بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[قال الشيخُ الإِمامُ العالمُ العاملُ شيخُ الإِسلام، قُدْوةُ الأنام، مَجْمُوعُ الفضائل، مُوَفَّقُ الدين أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قُدامَةَ المَقْدِسِىُّ، قَدَّس اللهُ رُوحَه، وَنوَّر ضَرِيحَهُ:] (١)
الحمدُ للَّه بارِئِ الْبَرِيَّات، وغافِر الخَطِيَّات، وعالِمِ الخَفِيَّات، المُطّلِعِ على الضمائِرِ والنِّيَّات، أحاط بكلِّ شَئٍ عِلْما، وَوَسِعَ كُلَّ شَئٍ رحمةً وحِلْما، وَقَهَرَ كُلَّ مخلوقٍ عِزةً وحُكْمًا ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (٢)، لا تدركُه الأبصار، ولا تُغيِّره الأعْصار، ولا تَتَوهَّمه الأفكار، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (٣)، أتْقَن ما صنَع وأحْكَمه، وأحْصَى كُلَّ شَئٍ وعلمَه، وخلق الإِنسانَ وَعَلَّمَهُ، ورفع قَدْرَ العِلْمِ وعظَّمه، وحظَره على من استرْذَله وحَرَّمَه، وخَصَّ به مِن خَلْقِه مَن كرَّمه، وحَضَّ عبادَه المؤمنين على النَّفِيرِ لِلتَّفَقُّهِ في الدين، فقال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٤)، نَدَبَهم إلى إِنْذَارِ بَرِيَّتِه، كَما نَدَب إلى ذلك أهلَ رسالتِه، ومَنحهم ميراثَ أهلِ نُبُوَّتِه، وَرَضِيَهم للقيامِ بحُجَّتِه، والنِّيابةِ عنه في الإِخبارِ بشريعتِه، واخْتَصَّهم مِن بينِ عبادِه بخَشْيتِه، فقَال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٥)، ثم أمَر سائِرَ الناسِ
_________________
(١) في م: "قال الإمام العالم الأوحد، الصدر الكامل، السيد الفاضل، شيخ الإِسلام، سيد العلماء، إمام أهل السنة، بقية السلف، مفتى الأمة، موفق الدين، أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى، ﵁ وأرضاه، كما اختاره لنصر دينه وارتضاه".
(٢) سورة طه ١١٠.
(٣) سورة الرعد ٨.
(٤) سورة التوبة ١٢٢.
(٥) سورة فاطر ٢٨.
[ ١ / ٣ ]
بسُؤالهم، والرُّجوعِ إلى أقْوالِهم، وجعل علامةَ زَيْغِهِم وضلالهم ذهَابَ عُلَمَائِهم، واتِّخاذَ الرُّءُوسِ مِن جُهَّالِهم، فقال النبيُّ -ﷺ-: "إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا مِنَ النَّاسِ وَلكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا (٦) ".
وصلَّى اللهُ علَى خاتَمِ الأنبياء، وسيِّدِ الأصْفياء، وإمامِ العلَماء، وأكرمِ مَن مَشَى تَحت أدِيمِ السماء، محمّدٍّ نبىِّ الرحمة، الدَّاعِى إلى سبيلِ رَبِّه بالحكمة، والكاشفِ برسالتِه جَلابِيبَ الغُمَّة، وخيرِ نَبىٍّ بُعِثَ إلى خيرِ أُمَّة، أرسلَه اللهُ بَشِيرًا ونَذِيرًا، ﴿[وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ] (٧) وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٨)، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسَلَّم تسليما كثيرا.
