الحمد لله حمدًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى؛ وأشهد أن لا إله إلا الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كُفُوًا أحد، لا تنبغي العبادة إلا له وحده، ولا تليق الإلهية إلا به سبحانه وتعالى عما يقول ويعتقد الجاهلون الظالمون لأنفسهم، الكافرون بنعم ربهم وآلائه وآياته - علوًا كبيرًا؛ وصلى الله وبارك على محمد عبد الله ورسوله وصفوته من خلقه، الذي عرف الربوبية والعبودية حق المعرفة فأعطى كلًا منها كاملًا، مع اعترافه على نفسه بالعجز والتقصير، وما زال يترقى على درجات كمال هذه المعرفة، حتى اصطفاه الله وأرسله رحمة للعالمين، وهاديًا إلى صراطه المستقيم، ثم ما زال كذلك يزداد سموًا وعلوًّا بما يوحي إليه ربه وينزل به الروح الأمين على قلبه، حتى أكمل الله للناس على يديه الدين وأتم لهم النعمة، ورضي لهم الإسلام دينًا؛ فرفعه ربه إلى الرفيق الأعلى في أعلى عليين؛ فجزاه الله خير ما يجزي نبيًا عن أمته، وأمينًا على أداء أمانته، ورسولًا على تبليغ رسالته؛ وهدانا الله بهدى حكمته، وألزمنا السبيل القويم بما أوحى إليه من الذكر الحكيم وبطيب القول والعمل من سنته؛ وصلى الله عليه وعلى آله أجميعن؛ وجعلنا من آله وحزبه المفلحين.
أما بعد، فيقول -عبد الله، وفقير عفوه ورحمته- محمد حامد الفقي:
[ ٤٠ ]
"المسائل الماردينية"
أجاب بها شيخ الإسلام الإمام المجتهد الحجة، التقي الصالح، الفقيه المدث، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن عبد السلام بن تينية الحراني، ولد ٦٦١ هـ وتوفي في قلعة دمشق حبيس الحسد والظلم والجهل والخرافات والتقليد الأعمى في ٧٢٨ هـ ولقي ربه مجاهدًا صابرًا محتسبًا.
وردت عليه تلك المسائل من مدينة ماردين؛ فأجاب عليها هذه الأجوبة الشافية من أمراض الجهل والتشديدات والتعسيرات التي نفث سمومها المدعون أنهم الفقهاء، وليسوا من الفقه والفهم عن الله ورسوله في شيء، وإنمان هم جماعة قادهم شيطان الجهل بأغلال التقليد الأعمى، فذهبوا يضربون من ورائه في بيداء الضلالات والسخافات، وذهب أكثر الناس يسعى وراءهم حثيثًا على غير هدى ولا بصيرة، حتى ضربت عليهم سرادقات الغفلة وقيدوا بقيود ثقيلة، من ذلك: السخافات التي زعموها "فروعًا" فأقعدتهم عن مسايرة الحياة، وقعدت بهم عن النهوض بحمل ما خلفه لهم سلفهم الصالح من العزة والسلطان، فتركتهم الحياة وراءها، وجرت عليهم سنة الله في الماضين حين عموا عن نعم ربهم وآياته وكفروا بها، وذهب عدوهم يسلب من أيديهم تراث أسلافهم واحدة إثر واحدة، حتى أصبحوا اليوم، وليس بأيديهم إلا الأماني الخادعة، والدعاوي الكاذبة، والجهالة المطبقة، والوهن يقعد بهم عن منازل العزة،
[ ٤١ ]
والجبن يدفعهم عن كل كرامة.
وهذه جوابات شيخ الإسلام نموذج لما ينبغي أن يكون عليه فهم المسلم لدين ربه السمح، ولما يجب أن يدين به الشاكر لأنعم ربه المؤمن بالله وآياته وسننه وكتابه ورسوله، أقدمها لإخواني تحفة ثمينة لعل الله أن ينفعني وإياهم بها، وأن يجعلها من أسباب الخلاص من أغلال التقليد؛ ولقد كانت مطبوعة قبل ذلك بدمشق الشام، طبعة تلاءم وقتها، وتناسب عصرها، غير أنها كانت ناقصة نقصًا كثيرًا، بحرف دقيق متعب للقارئ.
ولكني وقفت لنسخة خطية تفضل بها حضرة صاحب المعالي الرجل السمح الكريم، الشيخ عبد الله السليمان وزير مالية المملكة العربية السعودية المؤيدة المنصورة بعناية الله وبدوام توفيق وطول حياة جلالة عاهلها الصالح المصلح، المتحري لسنن السلف الصالحين، الساعي في إحياء سنة سيد المرسلين، جلالة الملك عبد العزيز آل سعود، أدام الله توفيقه وتسديده، ونصره وتأييده.
وكان لحضرة صاحب الفضيلة والسماحة الشيخ محمد بن مانع مدير المعارف السعودية فضل مشكور في إعطائي النسخة المطبوعة وحثني على طبعها، وتنبيهي إلى جليل نفعها؛ فجزى الله الجميع خير الجزاء ووفقني الله وإياهم للعلم النافع والعمل الصالح ولإحياء آثار سلفنا المهتدين بهدي إمام المتقين وصفوة الخلق أجمعين، عبد الله ورسوله محمد عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
[ ٤٢ ]
صورة عن الوجه الأول من اللوحة الأولى من المخطوطة
[ ٤٣ ]
صورة عن الوجه الثاني من اللوحة الأخيرة من المخطوطة
[ ٤٤ ]
لشَيخ الإسلام
تقي الدين أبي العبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله ابن تيمية الحرَّاني ﵀ المتوفى ٧٢٨ هـ
مضافًا إليها تعليقات
الشيخ/ محمد حامد الفقي ﵀
وثق نصوصه وخرّج أحاديثه وعلَّق عليه
خالد بن محمد بن عثمان المصري
(النص المحقق)
[ ٤٥ ]
[بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين] (١)
سُئِل [الشيخ الإمام العلامة] (٢) شيخ الإسلام، بركلة الأنام، بقية السلف الكرام، ناصر السنة، [قامع] (٣) البدعة، مفتي المسلمين، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني عن مسائل (٤) يكثر وقوعها ويحصل الابتلاء [بها] (٥)، و[يحصل] (٦) الضيق والحرج بالعمل بها على [رأي] (٧) إمام بعينه.
