يعني: الماءَ المُنْفَصِلَ عن أعضاءِ المُتَوضِّىء، والمُغْتَسِلُ في مَعْناه، وظاهرُ المذهبِ أنَّ المُسْتعمَلَ في رَفْعِ الحدثِ طاهرٌ غيرُ مُطَهِّرٍ، لا يَرْفَعُ حَدَثًا، ولا يُزِيلُ نجسًا، وبه قال اللَّيْثُ (٢) والأوْزَاعِىُّ، وهو المشهورُ عن أبي حنيفة، وإحْدَى الرِّوايتَيْن عن مالك، وظاهِرُ مذهب الشافعيِّ.
وعن أحمدَ روايةٌ أُخْرَى، أنه طاهِرٌ مُطَهِّرٌ. وبه قال الحسنُ، وعَطاء (٣)، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِىُّ، ومَكْحُول (٤)، وأهلُ الظَّاهِر، والرِّوايةُ الثانية لمالك، والقولُ الثاني للشافعيِّ.
ورُوِىَ عن علَيٍّ، وابنِ عمر، وأبى أُمَامةَ فيمَن نَسِىَ مَسْحَ رأْسِه، إذا وجدَ بَللًا في لِحْيَتِه، أجْزَأَهُ أن يمسحَ رأسَه بذلك البَلَلِ. ووَجْهُ ذلك أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: "الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ (٥) "، وقال: "الْمَاءُ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ"، ورُوِىَ أنَّ النبيَّ -ﷺ- اغْتَسلَ مِن الْجَنابةِ، فرأَى لُمْعَةً لم يُصِبْها الماءُ، فعصَر شَعَرَه عليها. رَواهما الإِمَامُ أحمد، في "المسند (٦) "، وابنُ ماجَه (٧)، وغيرُهما، ولأنه غُسِلَ به مَحَلٌّ طاهِر، فلم تَزَلْ به طُهُورِيَّتُه، كما لو غُسِلَ به الثوبُ، ولأنه لَاقَى مَحَلًّا طاهِرًا، فلا يخرُج عن
_________________
(١) في م: "وضى".
(٢) أبو الحارث الليث بن سعد الفهمى، شيخ الديار المصرية وعالمها، الإمام الثقة الحجة، المتوفى سنة خمس وسبعين ومائة. وفيات الأعيان ٤/ ١٢٧، ١٢٨، العبر ١/ ٢٦٦، ٢٦٧.
(٣) أبو محمد عطاء بن أبي رباح، من فقهاء التابعين بمكة، من أجلائهم، توفى سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائة. طبقات الفقهاء ٦٩، العبر ١/ ١٤١، ١٤٢.
(٤) أبو عبد اللَّه مكحول بن عبد اللَّه الهذلى مولاهم الشامى الحافظ، فقيه الشام في عصره، اختلف في وفاته بين سنوات اثنتى عشرة وثلاث عشرة وأربع عشرة وست عشرة وثمانى عشرة ومائة. طبقات الفقهاء، للشيرازي ٧٥، وفيات الأعيان ٥/ ٢٨٠ - ٢٨٣، تذكرة الحفاظ ١/ ١٠٧، ١٠٨.
(٥) أخرجه أبو داود، في باب الماء لا يجنب، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود ١/ ١٧. والترمذي، في: باب الرخصة في فضل طهور المرأة، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذى ١/ ٨٢. وابن ماجه، في: باب الرخصة بفضل طهور المرأة، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه ١/ ١٣٢.
(٦) الأول في ٦/ ٣٣٠، وانظر للثاني: الفتح الرباني ٢/ ١٣٨.
(٧) روى الثاني، في: باب من اغتسل من الجنابة فبقى في جسده لمعة لم يصبها الماء كيف يصنع، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه ١/ ٢١٧.
[ ١ / ٣١ ]
حُكْمِه بتَأْدِيَةِ الفَرْضِ به، كالثَّوْبِ يُصَلَّى فيه مِرَارًا.