أما بعد: فإنَّ اللَّه تعالى برحمتِه وطَوْلِه، وقُوَّتِه وَحَوْلِه، ضَمِن بقاءَ طائفةٍ مِن هذه الأُمَّة على الحقِّ لا يضُرُّهم مَن خَذَلهم حتى يأتِىَ أمرُ اللَّه وهم علَى ذلك، وجعل السببَ في بقائِهم بقاءَ عُلَمائهم، واقْتداءَهم بأئمَّتِهم وفُقَهائهم، وجعل هذه الأُمَّةَ مع علمائِها (٩)، كالأُمَم الخالية مع أنبيائها، وأظهر في كلِّ طبقةٍ مِن فقهائها أئمةً يُقْتَدَى بها، ويُنْتَهَى إلى رأيِها، وجعل في سَلَفِ هذه الأُمَّةِ أئِمَّةً مِن الأعلام، مَهَّد بهم قَواعدَ الإِسلام، وأوْضَح بهم مُشْكلاتِ الأحكام، اتِّفاقُهم حُجَّةٌ قاطِعة، واخْتلافُهم رحمةٌ واسعة، تَحْيَى القلوبُ بأخْبَارِهم، وتحصلُ السعادةُ باقْتفاءِ آثارِهم، ثم اخْتَصَّ منهم نَفَرًا أعْلَى أَقْدَارَهم (١٠) ومَناصِبَهم، وأبْقَى ذكرَهم
_________________
(١) أخرجه البخاري، في: باب كيف يقبض العلم، من كتاب العلم، وفى: باب ما يذكر من ذم الرأى، من كتاب الاعتصام. صحيح البخاري ١/ ٣٦، ٩/ ١٢٣. ومسلم، في: باب رفع العلم وقبضه، من كتاب العلم. صحيح مسلم ٤/ ٢٠٥٨، ٢٠٥٩. والترمذي، في: باب ما جاء في ذهاب العلم، من أبواب العلم. عارضة الأحوذى ١٠/ ١٢٠. وابن ماجه، في: باب اجتناب الرأى والقياس، من المقدمة. سنن ابن ماجه ١/ ٢٠. والدارمى، في: باب ذهاب العلم، من المقدمة. سنن الدارمي ١/ ٧٧. والإِمام أحمد، في: المسند ٢/ ١٦٢، ١٩٠، ٢٠٣.
(٢) لم ترد في: الأصل.
(٣) سورة الأحزاب ٤٦.
(٤) في الأصل: "علمائهم".
(٥) في م: "قدرهم".
[ ١ / ٤ ]
ومَذاهِبَهم، فَعلَى أقْوالِهم مَدارُ الأحكام، وبمذاهبِهم يُفْتِى فقَهاءُ الإِسلام.
وكان إمامُنا أبو عبد اللَّه أحمد [بن محمد] (١١) بن حَنْبَلٍ، ﵁، مِن أوْفاهم فَضِيلة، وأقْربِهم إلى اللَّه وَسِيلة، وأتْبَعِهِم لرسولِ اللهِ -ﷺ- وأعْلَمِهم به (١٢)، وأزْهَدِهم في الدنيا وأطْوَعِهم لربِّه، فَلذلك وقَع اختيارُنا على مذهبِه.
وقد أحبَبْتُ أن أشرحَ مذهبَه واخْتيارَه، ليَعْلَم ذلك مَن اقتفَى آثارَه، وأُبَيِّنَ في كثيرٍ من المسائل ما اختُلِفَ فيه مِمَّا أُجْمِعَ عليه، وأذكرَ لكلِّ إمامٍ ما ذهب إليه، تبرُّكا بهم (١٣)، وتعريفًا لمذاهبِهم، وأُشِير إلى دليلِ بعض أقوالِهم على سبيل الاختصار، والاقْتصار مِن ذلك على المختار، وأعْزُوَ ما أمْكننِى عَزْوُه (١٤) مِن الأخبار، إلى كُتُبِ الأئمَّةِ مِن عُلَماء الآثار، لتَحْصُلَ الثِّقَةُ بمَدْلُولِها، والتَّمييزُ بين صحيحِها ومَعْلولِها، فيُعْتمدَ علَى مَعْروفِها، ويُعْرَض عن مَجْهولِها.