(١) فمنها: مسألة المياه اليسيرة ووقوع النجاسة فيها من غير تغير، و[تغيرُها] (٨) بالطاهرات؟
(٢) ومنها: بول مأكول [لحمه] (٩)؟
(٣) ومنها: طين الشوارع؟
(٤) ومنها: وقوع الفأرة، ونحوها في المائعات، كالزيت والدبس، [وغيرها] (١٠).
(٥) ومنها: المشقة الحاصلة بالكلاب حال المطر وغيره وعسر
_________________
(١) ليست في (د)، وقد اثبتها من (خ).
(٢) ليست في (د).
(٣) في (د) [قاطع].
(٤) زاد هنا في (د): [تسمى الماردينية لأنها وردت إليه من ماردين].
(٥) ليست في (د).
(٦) ليست في (د).
(٧) ليست في (خ)، وهي ثابتة في (د، ف).
(٨) في (ف): [تغييرها].
(٩) في (د): [اللحم].
(١٠) في (د): [والأدهان ونحوها].
[ ٤٧ ]
الاحتراز [منها] (١).
(٦) ومنها: [عظام] (٢) الميتة، وحافرها، وقرنها، وظفرها، وشعرها، وريشها، وإِنْفَحَتُها (٣)؛ هل ذلك كله نجس أم طاهر، أم البعض منه طاهر والبعض نجس؟
(٧) ومنها: سؤر الحمار والبغل، هل يجوز [التوضئ] (٤) به، أم لا؟
(٨) ومنها: إزالة النجاسة بمائع غير الماء، هل يطهر [محله] (٥) أم لا؟
(٩) ومنها: الصلاة في النعل [والجمجم (٦)، والمداس] (٧)، هل يكره أم لا؟
(١٠) ومنها: صيام يوم [الإغمام] (٨)، هل هو واجب أم لا؟ وهل هو [يوم] (٩) شك منهيٌّ عَنهُ أم لا؟
(١١) ومنها المرأة يجامعها بعلها، ولا [تتمكن] (١٠) من دخول
_________________
(١) في (د): [عنها].
(٢) في (د): [عظم].
(٣) جاء هنا في (د) بين عارضتين: [يعني: مجابنها].
(٤) في (د): [الوضوء].
(٥) في (د): [محلها].
(٦) قال الشيخ محمد حامد الفقي -﵀-: "في القاموس: الجمجم: المداس، معرب. اهـ، وهو نوع من الأحذية". اهـ.
(٧) ليست في (خ)، وقد أثبتها من (د).
(٨) في (د): [الإغماء]، وهو خطأ ظاهر، وفي (ف): [الغيم].
(٩) سقطت من (خ)، وهي ثابتة في (د، ف).
(١٠) في (د): [يتمكن].
[ ٤٨ ]
الحمام كلما جامعها لعدم الأجرة [وغيره] (١)، فهل لها أن تتيمم؟ هل يُكره لبعلها [كثرة] (٢) مجامعتها والحالة هذه؟
(١٢) ومنها: المرأة أيضًا يدخل عليها وقت الصلاة ولم
تغتسل، وتخاف إن دخلت إلى الحمام أن يفوتها الوقت، [فهل] (٣) لها تصلي بالتيمم، أو تصلي في الحمام؟
(١٣) ومنها: الصلاة خلف أهل [الأهواء] (٤) والبدع، وخلف من يَلحن في الفاتحة أو يبدل بعض حروفها؟
(١٤) ومنها: المرأة تطهر عن الحيض، ولم تجد ماء تغتسل به، هل لزوجها أن يَطأها قبل غسلها من غير شرط؟
(١٥) ومنها: عادم الماء إذا لم يجد ترابًا، هل له أن يتيمم بالرمل ونحوه؟
(١٦) ومنها: الرجل يستيقظ من النوم وعليه [جنابة] (٥) وقد [زاحمه] (٦) الوقت، فإن اغتسل خرج الوقت؛ فهل له أن يصليَّ بالتيمم؟
[وكذا المسافر يصل إلى الماء، وقد ضاق الوقت، فإن تشاغل بتحصيله خرج الوقت، هل له أن يصليَّ بالتيمم؟] (٧).
وهل له أن يصليَّ في الحمام إذا خاف خروج الوقت أم لا؟
_________________
(١) في (د): [أو غيره]، وفي (ف): [وغيرها].
(٢) ليست في (ف).
(٣) سقطت من (خ).
(٤) ليست في (خ).
(٥) في (خ): [غسل].
(٦) في (د): [زحمه].
(٧) سقطت من (خ).
[ ٤٩ ]
(١٧) ومنها: مسألة المني، هل هو طاهر أم لا؟ وإذا كان طاهرًا، فما حكم رطوبة فرج المرأة إذا خالطته؟
(١٨) ومنها: مسألة استحالة النجاسة كرماد السِّرجين النجس والزبل النجس [يصيبه] (١) الريح والشمس والماء فيستحيل ترابًا، فهل تجوز الصلاة عليه؟
(١٩) ومنها: الخف إذا كان فيه خرق يسير، هل يجوز المسح عليه أم لا؟
(٢٠) ومنها: الثوب أو البدن تصيبه النجاسة ويتعذر غسله، هل يقوم التيمم مقام غسله أم لا؟
(٢١) ومنها: صلاة المأموم خلف الإمام خارج المسجد، أو صلاته خلفه في المسجد وبينهما حائل؟ وصلاته (٢) أمامه في الجمعة والجنازة، هل يجوز ذلك؟
(٢٢) ومنها: قوم مقيمون بقرية وهم دون أربعين، ماذا يجب عليهم: أجمعةٌ أم ظهر؟
(٢٣) ومنها: مسألة الجماعة للصلاة، هل هي واجبة أم سنة؟ وإذا قلنا: واجبة، هل تصح الصلاة بدونها مع القدرة عليها؟
(٢٤) ومنها: مسألة تضمين البساتين قبل إدراك الثمرة، هل يجوز أم لا؟
_________________
(١) في (د): [يجففه].