وقال أبو يوسف: هو نَجِسٌ. وهو رِوَايةٌ عن أبي حَنِيفة؛ لأنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: "لَا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ فِي الْمَاءَ الدَّائِمِ، وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ جَنَابَةٍ". رَواه أبو داود (٨)، فاقْتَضَى أنَّ الغُسْلَ فيه كالبَوْلِ فيه، ولأنه يُسَمَّى طَهارةً والطَّهارةُ لا تكون إلَّا عن نَجاسةٍ، إذْ تَطْهِيرُ الطاهرِ لا يُعْقَلُ.
ولنا على طهَارتِه، أنَّ النبيَّ -ﷺ- كان إذا تَوَضَّأَ كادُوا يقْتَتِلُون علَى وَضُوئِه. روَاه البُخارِىُّ (٩)، ولأنه -ﷺ- صَبَّ علَى جابرٍ مِن وَضُوئِه إذْ كان مَرِيضًا (١٠)، ولو كان نَجِسًا لم يَجُزْ فِعْلُ ذلك، ولأنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-[وأصحابه] (١١) ونِسَاءَه كانوا يتوَضَّئُونَ في الأَقْداحِ والأَتْوارِ ويَغْتَسِلُون في الْجِفَانِ، ومِثْلُ هذا لا يسْلَمُ مِن رَشاشٍ يقَعُ في الماء مِن الْمُسْتَعْمَلِ، ولهذا قال إبراهيم النَّخَعِيُّ: ولا بدَّ (١٢) من ذلك.
_________________
(١) في: باب البول في الماء الراكد، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود ١/ ١٧، وأخرجه أيضًا البخاري، في: باب الماء الدائم، من كتاب الوضوء. صحيح البخاري ١/ ٦٩. والنسائي، في: باب النهى عن الاغتسال الجنب في الماء الدائم، وباب النهى عن البول في الراكد والاغتسال منه، من كتاب الطهارة، وباب ذكر نهى الجنب عن الاغتسال في الماء الدائم، من كتاب الغسل والتيمم. المجتبى ١/ ١٠٣، ١٠٤، ١٦٢. والإمام أحمد، في المسند ٢/ ٤٣٣. وبنحوه أخرجه مسلم، في: باب النهى عن البول في الماء الراكد، من كتاب الطهارة. صحيح مسلم ١/ ٢٣٥، والترمذي، في: باب كراهية البول في الماء الراكد، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذى ١/ ٨٦. والنسائي، في: باب الماء الدائم، من كتاب الطهارة. المجتبى ١/ ٤٤. وابن ماجه، في: باب النهى عن البول في الماء الراكد، من كتاب الطهارة ١/ ١٢٤. والدارمى، في: باب الوضوء من الماء الراكد، من كتاب الوضوء. سنن الدارمي ١/ ١٨٦. والإمام أحمد، في المسند ٢/ ٢٥٩، ٢٦٥، ٢٨٨، ٣١٦، ٣٤٦، ٣٦٢، ٣٩٤، ٤٦٤، ٥٢٩، ٣/ ٣٤١، ٣٥٠.
(٢) في باب استعمال فضل وضوء الناس، من كتاب الوضوء، وباب الشروط في الجهاد، من كتاب الشروط. صحيح البخاري ١/ ٥٩، ٣/ ٢٥٤. ورواه أيضًا الإمام أحمد، في المسند ٤/ ٣٢٩، ٣٣٠.
(٣) أخرجه البخاري، في: باب وضوء العائد للمريض، من كتاب المرضى. صحيح البخاري ٧/ ١٥٧.
(٤) سقط من: الأصل.
(٥) في الأصل: "وبد".