ثم رتَّبْتُ (١٥) ذلك علَى شرحِ مُخْتَصَر أبى القاسم عمر بن الحسين بن عبد اللَّه الْخِرَقِىِّ، ﵀، لِكَوْنِه كتابا مُبارَكا نافعًا، ومختصرًا مُوجَزًا جامِعًا، وَمُؤلِّفُه إمامٌ كبير، صالح ذُو دِين، أخو وَرَعٍ، جَمع العلمَ والعملَ، فنتبرَّك بكتابِه (١٦)، ونجعلُ الشَّرْحَ مُرتَّبًا على مَسائِلِه وأبوابِه، ونبدأ في كلِّ مسألةٍ بشَرْحِها وتَبْيينِها، وما دَلَّتْ عليه بمَنْطُوقِها ومَفْهُومِها وَمَضْمُونِها، ثم نُتْبع ذلك ما يُشابِهُها مما ليس بمذكورٍ في
_________________
(١) سقط من: الأصل.
(٢) سقط من: م.
(٣) تجاوز - ﵀ - في هذا التعبير؛ لأنه لا يجوز التبرك بالصالحين، لأن الصحابة لم يكونوا يفعلونه مع غير النبي -ﷺ- في حياته، لا مع أبى بكر ولا غيره، ولا فعله التابعون مع قادتهم في العلم والدين. والنبى -ﷺ- له خصائص في حال حياته لا يصلح أن يشاركه فيها غيره، فلا يجوز أن يقاس عليه أحد من الأئمة، هذا لو كانوا على قيد الحياة، فكيف وهم أموات! إن الأمر إذًا أشدّ، ولا يجوز إطلاقا.
(٤) في الأصل: "وأعزى" و"عزيه"، وهي لغة.
(٥) في م: "بنيت".
(٦) هذه مبالغة منه - ﵀ - لأنه ليس هناك كتاب يعتقد فيه البركة غير كتاب اللَّه ﷿؛ قال تعالى ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ سورة الأنعام ٩٢، ولأنه معصوم من الخطأ، وما عداه من الكتب فهو عرضة للخطأ. واللَّه أعلم.
[ ١ / ٥ ]
الكتاب، فتَحْصُلُ المسائلُ كتَرَاجِم الأبواب.
وبالله [أعتصم و] (١٧) أسْتعين فيما أقْصِده، وأتوكَّل عليه فيما أَعْتَمِدُه، وإيَّاه أسألُ أن [يوفقنا] (١٨) ويجعلَ سَعْيَنا مُقرِّبا إليه، ومُزْلِفًا لَدَيْه، بِرَحْمته.
فنقول، [وبالله التوفيق] (١٨):
(قَالَ أبُو الْقَاسِم عُمَرُ بن الْحُسَيْنِ بنِ عَبد اللَّه بن أحمد الْخِرَقِىُّ، رحمةُ اللهِ عليه):
قال القاضي الإِمام أبو يَعْلَى (١٩)، ﵀ (٢٠): كان الْخِرَقِىُّ علَّامة، بارعًا في مذهب أبى عبد اللَّه، وكان ذا دِينٍ، وأخا وَرَع.
وقال القاضي أبو الحسين (٢١): كانت له المصنَّفاتُ الكثيرة في المذهب، ولم يُنْشرْ (٢٢) منها إلَّا "المختصر" في الفقه، لأنه خرج من (٢٣) مدينة السَّلام لمَّا ظهر سَبُّ الصحابة بها (٢٤)، وأوْدَع كُتُبَه في دَرْب (٢٥) سليمان، [فاحترقت الدارُ والكتبُ فيها] (٢٦).
قرأ العِلْمَ علَى مَن قرأَهُ علَى أبى بكر الْمَرُّوذِىّ (٢٧)، وحَرْب الكِرْمانِىّ (٢٨)،
_________________
(١) سقط من: م.
(٢) سقط من: الأصل.