(٢) زاد هنا في (د): [وراء]، وهو خطأ لا ريب فيه حيث إنه يحيل المعنى.
[ ٥٠ ]
(٢٥) ومنها: زكاة العشر يأخذه السلطان يصرفها حيث يشاء، ولا يعطيه الفقراء والمساكين، هل يسقط [الفرض] (١) أم لا؟
(٢٦) ومنها: نصيب العامل في المزارعة، هل فيه زكاة أم لا؟
(٢٧) ومنها: بَيْع ما في بطن الأرض من اللفت والجزر والقلقاس، ونحوه، هل يجوز أم لا؟
(٢٨) ومنها: الرجل يُسْلِم في شيء، فهل له أن يأخذ من المسلَّم إليه غيره؟ كمن أسلم في حنطة، فهل يأخذ بدلها شعيرًا سواء تعذر المسلَّم فيه أم لا؟
(٢٩) ومنها: الرجل يكتري أرضًا للزرع فيصيبه آفة فيهلك، فهل فيه جائحة أم لا؟
(٣٠) ومنها: إجبار الأب [لبنته البالغة] (٢) على النكاح، هل يجوز أم لا؟
(٣١) ومنها: مسألة الفلوس وبيع بعضها ببعض متفاضلة، وصرفها بالدراهم من غير تقابض في الحال؟ ودفع الدرهم يأخذ [بعضه] (٣) فلوسًا و[بعضه] (٤) قطعة من فضة؟
(٣٢) ومنها: المتهمون بالفجور والسرقة والقتل وغير ذلك، هل يعاقبون أم لا؟
(٣٣) ومنها: الرجل يكون له على الرجل دَيْن، فيجحده [أو
_________________
(١) سقطت من (خ).
(٢) في (د): [ابنته البكر البالغ].
(٣) في (د): [ببعضه].
(٤) في (د): [ببعضه].
[ ٥١ ]
يغصبه شيئًا، ثم يصيب له مالًا من جنس ماله أومن غير جنسه] (١)، فهل له أن يأخذ منه مقدار حقه أم لا؟
(٣٤) ومنها: دفع الزكاة إلى أقاربه المحتاجين الذين لا تلزمه نفقاتهم، هل هو أفضل، أم دفعها إلى الأجنبي؟
(٣٥) ومنها: [دفعها] (٢) إلى والديه وولده الذين لا تلزمه نفقتهم، هل يجوز أم لا؟
(٣٦) ومنها: الرجل يبيع سلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها من المشتري بأقل من ذلك الثمن حالًا، هل يجوز أم لا؟
(٣٧) ومنها: المسكين يحتاج إلى الزكاة من [الزروع] (٣)، فهل يسقط الفرض عن صاحب الزرع إذا عجلها له قبل إدراك زرعه أم لا؟
(٣٨) ومنها: إخراج القيمة عن الزكاة، فإنه كثيرًا ما يكون أنفع للفقراء، هل هو جائز أم لا؟
(٣٩) ومنها: الواقف والناذر يُوقف [أو ينذر] (٤) شيئا ثم يرى غيره أحظ (٥) لموقوف عليه [والمنذور له] (٦) هل يجوز له إبداله كما في الأضحية؟
(٤٠) ومنها: الرجل يلطم الرجل أو يلكمه أو يسبه، هل يجوز له أن يفعل به كما فعل، أو كما يخرق ثوبه [كما يخرق ثوبه] (٧).
_________________
(١) سقطت من (خ).
(٢) في (د): [دفع الزكاة].
(٣) في (د): [الزرع].
(٤) سقطت من (خ).
(٥) زاد هنا في (د): [منه].
(٦) سقطت من (خ).
(٧) سقطت من (د).
[ ٥٢ ]
(٤٢) ومنها حرف [الوقف] (١) على [وجهِهِ في] (٢) جهة [أخرى] (٣) لمصلحة راجحة أو مساوية؟
(٤٢) ومنها: أرزاق التتار، هل هي مباحة لمن يرزقونه إياها؟
(٤٣) ومنها: إسقاط الدَّيْن عن الفقير المعسر، هل يجوز أن يحسبه من الزكاة؟
فأجاب [رحمه الله تعالى] (٤):
الحمد لله ربِّ العالمين
أما مسألة [تغيُّر] (٥) الماء اليسير والكثير بالطاهرات:
كالأشنان (٦)، والصابون، والسدر (٧)، والخطمي (٨)، والتراب، والعجين وغير ذلك مما قد [يُغيِّر] (٩) الماء، مثل الإناء إذا كان فيه أثر
_________________
(١) في (د): [الموقوف].
(٢) سقطت من (خ).
(٣) في (د): [غير جهة الوقف].
(٤) ليست في (خ).
(٥) في (د): [تغيير].
(٦) الأشنان: قال ابن منظور في لسان العرب (١٣/ ١٨): "أشن: الأُشْنة: شيء عن الطيب أبيض كأنه مقشور. قال ابن بري: الأُشْن شيء من العطر أبيض دقيق كأنه مقشور من عرق؛ قال أبو منصور: ما أراه عربيًّا. والأشنان والإشنان من الحمض: معروف، الذي يُغسل به الأيدي، والضم أعلى". اهـ.
(٧) السدر: شجر النبق، كما في "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٣٥٣).
