى، ومن طريق أبي داود رواه الييهقي في السنن وقال إنه مرسل، قال في الإمام: عدم ذكر اسم الصحابي لا يجعل الحديث مرسلًا، فقد قال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، فقال: إسناده جيد، قلت له: إذا قال التابعي حدثني رجل من أصحاب النبي - ﷺ - ولم يسمه أيكون الحديث صحيحًا، قال: نعم. انتهى". اهـ. قلت: ولم أهتد إلى رواية الحاكم؛ وله شاهد، أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣٦) موقوفًا على عمر، إلا أنه منقطع بين أبي قلابة وعمر، وشاهد آخر أخرجه أبو داود (١٧٤) بإسناد صحيح عن الحسن مرسلًا.
(٢) أخرجه البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧) من حديث أبي هريرة، وقد تتبع ألفاظه ورواياته العلامة الألباني ﵀ في كتابه: "صفة صلاة النبي ﵌".
(٣) صحيح لغيره: أخرجه ابن حبان (٢١٩٩) (٥/ ٥٧٦)، والترمذي (٢٣٠، ٢٣١)، والدارمي (١٢٨٥)، والبيهقي في "الكبرى" (٣/ ١٠٤)، والشافعي كما في "مسنده" (ص ١٧٦)، واختلاف الحديث (ص ١٨١)، وأبو داود (٦٨٢)، وابن ماجه (١٠٠٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ١١)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٩)، والطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ٣٩٣)، وأحمد (٤/ ٢٢٨)، والحميدي (٨٨٤)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٨/ ١٨٧)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (٣/ ١٨٤) من طريق هلال بن يساف، واختُلِف عليه فيه: فرواه حصين بن عبد الرحمن عنه عن زياد بن أبي الجعد عن وابصة بن معبد مرفوعًا، ورواه عمرو بن مرة عنه عن عمرو بن راشد عن وابصة مرفوعًا. قلت: هلال ثقة؛ وحصين بن عبد الرحمن ثقة من كبار أصحاب الحديث كما
[ ١٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال أحمد، وقد روى له الجماعة، إلا أنه قد روى الحسن الحُلواني عن يزيد بن هارون أنه أختلط بآُخرة، لكن أنكر ذلك ابن المديني، لذا ذكره الحافظ العلائي في القسم الأول من كتابه "المختلطين" (ص ٢١) (١١)، وهو القسم الذي لم يثبت الاختلاط لأهله، وعمرو بن مرة ثقة أيضًا من رجال الجماعة، وعمرو بن راشد وثقه الذهبي في الكاشف، وفي التقريب: مقبول وأما زياد فهو مقبول كما في "التقريب". وقد رجح أبو حاتم رواية عمرو بن مرة، وعلل ذلك بأنه أحفظ كما في العلل (١/ ١٠٠)؛ وخالفه الترمذي فرجح رواية حصين، وعلل ذلك بأنه قد توبع عليها، كما في "العلل الكبير" (٩٥). وقد وقفت على هذه المتابعة في صحيج ابن حبان (٥/ ٥٧٩) وهي من طريق يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن عمه عبيد بن أبي الجعد عن أبيه زياد عن وابصة به. وله شاهد أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١١)، ومن طريقه: ابن ماجه (١٠٠٣) عن ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان عن أبيه مرفوعًا. وهذا إسناد جيد. وقد قال المصنف -﵀- عن الحديثين -حديث وابصة وابن شيبان- أنهما ثابتان كما في "مجموع الفتاوى" (٢٣/ ٢٤٥، ٣٩٤)؛ وقال المروزي في "اختلاف العلماء" (ص ٤٢): "قال أحمد وإسحق: عليه -أي: الذي صلى خلف الصف وحده- أن يعيد الصلاة، واحتجا بحديث وابصة بن معبد، قال الشافعي: صلاته مجزأة واحتج بحديث أنس: صليت خلف النبي - ﷺ - أنا ويتيم وأم سليم خلفنا، قال الشافعي: الرجل والمرأة في ذلك سواء، وفرَّق أحمد واسحق بين الرجل والمرأة، فقالا: للمرأة أن تصلي خلف الصف وحدها لحديث أنس وليس للرجل أن يصلي خلف الصف وحده". اهـ. قلت: وما ذكره أحمد واسحق هو الذي يجمع بين الأدلة، وفصَّل بعض أهل العلم بين المنفرد لعذر -مثل أن لا يجد مكانًا في الصف ألبتة-، وبين المنفرد لغير العذر، فتبطل صلاة الثاني، ولا تبطل صلاة الأول إعمالًا
[ ١٤٩ ]
فأما العاجز عن الطهارة [و] (١) الستار [و] (٢) استقبال القبلة، أو اجتناب النجاسة، أو عن إكمال الركوع والسجود، أو عن قراءة الفاتحة ونحو هؤلاء، ممن يكون عاجزًا عن [بعض] (٣) واجباتها، فإن هذا يفعل ما قدر عليه، ولا إعادة عليه، كما قال تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] وكما قال النبي - ﷺ -:"إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم" (٤) (٥).
_________________
(١) لعموم قوله تعالى (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها (وعموم حديث: "ما أحد أحب إليه العذر من الله"، لكن على المرء أن يتخذ كل الأسباب الممكنة التي تحول دون انفراده في الصف، فإن عجز، فنرجو له أن يكون معذورًا، وقد ذهب إلى هذا التفصيل المصنف -﵀- كما في "مجموع الفتاوى" (٢٣/ ٣٩٦) حيث قال: "ونظير ذلك أن لا يجد الرجل موقفًا إلا خلف الصف فهذا فيه نزاع بين المبطلين لصلاة المنفرد، والأظهر صحة صلاته في هذا الموضع، لأن جمغ واجبات الصلاة تسقط بالعجز، وطَرْدُ هذا صحة صلاة المتقدم على الإمام للحاجة كقول طائفة وهو قول في مذهب الإمام أحمد". اهـ.
(٢) في (د، ف): [أو].
(٣) في (د، ف): [أو].
(٤) ليست في (خ).
(٥) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٧٢٨٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٦) "الفتاوى" (٢١/ ٤٤٦) إلى (٤٤٩).
[ ١٥٠ ]