مولده (^١):
ولد في جمادى الأولى سنة ٤٥٥ هـ، ولم أقف على من ذكر مكان ولادته، ولعلّ ولادته في قرية زاغون؛ لأنّه إليها يُنسب.
نشأته:
عاش ابن الزاغوني من سنة ٤٥٥ هـ وقت ولادته إلى سنة ٥٢٧ هـ وقت وفاته في عهد الخلافة العبّاسية التي بدأت من سنة ١٣٢ هـ، وانتهت سنة ٦٥٦ هـ، فيكون قد عاش في فترة ضعف الخلافة العبّاسية وتفكُّكِها، وقد تميّزت هذه المرحلة بأمور (^٢):
١ - سيطرة الجند على مركز الخلافة العبّاسية، وذلك عندما استقدم المعتصم الأتراك السلاجقة من بلاد ما وراء النهر جندًا له، وما قاموا به من تآمر وسيطرةٍ على الخلافة وصارت الأمور في الحقيقة بأيديهم، والخليفة صورة في الظاهر، وتآمروا مع المنتصر على قتل أبيه المتوكّل، وفسد الأمن، وكثرت الفتن، ثم تولّى بعدهم البويهيّون الرافضة، فازداد الأمر سوءًا، حتى قوي نفوذ الأتراك السلاجقة، فدخلوا بغداد وقضوا على البويهيّين الرافضة، فتحسن الأمر عن ذي قبل،
_________________
(١) ينظر: تاريخ الإسلام ٣٦/ ١٥٤، النجوم الزاهرة ٥/ ٢٥٠، سير أعلام النبلاء ١٩/ ٦٠٥، شذرات الذهب ٤/ ٨١.
(٢) ينظر: تاريخ الإسلام لحسن إبراهيم حسن ٤/ ٣٥، التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٦/ ٧ - ١٨، ٢٢.
[ ٢٣ ]
وقضوا على ضلالات الرافضة والقرامطة في الجزيرة العربية، وانتصروا على الروم البيزنطيين، ووقفوا ضدّ الصليبيّين.
٢ - ظهور دويلات إسلامية متعدّدة أدّى ظهورها إلى ضعف الخلافة العبّاسية وإلى سقوطها نهاية الأمر، فظهرت الدولة الصفارية في خراسان (٢٥٤ هـ ٢٩٠ هـ)، والدولة السامانية الفارسية في سمرقند (٢٦١ هـ ٣٨٩ هـ)، والدولة الغزنوية التركية في غزنة (٣٥١ هـ ٥٨٢ هـ)، والدولة الطولونية بمصر (٢٥٦ هـ ٢٩٢ هـ)، وكذا الدولة الإخشيدية (٣٢٣ هـ ٣٥٨ هـ)، ودولة بني حمدان في الموصل (٣١٧ هـ ٣٦٩ هـ)، وكذا في حلب (٣٣٣ هـ ٣٩٢ هـ)، ودولة المرابطين في المغرب (٤٤٨ هـ ٥٤١ هـ)، ودولة الموحدين (٥٢٤ هـ ٦٦٧ هـ)، ودولة بني زياد في اليمن (٢٠٤ هـ ٢٠٧ هـ)، وغيرها.
وهناك أمور أخرى تميّزت بها هذه المرحلة، منها الاختلاف بين العبّاسيين، وحياة الترف التي تحيط بهم، وغير ذلك.
وقد عاصر ابن الزاغوني من الخلفاء العبّاسيّين من يلي:
١ - عبد الله القائم بأمر الله بن أحمد القادر (٤٢٢ هـ ٤٦٧ هـ).
٢ - عبد الله المقتدي بالله بن محمد بن القائم (٤٦٧ هـ ٤٨٧ هـ).
٣ - أحمد المستظهر بالله بن المقتدي (٤٨٧ هـ ٥١٢ هـ).
٤ - الفضل المسترشد بالله بن المستظهر بالله (٥١٢ هـ ٥٢٩ هـ).
ورغم ما كان في هذا العصر من ضعف وتفكّك وصراعات وأحداث داخلية وخارجية فإنه كانت هناك نهضة علمية وازدهار للحضارة والعلوم والآداب، وبناء للمدارس والصروح العلمية، وإقامة لحلقات التدريس في المساجد ومجالس المناظرة، واهتمام بالكتب والمكتبات التي تضمّ شتى العلوم والفنون.
وظهر في هذا العصر علماء أفذاذ ونوابغ في علومٍ شتّى، منهم الشاطبيّ في القراءات، وابن عطية الأندلسيّ في التفسير، والبغويّ في الحديث،
[ ٢٤ ]
وابن عساكر في التاريخ، وغيرهم من العلماء المتبحرين كابن الجوزي، والغزالي (^١).
واتّسم هذا العصر في الجانب الفقهي باستقرار المدارس الفقهية المختلفة وسريان التقليد، وبدأت مرحلة التهذيب والتنقيح وتحرير أقوال علماء المذاهب وإظهار علل الأحكام التي استنبطها الأئمة والترجيح بين الآراء المختلفة في المذهب رواية ودراية، ونصرة أتباع كلّ مذهبٍ مذهبهم، إلى غير ذلك (^٢).
واشتهر في هذه الفترة من فقهاء الحنابلة من يلي:
١ - القاضي أبو يعلى (ت: ٤٥٨ هـ).
٢ - أبو جعفر الهاشميّ (ت: ٤٧٠ هـ).
٣ - أبو الخطاب الكلوذاني (ت: ٥١٠ هـ).
٤ - ابن عقيل (ت: ٥١٣ هـ).
٥ - ابن هبيرة (ت: ٥٦٠ هـ).
كما اشتهر غيرهم من فقهاء المذاهب الأخرى.
فمن فقهاء الحنفية:
١ - السرخسي (ت: ٤٨٣ هـ).
٢ - أبو عبد الله بن الدامغاني (ت: ٤٧٨ هـ).
٣ - أبو بكر الكاساني (ت: ٥٨٧ هـ).
ومن فقهاء المالكية:
١ - أبو الوليد الباجي (ت: ٤٩٤ هـ).
٢ - أبو بكر ابن العربي (ت: ٥٣٤ هـ).
_________________
(١) ينظر: تاريخ الإسلام ٤/ ٤٤٠ - ٥٦٠.
(٢) ينظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري بك ص ٢٥٣ - ٢٦٤.
[ ٢٥ ]
٣ - القاضي عياض (ت: ٥٤١ هـ).
ومن فقهاء الشافعية:
١ - إمام الحرمين الجويني (ت: ٤٨٧ هـ).
٢ - علي الطبري، المعروف بـ «الكيا الهرّاسي»، (ت: ٥٠٤ هـ).
٣ - أبو حامد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ).
وغيرهم.
وقد نتج عن اجتهاد أتباع كلّ مذهب في تحرير مذاهبهم واجتماعهم في قِطر إسلاميّ اتّصالٌ علميّ بينهم، وتبادل للأفكار، وشيوع مجالس المناظرة.