(٣) يعني أبا يعلى محمد بن الحسين بن محمد، ابن الفراء، الحنبلى، عالم زمانه في الأصول والفروع، المتوفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. ترجمه ولده ترجمة حافلة في طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٣ - ٢٣٠.
(٤) لم ينقله ابن أبي يعلى، في ترجمته في الطبقات ٢/ ٧٥ - ١١٨.
(٥) محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الفراء، ابن أبي يعلى، أي في طبقات الحنابلة ٢/ ٧٥.
(٦) في الطبقات: "ينتشر".
(٧) في الطبقات: "عن".
(٨) لم ترد في الطبقات.
(٩) في م: "دار"، والمثبت في: الأصل، والطبقات.
(١٠) في الطبقات: "فاحترقت الدار التي كانت فيها الكتب ولم تكن انتشرت لبعده عن البلد".
(١١) أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المروذى، كان أجل أصحاب الإمام أحمد، وهو الذي تولى إغماضه لما مات وغسله، وروى عنه مسائل كثيرة، توفى سنة خمس وسبعين ومائتين. طبقات الحنابلة ١/ ٥٦ - ٦٣، العبر ٢/ ٥٤.
(١٢) أبو محمد حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلى الكرمانى، رجل جليل، كان يكتب بخطه مسائل سمعها من =
[ ١ / ٦ ]
وصالح وعبد اللَّه ابْنَىْ أحمد (٢٩).
وروَى عن أبيه أبى عليٍّ الحسين بن (٣٠) عبد اللَّه، وكان أبو علىّ فقيهًا صَحِب أصحابَ أحمد، وأكْثَرَ صُحْبَتَه لأبي بكر الْمَرُّوذِىّ.
وقرأ على أبى القاسم الْخِرَقِىِّ جماعةٌ مِن شُيوخ المذهب؛ منهم أبو عبد اللَّه ابن بَطَّةَ (٣١)، [وأبو الحسن التَّمِيمىّ] (٣٢)، وأبو الحسين ابن سَمْعُون (٣٣).
وقال أبو عبد اللَّه ابن بطَّةَ: تُوُفَّىَ أبو القَاسم الْخِرَقِىُّ سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، ودُفِن بدمشق، وزرتُ قبرَه (٣٤).
وسمعتُ مَن يذكر أن سببَ موته، أنه أنْكَر مُنْكرًا بدمشق، فضُرِب، فكان مَوْتُه بذلك.
قال، ﵀: (اخْتَصَرْتُ هَذَا الْكِتَابَ). يعني قَرَّبْتُه، وقَلَّلْتُ ألفاظَه، وأوْجَزْته، والاختصار: هو (٣٥) تقليل الشيء، وقد يكون [اختصارُ الكتاب بتَقْليلِ مسائِله، وقد يكون] (٣٦) بتقليلِ ألْفاظِه مع تَأْديَةِ المعنى، ومِن ذلك قولُ النبيِّ
_________________
(١) = الإمام أحمد، وهو من رجال القرن الثالث. طبقات الحنابلة ١/ ١٤٥، ١٤٦.
(٢) أبو الفضل صالح بن الإمام أحمد هو أكبر أولاده، وكان سخيا، سمع من أبيه مسائل كثيرة، وولى القضاء، مولده سنة ثلاث ومائتين، ووفاته سنة ست وستين ومائتين. طبقات الحنابلة ١/ ١٧٣ - ١٧٦. أما أبو عبد الرحمن عبد اللَّه، فقد ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين، وكان صالحا صادق اللهجة كثر الحياء، وقع له عن أبيه مسائل جياد كثيرة، وتوفى سنة تسعين ومائتين. طبقات الحنابلة ١/ ١٨٠ - ١٨٨، العبر ٢/ ٨٦.
(٣) سقط من: م.
(٤) أبو عبد اللَّه عبيد اللَّه بن محمد بن محمد العكبرى، ابن بطة، صنف كتبا كثيرة في السنة، وكان مستجاب الدعوة، توفى سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. طبقات الحنابلة ٢/ ١٤٤ - ١٥٣، العبر ٣/ ٥٣.