(٨) قال ابن منظور في اللسان (١٢/ ١٨٨): "الخِطمِيُّ والخَطميُّ: ضرب من النبات يغُسَل به. وفي الصحاح: يُغسل به الرأس، قال الأزهري: هو بفتح الخاء، ومن قال خِطمي -بكسر الخاء- فقد لحن". اهـ.
(٩) في (خ): [غير].
[ ٥٣ ]
سدر أو خطمي وَوُضِع فيه ماء فتغير به، مع بقاء اسم الماء فهذا فيه قولان معروفان للعلماء:
أحدهما: أنه لا يجوز التطهير به، كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين التي اختارها الخرقي والقاضي، وأكثر متأخري أصحابه؛ لأن هذا ليس بماء مطلق فلا يدخل في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] ثم إن أصحاب هذا القول استثنوا من هذا أنواعًا، بعضها متفق عليها بينهم وبعضها مختلف فيه، فما كان من التغير حاصلًا بأصل الخلقة أو بما يَشُقُّ صَوْنُ الماء عنه، فهو طهور باتفاقهم.
وما تغير بالأدهان والكافور، ونحو ذلك، ففيه قولان معروفان في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما.
وما كان [تغيُّره] (١) يسيرًا، [فهل] (٢) يُعفى عنه أو لا يُعفى عنه؟ أو يُفرق بين الرائحة وغيرها؟ على ثلاثة أوْجُه، إلى غير ذلك من المسائل.
والقول الثاني: أنه لا فرق بين المتغير بأصل الخلقة وغيره، ولا بما يشق الاحتراز عنه، ولا بما يَشق فما دام يُسمَّى ماءً ولم يغلب عليه أجزاء غيره، كان طهورًا، كما هو مذهب أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى عنه، وهي التي نصَّ عليها في أكثر أجوبته.
_________________
(١) في (خ): [تغيرًا].
(٢) في (د): [فهم]، وهو تصحيف ظاهر.
[ ٥٤ ]
وهذا القول هو الصواب؛ لأن الله تعالى قالت: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ نكرة في سياق النفي فيُعمُ كل ما هو ماءٌ، لا [يُفرق] (١) في ذلك بين نوع ونوع.
فإن قيل: إن المتغير لا يدخل في اسم الماء؟
قيل: تناول الاسم لمسماه لا فرق فيه بين التغير الأصلي والطارئ، ولا بين [المتغير] (٢) الذي يمكن الاحتراز منه، والذي لا يمكن الاحتراز منه؛ فإن الفرق بين هذا وهذا إنما هو من جهة القياس لحاجة الناس إلى استعمال هذا المتغير دون هذا، فأما من جهة اللغة وعموم الاسم وخصوصه فلا فرق بين هذا وهذا، ولهذا لو وَكَّلَهُ في شراء ماءٍ أو حَلَفَ لا يَشربُ ماءً أو غير ذلك، لم يُفرق بين هذا وهذا، بل إن دَخَل هذا دَخَل هذا، وإن خرج هذا خرج هذا، فلما حصل الاتفاق على دخول [المتغير] (٣) تغيرًا أصليًّا أو حادثًا بما يشق صونه عنه، عُلِم أن هذا النوع داخلٌ في عموم الآية.
وقد ثبت بسنة رسول الله - ﷺ - أنه قال في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل مَيتَته" (٤)، والبحر متغير الطعم تغيرا شديدًا لشدة ملوحته،
_________________
(١) في (د، ف): [فرق].
(٢) في (د، ف): [التغير].
(٣) في (خ): [التغير].
(٤) صحيح: أخرجه مالك في الموطأ (٤١)، ومن طريقه كلٌ من: أحمد في مسنده (٢/
[ ٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ٣٦١)، وابن أبي شيبة في مصنفه (١/ ١٢٢)، وابن ماجه (٣٨٦)، والنسائي في "المجتبى" (٥٩)، و"الكبرى" (١/ ٧٥، ٥٨)، وأبو داود (٨٣)، والشافعي في "مسنده" (١/ ٧)، و"الأم" (١/ ٣)، والترمذي في "الجامع" (٦٩)، وابن الجارود فيا المنتفى" (٤٣)، والدارمي في "سننه" (٧٢٩)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١١١)، وابن حبان في "صحيحه" (١٢٤٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٣٧)، والبيهقي في الكبرى (١/ ٣)، والدارقطني في سننه (١/ ٣٦)، والرافعي القزويني في التدوين في أخبار قزوين (٣/ ٣٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ١٢٩) وابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة (٢/ ٥٥٥)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣٠) (٣)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٤٧) (١٥٧، ١٥٨)، والمزي في تهذيب الكمال (١٠/ ٤٨٠)، وأبو عبيد في الطهور (٢٢٠) كلهم من طريق (صفوان بن سليم) عن (سعيد بن سلمة) من آل بني الأزرق عن (المغيرة بن أبي بردة) -وهو من بني عبد الدار- أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل رسول الله، فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله: وذكره". قلت: صفوان وثقه ابن المديني، وأحمد، وأبو حاتم، والنسائي، والعجلي، وابن سعد، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت مشهور بالعبادة. وأما سعيد بن سلمة وثقه النسائي، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٦/ ٣٦٥)، وقال ابن عبد البر: هو غير معروف بحمل العلم، وقال عبد الحق في الأحكام: لا يُعلم روى عنه غير صفوان بن سليم .. ومَن هذه حالهُ فكيف يُحتج بحديثه كما في "الميزان" (٨/ ١١٧)؛ ونقل توثيق النسائي: الحافظ في "التقريب" (٢٣٢٧)، والذهبي في "الكاشف" (١/ ٤٣٨)، والسيوطي في "إسعاف المبطأ" (ص ١٢). وأما المغيرة بن أبي بردة وثقه النسائي، وقال أبو داود: معروف، وقال أبو بكر المالكي في "رياض النفوس" (ص ٨٠ - ٨١): "من أهل الفضل معدود في التابعين" كما في "بذل الإحسان" (٢/ ٩١).
[ ٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ولم يتفرد مالك به، فقد تابعه ثلاثة: عبد الرحمن بن إسحق - أخرج روايته أحمد في "مسنده" (٢/ ٢٣٧)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٢٣٧)، وإسحق بن إبراهيم المزني، وعبد الله بن محمد القدامي: وأخرج رواية الثلاثة: الحاكم في مستدركه (٢٣٧٨ - ٢٣٩) وقال: "قد رويت في متابعات الإمام مالك بن أنس في طرق هذا الحديث عن ثلاثة ليسوا من شرط الكتاب وهم: عبد الرحمن بن إسحق، وإسحق بن إبراهيم المزني، وعبد الله بن محمد المقدمي". وخالفهم أبو أويس، فقد أخرجه أحمد في "مسنده" (٢/ ٣٩٢) من طريق أبي أويس عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة عن أبي بردة بن عبد الله عن أبي هريرة مرفوعًا؛ ورواية الجماعة هي المحفوظة. ولصفوان متابعة: تابعه الجلاح بن كثير، وقال الحاكم في "المستدرك" (١/ ٢٣٨) ثنا علي بن حمشاذ أنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك ثنا يحيى بن بكير ثني الليث عن يزيد بن أبي حبيب ثني الجلاح بن كثير أن ابن سلمة المخزومي حدثه أن المغيرة بن أبي بردة أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: كنا عند رسول الله يومًا فجاءه صياد وذكره نحوه. قلت: علي بن حمشاذ، ترجمة الذهبي في "السير" (١٥/ ٣٩٨): "الثقة الحافظ الإمام شيخ نيسابور أبو الحسن النيسابوري صاحب التصانيف" كما في رجال الحاكم للشيخ مقبل ﵀ (١٠٠٦) (٢/ ٥٨). وأما عبيد بن عبد الواحد، فقد ترجمه الخطيب في "تاريخ بغداد" (١١/ ٩٩)، وقال: "قال الدارقطني: صدوق" كما في "رجال الحاكم" (٩٦٠) (٢/ ٣٧). وقد اختُلفِ على الليث فيه، فخالف قتيبة بن سعيد: ابن بكير، فرواه عن الجلاح عن المغيرة عن أبي هريرة بنحوه. بإسقاط يزيد، وسعيد بن سلمة. وقد رجح العلامة الألباني -﵀- رواية قتيبة على ابن بكير حيث أن قتيبة ثقة ثبت، وهو أثبت من ابن بكير على الإطلاق، لكن قال ابن عدي عن ابن بكير: هو أثبتُ الناس في الليث، واعتمده الحافظ في التقريب. وكذا عبيد -الراوي عن ابن بكير- قيد تغير في آخر أيامه كما في "تاريخ بغداد"
[ ٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) (١١/ ٩٩). وانظر الصحيحة (٤٨٠). وخالف الشيخ أبو إسحاق الحويني العلامة الألباني، فرجح رواية ابن بكير كما في "بذل الإحسان" (٢/ ٩٥)، وعلَّل ذلك بثلاثة أمور: الأول: أن ابن بكير لا يقل عن ابن قتيبة في الليث، نظرًا لقول ابن عدي. الثاني: أنه تابعه اثنان: عبد الله بن صالح كاتب الليث عد البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٤٧٨)؛ وأبو النضر هاشم بن القاسم عند ابن سلام في الطهور (٢٢١)، وأبو النضر ثقة، فهذه متابعة قوية تعضد رواية ابن بكير. الثالث: أن أبا عبيد القاسم بن سلام يعتبر متابعًا لعبيد بن عبد الواحد. قلت: ويعضد أيضًا رواية ابن بكير، أن الليث قد توبع عليها، تابعه عمرو بن الحارث عند البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٤٧٨). لكن ابن سلام، وعبيدًا قد خولفا أيضًا، خالفهما: سهل بن أبي سهل عند ابن ماجه (٣٨٧) فرواه عن ابن بكير عن الليث عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن مسلم بن مخشي عن ابن الفراسيِّ مرفوعًا. وسهل قال فيه أبو حاتم: صدوق، وقال الذهبي: حافظ ثقة، لكن الظاهر أن روايته مرجوحة لمخالفته الجماعة، ولما حدث فيها أيضًا من الاضطراب، وراجع كلام الحافظ فيها في التلخيص (١/ ١١)، ويحتمل أن يكون الليث قد حدث به على الوجهين، ومهما كان فإسناد رواية ابن الفراسي هذا ضعيف للانقطاع والإرسال. وقد خالف أيضًا محمد بن إسحاق: الليث، فرواه عن يزيد بن أبي حبيب عن الجلاح عن عبد الله بن سعيد المخزومي عن المغيرة عن أبيه عن أبي هريرة، أخرجه الدارمي في سننه (١/ ٣٠١) (٧٢٨) (ط. الريان)؛ وقد اضطرب فيه ابن إسحاق، وبلا ريب الليث أثبتُ منه، فروايته هي المحفوظة. وعليه، فإنه قد سلم لنا متابعة الجلاح لصفوان، والجلاح قال فيه الدارقطني: لا بأس به، وقال ابن عبد البر: مصري تابعي ثقة. فأصبح مدار الحديث على سعيد بن سلمة، وقد تكلم فيه ابن عبد البر وعبد الحق كما سبق، ووصفه أيضًا الشيخ تقي الدين في الإمام بالجهالة،
[ ٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وجعل هذا إحدى علل أربع أعلَّ بها الحديث، كما في "نصب الراية" (١/ ٩٦)، والرد على هذه العلة من وجهين: الأول: إن كان المقصود بالجهالة جهالة العين، فقد ارتفعت عنه، حيث إنه قد روى عنه اثنان كما سبق: صفوان، والجلاح أبو كثير. الثاني: أنه لم يتفرد به، قال الحاكم في "المستدرك" (١/ ٢٣٧): "وقد تابع يحيى بن سعيد الأنصاري ويزيد بن محمد القرشي سعيد بن سلمة المخزومي على رواية هذا الحديث، وقد اختلف عليه فيه". قلت: أخرج رواية يزيد: البخاري في "التاريخ الكبير" (٨/ ١٨١)، والحاكم (١/ ٢٣٩)، والبيهقي في "الكبري" (١/ ٤) من طريق ابن أبي مريم عن يحيى بن أيوب عن خالد بن يزيد عن يزيد القرشي به. ويزيد، قال الحافظ في "تعجيل المنفعة" (١١٨٧): "قال في الإكمال: مجهول"، وانظر "الإكمال" للحسيني (٩٩١)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٦٣٠)، وذكره الكلاباذي في "رجال صحيح البخاري" (٢/ ٨٨٥)، وقد روى عنه الليث بن سعد، مقرونًا بيزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عمرو بن حلحلة. وأما يحيى بن سعيد فإنه لم يتابع سعيدًا كما قال الحاكم، بل خافه، وهذه هي العلة الثانية التي أعل بها تقي الدين ابن دقيق العيد الحديث، حيث إن يحيى بن سعيد قد رواه عن المغيرة مرسلًا، قال ابن عبد البر: وهذا مرسل لا يقوم بمثله الحجة، ويحيى بن سعيد أحفظ من صفوان بن سليم وأثبت من سعيد بن سلمة. قلت: وقد اختُلِف على يحيى فيه اختلافًا واسعًا، وقد استقصى هذه الاختلافات الدارقطني في العلل (٩/ ٧ - ١٢). وفي "علل الترمذي" للقاضي (٣٣) قال أبو عيسى: سألت محمدًا -أي: البخاري- من حديث مالك عن صفوان، فقال: هو حديث صحيح". اهـ وهذا تصريح واضح من البخاري بتصحيح الحديث، لا يصح معه اعتراض ابن عبد البر في "التمهيد" (١٦/ ٢١٨) عليه. ورغم اعتراض ابن عبد البر هذا على تصحيح البخاري له، فقد صححه، فقال
[ ٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) في "التمهيد" (١٦/ ٢١٨، ٢١٩): "وهو عندي صحيح، لأن العلماء تلقوه بالقبول له، والعمل به، ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء، وإنما الخلاف في بعض معانيه". اهـ. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وقال ابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٢٤٧): ثابت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال في ماء البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". وقال البيهقي في "الكبرى" (١/ ٣): "واختلفوا أيضًا في اسم سعيد بن سلمة، فقيل كما قال مالك، وقيل: عبد الله بن سعيد المخزومي، وقيل: سلمة بن سعيد، وهو الذي أراد الشافعي بقوله: في إسناده من لا أعرفه ". اهـ. وقال النووي في شرحه على مسلم (١٣/ ٨٦): "وهو حديث صحيح". وقال الذهبي في "الميزان" (٣/ ٢٠٧): "وأما سعيد بن سلمة المدني صاحب حديث: "هو الطهور ماؤه " فصدوق تفرد به عن المغيرة بن أبي بردة بذلك لكن وثقه النسائي". ورجح العقيلي في "الضعفاء" (٢/ ١٣٢) طريق مالك وقال: "وهو الصواب". وفي "تحفة المحتاج" (١/ ١٣٠): " وأن ابن السكن قال: إنه أصح ما روي في الباب". وقال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (١/ ٧): " وصححه ابن خزيمة وابن حبان، ورجح ابن مندة صحته، قال البيهقي في خلافياته: وإنما لم يخرجه الشيخان في صحيحيهما لأجل اختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة، قال الحاكم: مثل هذا الحديث الذي تداوله الفقهاء في عصر الإمام مالك إلى وقتنا هذا، لا يرد بجهالة هذين الرجلين، وهي مرفوعة عنهما بمتابعات. فذكرها بأسانيد - قلت: وليسا بمجهولين، كما حررناه في الأصل". اهـ. قلت: وللحديث طرق أخرى منكرة وضعيفة عن أبي هريرة راجعها في "بذل الإحسان" (٢/ ١٠٦ - ١٠٩). وله أيضًا شواهد عن جابر، وأبي بكر، وعلي، وأنس، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس، وعقبة بن عامر.
[ ٦٠ ]
[فإن] (١) كان النبي - ﷺ - قد أخبر أن ماءَه طهور -مع هذا التغير- كان ما هو أخف ملوحةً منه أولى أن يكون طهورًا، وإن كان الملح وُضِع فيه قصدًا؛ إذ لا فرق بينهما في الاسم من جهة اللغة.
وبهذا يظهر ضعف حجة المخالفين؛ فإنه لو استقى ماءً أو وَكَّله في شراء ماءٍ لم يتناول ذلك ماءَ البحر؛ ومع هذا فهو داخل في عموم الآية فكذلك ما كان مثله في الصفة (٢).
وأيضًا فقد ثبت أن النبيَّ - ﷺ - أمر بغسل المحرم بماءٍ وسدر (٣)، وأمر بغسل ابنته بماءٍ وسدر (٤)، وأمر الذي أسلم إن يَغتسل بماءٍ
_________________
(١) وأحسن هذا الشواهد حالًا هو حديث ابن عباس، أخرجه الحاكم (١/ ٢٣٧)، والدارقطني (١/ ٣٥) من طريق سريج بن النعمان عن حماد بن سلمة عن أبي التياح عن موسى بن سلمة عن ابن عباس قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن ماء البحر فقال: "ماء البحر طهور". قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقال الدارقطني: الصواب موقوف.
(٢) في (د، ف): [فإذا].
(٣) قال الشيخ محمد حامد الفقي -﵀-: "هذا والأصل في كل ماء من المياه المعروفة فهو طاهر مطهر، وكذلك كل شئ على الأرض فهو حلال بنص قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، لا يخرج شيء من ذلك عن الحل والطهورية إلا بنص صحيح صريح، وقد ضيق مقلدو المذاهب بافتراضتهم وتشديداتهم ما ليس لهم به علم ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج]، وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ".هـ.