[ ١ / ٣٢ ]
فلو كان الْمُسْتَعْمَلُ نَجِسًا لَنَجُسَ الماءُ الذي يقَع فيه، وقد رُوِىَ عن النبيِّ -ﷺ-، أنَّه قَدَّمَتْ إليه امرأةٌ مِن نِسائِه قصعةً ليَتَوضَّأ منها، فقالت امرأة: إنِّي غَمَسْتُ يَدِى فيها وأنا جُنُبٌ. فقال: "الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ (١٣) "، ورَوَاه الإِمام أبو عبد اللَّه في "المُسْنَد" (١٤): "الْمَاءُ لَا يَنْجُسُ"، وعندهم الْحَدَثُ يَرْتَفِعُ مِن غيرِ نِيَّةٍ، ولأنه ماءٌ طاهر لَاقَى مَحَلًّا طاهِرًا، فكان طاهِرًا، كالذى غُسِلَ به الثَّوبُ الطاهِر، والدليلُ علَى أنَّ الْمُحْدِث طاهِر ما رَوَى أبو هريرة، ﵁، قال: " لَقِيَنِى رسولُ اللهِ -ﷺ- وأنا جُنُبٌ. فانْخَنَسْتُ منه فاغتسلتُ ثم جئتُ، فقال: "أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ " قلتُ: يا رسولَ اللهِ كنتُ جُنُبًا، فكرهتُ أن أُجَالِسَك، فذهبتُ فاغْتَسَلْتُ ثم جئتُ. فقال: "سُبْحَانَ اللهِ، الْمُسْلمُ لَا يَنْجُسُ". مُتَّفَقٌ عليه (١٥)، ولأنه لو غَمَس يدَه في الماءِ لم يُنَجِّسْه، ولو مسَّ شيئًا رَطْبًا، ولو حَمَلَه مُصَلٍّ لم تَبْطُلْ صلاتهُ.
وقولهم: إنه نَهَى عن الغُسْلِ مِن الجنابة في الماءِ الدَّائِم، كنَهْيِه عن البَوْلِ فيه. قلنا: النَّهْىُ يدلُّ علَى أنه يُؤثِّرُ في الماءِ، وهو الْمَنعُ مِن التَّوَضُّؤِ به، والاقِتْرانُ يقْتَضِى التَّسْوِيةَ في أصل الحُكْمِ، لا في تفْصيلهِ، وإنَّما سُمِّىَ الوضوءُ والغُسْلُ طهارةً لكَوْنِه يُنَقِّى الذُّنوبَ والآثامَ، كما ورد في الأخْبار، بدليلِ ما ذكرْناه.
إذا ثبَت هذا فالدليلُ علَى خرُوجِه عن الطُّهُورِيَّةِ قولُ النبيِّ -ﷺ-: "لَا يَغْتَسِلْ
_________________
(١) تقدم.
(٢) في ١/ ٣٣٧، وبرواية: "إن الماء لا ينجسه شيء" في ١/ ٢٣٥، ٢٨٤، ٣٠٨.
(٣) أخرجه البخاري، في: باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس، وباب الجنب يخرج ويمشى في السوق وغيره، من كتاب الغسل. صحيح البخاري ١/ ٧٩، ٨٠. ومسلم، في: باب الدليل على أن المسلم لا ينجس، من كتاب الحيض. صحيح مسلم ١/ ٢٨٢. وأبو داود، في: باب في الجنب يصافح، من كتاب الطهارة. سنن أبي داود ١/ ٥٢. والترمذي، في: باب ما جاء في مصافحة الجنب، من أبواب الطهارة. عارضة الأحوذى ١/ ١٨٤، ١٨٥، والنسائي، في: باب مماسة الجنب ومجالسته، من كتاب الطهارة. المجتبى ١/ ١١٩، وابن ماجه، في: باب مصافحة الجنب، من كتاب الطهارة. سنن ابن ماجه ١/ ١٧٨. والإمام أحمد، في المسند ٢/ ٢٣٥، ٣٨٢، ٤٧١، ٥/ ٣٨٤، ٤٠٢.
[ ١ / ٣٣ ]