(٥) سقط من: الأصل، وهو في: الطبقات، وفيه خطأ: "أبو الحسين"، وهو: أبو الحسن عبد العزيز بن الحارث بن أسد التميمي، مولده سنة سبع عشرة وثلاثمائة، صنف في الأصول والفروع والفرائض، وتوفى سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. طبقات الحنابلة ٢/ ١٣٩.
(٦) أبو الحسين محمد بن أحمد بن إسماعيل، ابن سمعون، الشيخ الزاهد، دوَّن الناس حكمه، وجمعوا كلامه، وأملى عدة مجالس. توفى سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. طبقات الحنابلة ٢/ ١٥٥ - ١٦٢، العبر ٣/ ٣٦.
(٧) هذا آخر كلام ابن بطة، كما جاء في الطبقات ٢/ ١١٨.
(٨) سقط من: م.
(٩) سقط من: الأصل.
[ ١ / ٧ ]
-ﷺ-: "أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَاخْتُصِرَ لِىَ الْكَلَامُ اخْتِصَارًا (٣٧) "، ومِن ذلك مُخْتَصَرات الطريق (٣٨)، وفى الحديث: "الْجِهَادُ مُخْتَصَرُ طَرِيقِ الْجَنَّةِ" (٣٩)، وقد نُهِىَ عن اختصارِ السجود، ومعناه جَمْعُ آى السَّجدات فيقرؤُها في وقتٍ واحد (٤٠). وقيل: هو أن يحذِفَ الآيةَ التي فيها السجدةُ ولا يقرؤُها. وفائدةُ الاختصار التَّقْرِيبُ والتَّسْهيل علَى مَن أراد تعلُّمَه وحِفْظَه، فإنَّ الكلامَ يُخْتَصَرُ لِيُحْفَظَ، ويُطَوَّلُ لِيُفْهَمَ.
وقد ذكر، ﵀، مَقْصودَه بالاختصار، فقال: (لِيَقْرُبَ عَلَى مُتَعَلَّمِهِ)، أي يسْهُلَ عليه، ويقِلَّ تَعَبُه في تَعلُّمِه.
وقوله: (عَلَى مَذْهَبِ أَبِى عَبْدِ اللهِ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، ﵁ [وأرْضَاهُ] (٤١» فهو الإِمام (٤٢) أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد اللَّه بن حَيَّان بن عبد اللَّه بن ذُهْل بن شَيْبان بن ثَعْلَبة بن عُكَابة بن صَعْب بن على بن بكر بن وائِل بن قاسِط بن هِنْب بن أفْصَى بن دُعْمِىّ بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعة بن نِزَار بن مَعَدّ بن عدنان، يَلْتَقِى نسبُه ونسب رسولِ
_________________
(١) أخرجه الدارقطني، في النوادر، بلفظ: "أعطيت جوامع الكلم واختصر لي الحديث اختصارا". سنن الدارقطني ٤/ ١٤٤، ١٤٥. والبيهقي، في: شعب الإيمان. انظر: الجامع الكبير، للسيوطي ١/ ١٢٠، والجامع الصغير (الفتح الكبير) ١/ ١٩٩. وأخرج صدره البخاري، في: باب قول النبي -ﷺ-: نصرت بالرعب مسيرة شهر، من كتاب فضل الجهاد والسير، وفى: باب المفاتيح في اليد، من كتاب تعبير الرؤيا، وفى: باب قول النبي -ﷺ-: بعثت بجوامع الكلم، من كتاب الاعتصام. صحيح البخاري ٤/ ٦٥، ٩/ ٤٧، ١١٣. وورد بألفاظ: "أوتيت" و"بعثت" و"أعطيت".
(٢) في م: "الطرق".
(٣) لم نجده.
(٤) يأتى في سجود التلاوة.
(٥) سقط من: الأصل.