(٤) أخرجه البخاري (١٢٦٥، ١٢٦٦)، ومسلم (١٢٠٦) من حديث ابن عباس ﵄.
(٥) أخرجه البخاري (١٢٥٣، ١٢٥٤)، ومسلم (٩٣٩) من حديث أم عطية ﵂.
[ ٦١ ]
وسدر (١)، ومن المعلوم: أن [السدر] (٢) لا بد أن يغير الماء؛ فلو كان التغير يفسد الماء لم يأمر به.
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذي في "الجامع" (٦٠٥) وأحمد في "مسنده" (٥/ ٦١)، والنسائي في "المجتبي" (١٨٨) والطبراني في "الكبير" (١٨/ ٣٣٨)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ٣٦)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ٣٤٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (١٧/ ١١٧)، والعجلي في "معرفة الثقات" (١٥٣٣)، وأبو سعيد النقاش في "فوائد العراقيين" (٧٤) كلهم من طريق سفيان الثوري عن الأغر عن خليفة بن حُصين عن جده قيس بن عاصم مرفوعًا به. قلت: الأغر هو ابن الصباح التميمي، وثقه ابن معين والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح. وأما خليفة بن حصين، فقد وثقه النسائي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره البخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ١٩٢) وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/ ٣٧٧) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، مما تعد ضميمة توثيق له، وفي "التقريب" (١٧٤٢): ثقة. هكذا رواه عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان عن سفيان به، بدون ذكر والد خليفة: حصين بن قيس، بينه وبين جده. وخالفهما: وكيع، وقبيصة فروياه بزيادة حصين بن قيس، أخرج هذه الرواية البخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ٤٤)، وأحمد في "المسند" (٥/ ١٦١) -آخر حديث في "مسند قيس بن عاصم"-. وأخرج رواية يحيى القطان ابن حبان في "صحيحه" (١٢٤٠). وفي "تحفة التحصيل بذكر رواة المراسيل" (ص ٩٦): "قال أبو الحسن القطان: إن روايته -أي: خليفة بن حصين- عن جده منقطعة والصواب عن أبيه عن جده" أهـ. وجزَم أبو حاتم في "العلل" لابنه (٣٥) بخطأ رواية قبيصة وأن الصواب: خليفة عن جده، ونصره الحافظ في "التهذيب" في ترجمة خليفة (٢٠٥٤).
(٢) سقطت من (خ).
[ ٦٢ ]
وقول القائل: إن هذا تغيُّرٌ في محل الاستعمال فلا يُؤثر تفريق بوصف غير مؤثر لا في اللغة ولا في الشرع، فإن المتغير إن كان يُسمَّى ماءً مطلقًا وهو على البدن، [ويُسمَّى] (١) ماءً مطلقًا وهو في ْالإناء؛ وإن لم يُسَمَّ ماءً مطلقًا في أحدهما لم يُسَمَّ مطلقًا في الموضع الآخر؛ [فإنه] (٢) من المعلوم أن أهل اللغة لا يفرقون في التسمية بين مَحَلٍّ ومَحَلٍّ.
وأما الشرع: فإن هذا فرق لم يدل عليه دليل شرعي فلا يُلتفت إليه، والقياس عليه إذا جُمِعَ أو فُرِّقَ: أن يُبيَّن أن ما جعله مناط الحكم جَمعًا أو فَرْقًا مما دلَّ عليه الشرع، وإلا فمن علَّق الأحكام بأوصافِ جَمْعًا وفَرْقًا بغير دليل شرعي، كان واضعًا لشرع منا تلقاءَ نفسه شارعًا في الدين ما لم يأذن به الله.
ولهذا كان على القائِس أن يبين تأثير الوصف المشترك الذي جعله مناط الحكم بطريقٍ من [الطرق] (٣) الدالة على كَوْن الوصف المشترك هو [علة] (٤) الحكم؛ وكذلك في الوصف الذي فَرَّقَ فيه بين الصورتين، عليه أن يُبين تأثيره بطريق من الطرق الشرعية.
وأيضًا: فإن النبيَّ - ﷺ - توضأ من قصعة فيها أثر العجين (٥).
ومن المعلوم: أنه لابد في العادة من تغير الماء بذلك لا سيما
_________________
(١) في (د، ف): [فيُسمَّى].
(٢) في (خ): [فإن].
(٣) في (خ): [الطريق].
(٤) في (خ): [عليه].
(٥) حسن: ورد هذا الحديث من أوجه متعددة عن أم هانئ، في بعضها أنه اغتسل من هذه القصعة وهو الأكثر، وأخرى أنه اغتسل هو وميمونة منها،
[ ٦٣ ]
في آخر الأمر إذا قلَّ الماء وانحل العجين.
فإن قيل: ذلك التغير كان يسيرًا؟
قيل (١): وهذا أيضًا دليل في المسألة، فإنه إن سوى بين التغير اليسير والكثير مطلقًا كان مخالفًا للنص، وإن فرَّق بينهما لم يكن للفرق بينهما حَدٌّ مضبوط لا بلغة، ولا بشرع، ولا عقلٌ، ولا عُرفٌ؛ ومن فرًّق بين الحلال والحرام بفرق غير معلوم لم يكن قوله صحيحًا.
