فيه روَايتان: إحداهما: لا يحوز؛ لقولِه: "لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَىْءٍ"، وقولِه: "لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ".
والثانية: يجوزُ الانتفاعُ به؛ لِقَوْلِ النبيِّ -ﷺ-: " [أَلا أَخَذُوا إِهَابَها فَانْتَفَعُوا بِه"] (١٤). وفى لفظٍ: "أَلا أَخَذُوا إِهَابَها فَدَبَغُوهُ فانْتَفَعُوا بِهِ"، ولأنَّ الصحابةَ، ﵃، لمَّا فَتَحُوا فارسَ، انتفعُوا بسُروجِهم وأسْلحَتِهم، وذبائحُهم مَيْتَةٌ، ولأنه انتفاعٌ مِن غيرِ ضَرَرٍ، أشْبَهَ الاصْطيادَ بالكلبِ، ورُكوبَ البغلِ والحمارِ.
فصل: فأمَّا جلودُ السِّباعِ، فقال القاضي: لا يجوزُ الانتفاعُ بها قبلَ الدَّبْغِ، ولا بَعْدَه. وبذلك قال الأوْزَاعِىُّ، ويزيد بن هارون (١٥)، وابن المُبارك، وإسحاق، وأبو ثَوْرٍ.
ورُوِىَ عن عمرَ وعلىٍّ، ﵄، كَراهية الصلاةِ في جُلودِ الثَّعالبِ، وكَرِهَه سعيد بن جُبَيْر، والحَكَمُ، (١٦) ومَكْحولٌ، وإسحاقُ.
_________________
(١) في م: "باتصال".
(٢) سقط من: الأصل، أ. وتقدم تخريج الحديث في صفحة ٩٠.
(٣) أبو خالد يزيد بن هارون الواسطى الحافظ، توفى سنة ست ومائتين. العبر ١/ ٣٥٠.
(٤) أبو مطيع الحكم بن عبد اللَّه البلخى الفقيه، صاحب أبى حنيفة، المتوفى سنه تسع وتسعين ومائة. الجواهر المضية، برقم ١٩٨٠.
[ ١ / ٩٢ ]
وكَرِه الانتفاعَ بجُلودِ السَّنانيرِ عطاءٌ، وطاوسٌ، ومُجاهد، وعَبيدة السَّلْمانِىّ (١٧).
ورخَّص في جلودِ السِّباع جابر، ورُوِىَ عن ابن سِيرِينَ، وعُرْوةَ، أنهم رَخَّصُوا في الركوبِ علَى جُلودِ النُّمور، ورَخَّص فيها الزُّهْرِىُّ.
وأباح الحسنُ، والشَّعْبىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، الصلاةَ في جُلودِ الثَّعالبِ؛ لأنَّ الثعالبَ تُفْدَى في الإِحْرام، فَكانتْ مُباحةً، ولِما ثبَت مِن الدَّليلِ علَى طهارةِ جُلودِ الْمَيْتَةِ بالدِّباغِ.
ولنا ما روَى أبو رَيحْانةَ، قال: كان رسولُ اللَّه -ﷺ- نَهَى عن رُكُوبِ النُّمورِ. أخْرَجه أبو دواد، وابنُ ماجَه (١٨)، وعن معاوية، والمِقْدام بن مَعْدِيكَرب، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- نَهَى عن لُبْسِ جُلودِ السِّباعِ، والرُّكوبِ عليها. روَاه أبو داود، (١٩) ورُوِىَ أنَّ النبيَّ -ﷺ- نَهَى عن افْتِرَاشِ جُلُودِ السِّباعِ. روَاه التِّرْمِذِىُّ (٢٠) وروَاه أبو داود (٢١)، ولفظُه (٢٢) أنَّ النبيَّ -ﷺ- نَهَى عن جُلودِ السِّباعِ. مع ما سَبَقَ مِن نَهْىِ النبيِّ -ﷺ- عن الانْتفاعِ بشيءٍ من المَيْتَةِ.
_________________
(١) أبو مسلم عبيدة بن عمرو السلمانى، أسلم قبل وفاة النبي -ﷺ- بسنتين ولم يره، وتوفى سنة اثنتين وسبعين، وكان من أعلم الناس بالفرائض. طبقات الفقهاء ٨٠، العبر ١/ ٧٩.
(٢) أخرجه أبو داود، في: باب في جلود النمور والسباع، من كتاب اللباس، وفى: باب ما جاء في الذهب للنساء، من كتاب الخاتم. سنن أبي داود ٢/ ٣٨٨، ٤١٠. وابن ماجه، في: باب ركوب النمور، من كتاب اللباس. سنن ابن ماجه ٢/ ١٢٠٥. والنسائي، في: باب النتف، من كتاب الزينة. المجتبى ٨/ ١٢٣. والإمام أحمد، في المسند ٤/ ٩٢، ٩٣، ٩٩، ١٣٤.
(٣) في: باب في جلود النمور والسباع، من كتاب اللباس. سنن أبي داود ٢/ ٣٨٨. كما رواه النسائي، في: باب النهى عن الانتفاع بجلود السباع، من كتاب الفرع والعتيرة. المجتبى من السنن ٧/ ١٥٦. والإمام أحمد، في: المسند ٤/ ١٠١.
(٤) في: باب ما جاء في النهى عن جلود السباع، من أبواب اللباس. عارضة الأحوذى ٧/ ٢٧١. وكذلك رواه النسائي، في: باب النهى عن الانتفاع بجلود السباع، من كتاب الفرع والعتيرة. المجتبى ٧/ ١٥٦. والدارمى، في: باب النهى عن لبس جلود السباع. سنن الدارمي ٢/ ٨٥. وفى النهى عن جلود السباع انظر ما رواه الإمام أحمد، في: المسند ٤/ ١٠١، ٥/ ٧٤، ٧٥.
(٥) انظر ما تقدم في تخريج الحديث الأسبق.
(٦) في الأصل: "ولفظ".
[ ١ / ٩٣ ]