(٦) انظر: مناقب الإمام أحمد، لابن الجوزى، طبقات الحنابلة، لابن أبي يعلى ١/ ٤ - ٢٠، المنهج الأحمد، للعليمى ١/ ٥ - ٥٤، طبقات الشافعية الكبري ٢/ ٢٧ - ٦٣، وما جاء من المراجع في حاشيته، وترجمة الإمام أحمد من تاربخ الإِسلام، للذهبى، وسير أعلام النبلاء، له ١١/ ١٧٧ - ٣٥٨.
[ ١ / ٨ ]
اللَّه -ﷺ- في نزار؛ لأنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- من ولد مُضَر بن نزار، وأحمد من ولد ربيعة بن نزار.
قال عبد اللَّه بن أحمد: قال أبى: وُلِدْتُ سنة أربع وستين ومائة.
وقال عبد اللَّه: ومات في ربيع الآخِر، سنة إحدى وأربعين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة.
حملَتْ به أُمُّه بِمَرْوَ، وولدتْه ببغداد، ونشأ بها، وسافر في طلب العلم أسفارا كثيرة، ثم رجع إلى بغداد، وتُوُفِّىَ بها، بعد أن ساد أهلَ عصره، ونصَر اللهُ به دينَه.
قال أبو عُبَيْد القاسم بن سَلَّام (٤٣): ليس في شَرقٍ ولا غربٍ مثلُ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، مَا رأيتُ رجلًا أعْلَمَ بالسُّنَّةِ منه.
وقال الإِمام أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس الشَّافِعِىُّ، رحمةُ اللهِ ورضْوانُه عليه: أحمد بن حنبل إمامٌ في ثمانِ خِصَالٍ؛ إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في القرآن، إمام في اللغة، إمام في الفَقْر، إمام في الزهد، إمام في الوَرَع، إمامٌ في السُّنَّة.
وقال عبد الرحمن بن مَهْدِيٍّ (٤٤) فيه، وهو صغير: لقد كاد هذا [الغلامُ أنْ] (٤٥) يكون إمامًا في بطنِ أمِّه.
وقال أبو عُمَيْر (٤٦) ابن النَّحَّاس الرَّمْلِىّ، وذكر أحمدَ بن حنبل: ﵀ (٤٧)، ما كان أصْبَرَه، وبالماضِين ما كان أشْبَهَه، وبالصالحين ما كان ألْحَقَه (٤٨)، عَرَضتْ له الدنيا فأبَاها، والبِدَعُ فَنَفَاها (٤٩)، واخْتَصَّه اللهُ سبحانه بنَصْرِ دينِه، والقيامِ بحفْظِ
_________________
(١) أبو عبيد القاسم بن سلام الخزاعي اللغوى صاحب المصنفات في فنون شتى، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين. تاريخ العلماء النحويين ١٩٧ - ٢٠٠. وانظر حواشيه.
(٢) أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدى البصري اللؤلؤى الحافظ، أحد أركان الحديث بالعراق، توفى سنة ثمان وتسعين ومائة. سير أعلام النبلاء ٩/ ١٩٢ - ٢٠٩.
(٣) سقط من: الأصل، وهو في: م، ومناقب الإمام أحمد، لابن الجوزى ١٠٢.
(٤) في م: "عمر"، والصواب في: الأصل، ومناقب الإمام أحمد ١٧٣، وهو عيسى بن محمد.
(٥) جاءت في م مؤخرة بعد قوله: "وبالصالحين" الآتى.
(٦) وكذلك في سير أعلام النبلاء ١١/ ١٩٨، وفي مناقب الإمام أحمد: "أبصره".
(٧) إلى هنا انتهى ما جاء في سير أعلام النبلاء، ومناقب الإمام أحمد، من كلام أبى عمير.
[ ١ / ٩ ]
سُنَّتِه، ورَضِيَه لإِقامةِ حُجَّتِه، وَنَصْرِ كلامِه حين عَجَز عنه الناسُ.