وأيضًا: فإن المانعين مضطربون اضطرابًا يدل على فساد أصل
_________________
(١) وفي بعضها: أن ذلك يوم فتح مكة ومرة قيل: إن فاطمة كانت تستره، وفي أخرى: أن أبا ذر هو الذي كان يستره، وهو يغتسل، ولم أقف على رواية الوضوء إلا عند الطبراني في "الكبير" (٢٤/ ٤٠٦) من حديث ابن عباس، وذكره الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٣٨) وقال: "هو في الصحيح بغير سياقه، رواه الطبراني في "الكبير" وفيه حجاج بن نصير ضعفه ابن المديني وجماعة، ووثقه ابن معين، وابن حبان" اهـ. فهذا إسناد ضعيف؛ وفي المسند للإمام أحمد (٦/ ٤٢٣) قال: ثنا سفيان عن ابن عجلان عن سعيد -وهو المقبري- عن أبي مرة مولى عقيل عن أم هانئ في قصة يوم فتح مكة. قلت: هذا إسناد حسن. أبو مرة مولى عقيل اسمه يزيد، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١٢٧٧) (٩/ ٢٩٩) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وهذا يُعد توثيقًا له حيث إنه من طبقة التابعين، على قاعدة ابن أبي حاتم التي أبان عنها في مقدمته للجرح (١/ ٩). وكذا ذكره البخاري في "التاريخ الصغير" (٨٣٢) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، والعجلي في معرفة "الثقات" (٢٢٤٧) وقال: "تابعي ثقة". والحاكم في تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم (١٩٧٥) فهو من رجال الشيخين، ووثقه الذهبي في "الكاشف" (٦٣٧٢)، وكذا الحافظ في "التقريب" (٧٧٩٧).
(٢) زاد هنا في (د): [كان].
[ ٦٤ ]
[قولهم] (١)، منهم من يُفرق بين الكافور والدهن وغيره ويقول: إن هذا التغير عن مجاورة لا عن مخالطة، ومنهم من يقول: بل نحن نجد في الماء أثر ذلك، ومنهم من يفرق بين الورق الربيعي والخريفي، ومنهم من يُسويِّ بينهما، ومنهم من يُسويِّ بين الملحيْن: الجبلي والمائي، ومنهم من يفرق [بينهما] (٢).
وليس على شيء من هذه الأقوال دليلٌ يُعتمد عليه، لا من نصٍّ ولا قياسٍ ولا إجماعٍ، إذ لم يكن الأصل الذي تفرعت عليه مأخوذًا من جهة الشرع، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]؛ وهذا بخلاف ما جاء من عند الله فإنه [محفوظ] (٣)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، فدلَّ ذلك على ضعف هذا القول.
وأيضًا، فإن القول بالجواز موافق للعموم اللفظي والمعنوي مدلولٌ عليه بالظواهر والمعاني؛ فإن تناوُل اسم الماء لمواقع الإجماع كتناوُله لموارد النزاع في اللغة، وصفات هذا كصفات هذا في الجنس، فتجب التسوية بين المتماثلين (٤).
_________________
(١) في (خ): [القول].
(٢) سقطت من (خ).
(٣) في (خ): [محفوظًا]، وهو خطأ، والذي أثبته من (د، ف).
(٤) وقال المصنف ﵀ - في شرح العمدة (١/ ٧٢): "فأما إن تغير -أي الماء- بما لا يمكن صونه عنه، فهو باق على طهوريته كالماء المتغير بالطحلب وورق الأشجار المنجابة فيه وما يحمله المد من الغثاء، وما ينبت فيه، وكذلك إن تغير بطول مكثه، وكذلك ما تغير بمجاريه: كالقار، والنفط؛ لأن هذا التغير لا يمكن صَوْن الماء عنه، وهو من فعل الله ابتداء
[ ٦٥ ]
وأيضًا: فإنه على قول المانعين، يلزم مخالفة الأصل وترك العمل بالدليل الشرعي لمعارضٍ راجحٍ، إذ كان يقتضي القياس عندهم أنه لا يجوز استعمال شيء من المتغيرات في طهارتي الحدث والخبث؛ لكن استُثني المتغير بأصل الخلقة، وبما يشق صَوْن الماء عنه للحرج والمشقة، فكان هذا موضع استحسان تُرِك له القياس، وتعارض الدلالة على خلاف الأصل وعلى القول الأول: يكون رخصة ثابتة على وفق القياس من غير تعارض بين أدلة الشرع؛ فيكون هذا أقوى (١).
_________________
(١) فأشبه التغير الذي خلق الله عليه الماء". اهـ. وقال الشافعي في "الأم" (١/ ٢٠): "وإذا وقع في الماء شيء حلال فغيَّر له ريحًا أو طعمًا، ولم يكن الماء مستهلكًا فيه، فلا بأس أن يتوضأ به، وذلك أن يقع فيه البان أو القطران فيظهر ريحه أو ما أشبهه". اهـ. وقال الجصاص في أحكام القرآن (٣/ ٤٩٢): "وما طُبخ بالماء ليكون أنقى له نحو الأشنان والصابون فالوضوء به جائز إلا أن يكون مثل السويق المخلوط فلا يجزي، وكذلك إن وقع فيه زعفران أو شيء مما يصبغ بصبغه وغيَّر لونه، فالوضوء به جائزٌ؛ لأجل غلبة الماء". اهـ. وقال ابن حزم في المحلى (١/ ١٤٧): "وكل ماء خالطه شيء طاهر مباح فظهر فيه لونه وريحه وطعمه إلا أنه لم يَزُل عنه اسم الماء، فالوضوء به جائز، والغسل به للجنابة جائز"، أهـ. وللمزيد انظر: "الجوهرة النيرة" (١/ ١٢)، و"تبيين الحقائق" (١/ ١٩)، و"العناية شرح الهداية" (١/ ٧١)، و"فتح القدير" (١/ ٧١، ٧٢) و"الإنصاف" (١/ ٣٣)، و"الغرر البهية في شرح البهجة الوردية" (١/ ٢٤)، و"مواهب الجليل" (١/ ٥٥)، و"فتاوى الرملي" (١/ ١٦، ١٧)، و"الفتاوى الهندية" (١/ ٢١، ٢٢)، و"مجمع الأنهر" (١/ ٢٧)، و"الفواكه الدواني" (١/ ١٢٣).
(٢) جاء هذا الفصل كاملًا بنصه -مع اختلافات طفيفة بيناها في موضعها- في "مجموع الفتاوى" (٢١/ ص ٢٤ إلى ص ٢٩).
[ ٦٦ ]