قيل لبشر بن الحارث (٥٠)، حين ضُرِب أحمد: يا أبا نصر، لو أنَّك خرجْتَ فقلتَ: إنَّى علَى قَوْلِ أحمد بن حنبل؟
فقال بشر: أتُرِيدون أن أقومَ مقامَ الأنبياء؟ إنَّ أحمدَ بن حنبل قد (٥١) قام مقامَ الأنبياء.
وقال علىُّ بن شُعَيْب الطُّوسِىّ: كان أحمدُ بن حنبل عندنا المثلَ، الذي قال النبيُّ -ﷺ-: "إنَّهُ كَائِنٌ في أُمَّتى مَا كَانَ في بَنِى إسْرَائِيلَ، حَتَّى إنَّ الْمِنْشَارَ لَيُوضَعُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِ أَحَدِهِمْ ما يَصْرِفُهُ (٥٢) ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ (٥٣) "، ولولا أن أبا عبد اللَّه أحمدَ [بن محمد] (٥٤) بن حنبل قام بهذا الشَّأْن لَكان عارًا وشَنارًا علينا إلى يوم القيامة، أنَّ قومًا سُئِلُوا فلم يخرُجْ منهم أحَدٌ.
وفضائلُه، وما قالَه الأئمَّةُ في مَدْحِهِ كثيرٌ، وليس هذا (٥٥) مَوْضِعَ اسْتِقْصائِه، وقد صنَّف فيه غيرُ واحدٍ من الأئمَّة كُتُبًا مُفْردَة، وإنما غرضُنا ها هنا الإِشارةُ إلى نُكْتةٍ مِن فضلِه، وذِكْرِ نَسَبِه، ومَوْلِدِه، وَمَبْلَغِ عُمْرِه، إذْ لا يحسُن مِن مُتَمَسِّكٍ بمذهبِه، وَمُتَفَقِّهٍ علَى طَريقتِه، أن يجهلَ هذا القَدْرَ من إمامِه.
_________________
(١) أبو نصر بشر بن الحارث المروزي الزاهد، المعروف ببشر الحافى، توفى سنة سبع وعشرين ومائتين. العبر ١/ ٣٩٩.
(٢) سقط من: م.
(٣) في م: "يصده"، والمثبت في: الأصل، ومواطن التخريج عدا ما رواه البخاري في كتاب الإكراه، ففيه: "يصده".
(٤) لم يرد تخصيص ذلك ببني إسرائيل، وإنما ورد فيمن كان قبلكم، على إطلاقه، أو في قصة أصحاب الأخدود. وأخرجه البخاري، في: باب ما لقى النبي -ﷺ- وأصحابه من المشركين بمكة، من كتاب المناقب، وفى باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر، من كتاب الإكراه. صحيح البخاري ٥/ ٥٧، ٩/ ٢٦. ومسلم، في: باب قصة أصحاب الأخدود، من كتاب الزهد. صحيح مسلم ٤/ ٢٣٠٠. وأبو داود، في: باب في الأسير يكره على الكفر، من كتاب الجهاد. سنن أبي داود ٢/ ٤٤. والترمذي، في: تفسير سورة البروج، من كتاب التفسير. عارضة الأحوذى ١٢/ ٢٤١. والإمام أحمد، في المسند ٥/ ١٠٩ - ١١١، ٦/ ١٧، ٣٩٥.
(٥) سقط من: الأصل.
(٦) في م: "ها هنا"، والمثبت في: الأصل.
[ ١ / ١٠ ]
ونسألُ اللَّه الكريمَ أن يجمعَ بيننا وبينَه في دارِ كرامتِه، والدَّرجاتِ العُلَى مِن جَنَّتِه، وأن يجعلَ عملَنا صالحًا، ويجعلَه لوجهِه خالصًا، ويجعلَ سَعْيَنا مُقَرِّبًا إليه، مُبَلِّغًا إلى رِضْوانِه، إنّه جَوادٌ كريم.
[ ١ / ١١ ]